ميشال الدكاش

4 آب... الجريمة التي لم تنتهِ بعد

4 دقائق للقراءة
التاريخ أثبت أنّ العدالة قد تتأخّر إلا أنّها لا تموت

هناك جروح لا يُقاس عمرها بالسنوات، بل بعدد المرّات التي يُطلب فيها من الضحيّة أن تتعايش مع وجعها، فيما يُمنح الجلّاد حقّ الصمت. فعندما تُمنَع الحقيقة، يبدأ العقل بصناعة ألف تفسير ليحمي نفسه من الألم، ويحاول أن يقنع صاحبه بأنّ الوقت كفيلٌ بإخماد الوجع. لكنّ القلب يعرف دائمًا أنّ الجواب الناقص ليس جواباً، وأنّ العدالة المؤجّلة ليست عدالة.

هذا تمامًا هو جرح الرابع من آب في بيروت؛ جرحٌ لم يُقفل، ولن يُقفل، لأنّ الحقيقة ما زالت رهينة، والعدالة ما زالت مؤجّلة.

صوت تقرّش الزجاج تحت أقدامنا وأيدينا ونحنا نساعد من يظهر أمامنا، لا يزال يسكن ذاكرتنا حتى اليوم. لم يكن ذلك مجرّد انفجار، بل لحظة انكسر فيها شيءٌ في وجدان اللبنانيين، شيءٌ لا يُرمَّم بالإسمنت ولا يُعاد بنشرة أخبار ولا بخطاب سياسي. وقضيّة ٤ آب أكبر من تفجير مرفأ، لأنّها أصبحت امتحانًا لمعنى الدولة، ولمعنى العدالة، ولمعنى الإنسان في هذا البلد.

إذا تبدّلت موازين القوى على الساحة الدوليّة، فليس مستبعدًا أن تخرج الحقيقة من الأدراج. الجميع يعرفها. من الفاعل إلى المفعول به، ومن الذين خطّطوا إلى الذين سكتوا، ومن الذين برّروا إلى الذين عطّلوا. المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحقيقة، بل في غياب القرار بأن تُقال.

كنّا يومها ننتظر قرار المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإذا ببيروت تُغتال مرّةً أخرى. وكأنّ كلّما اقتربت ساعة الحقيقة، يخرج من يريد دفنها تحت ركامٍ جديد، أو تحت ضجيجٍ جديد، أو تحت رواية جديدة. لكنّ التاريخ أثبت أنّ العدالة قد تتأخّر، إلا أنّها لا تموت.

سنوات طويلة حاولوا خلالها إقناع الناس بأنّ ما حصل مجرّد إهمال. أرادوا غسل أيديهم من الدماء، وكأنّ الإهمال يُفسّر هذا الحجم من الكارثة، أو يبرّر هذا الكمّ من التعطيل، أو يمحو مسؤوليّة من كان يعلم، ومن كان يستطيع أن يمنع، ومن اختار أن يصمت. والأسوأ أنّ أحداً لم يشعر بأنّ الخجل يفرض عليه أن يغادر المشهد السياسي. ما زالوا يتحدّثون عن الأخلاق والقيم، ويتنطّحون على الشاشات بكل وقاحة فيما العدالة معلّقة، وما زالت عائلات الضحايا تنتظر جوابًا واحدًا: لماذا؟ ماذا حصل؟

هذا الجرح لا يُختم بمرور الوقت. لا تُنهيه ذكرى سنويّة، ولا تطويه الخطب، ولا تمحوه المصالحات السياسيّة ولا ظروف حرب. الجرح يُقفل فقط عندما تعرف الأم من قتل ابنها، ويعرف الأب لماذا عاد إلى منزله فوجده ركاماً، ويعرف الطفل لماذا تغيّرت حياته في ثانية، وتعرف الشابة لماذا فقدت بصرها وأطرافها وهي عائدة من عملها. أمّا قبل ذلك، فكلّ حديث عن طيّ الصفحة ليس سوى محاولة لدفن الحقيقة مع أصحابها.

ليس عدلاً أن يُحاكم من مات، فيما يبقى الأحياء خارج دائرة المساءلة. وليس عدلاً أن يتحوّل من تهدّم منزله إلى متّهم لأنّه يسأل من دمّره. وليس طبيعيًا أن يصبح طلب الحقيقة فعلًا سياسيًا، فيما حماية المشتبه بهم تُقدَّم على أنّها مصلحة وطنيّة ومسّ بالسّلم الأهلي.

الرحمة لأرواح ضحايا الرابع من آب، والصبر لأهاليهم الذين أثبتوا أنّ الإصرار على العدالة ليس انتقاماً، بل دفاع عن معنى الوطنية. هؤلاء لم يطلبوا امتيازًا، بل حقًّا بديهيًا: أن يعرفوا من قتل أبناءهم، ومن فجّر مدينتهم، ومن صادر مستقبلهم.

سيقرأ التاريخ أسماء الجميع، ولن يرحم أحد. فالمحاور تتبدّل، والوجوه تتغيّر، لكنّ الحقيقة لا تشيخ، والعدالة قد تتأخّر، لكنّها لا تسقط مع مرور الزمن... فما مات حقٌّ وراءه مُطالب.

ويبقى السؤال: أيّ وطن هذا الذي يُطلب فيه من أمٍ أن تنسى ابنها، فيما يُمنح المشتبه بهم حقّ النسيان؟ أيّ عدالة هذه التي تجبر الضحيّة أن تشرح سبب مطالبتها بالحقيقة، بدل أن يشرح المسؤول سبب غيابها؟ وأيّ دولة تُصبح فيها المطالبة بالحقيقة تهمة، فيما يتحوّل تعطيلها إلى قاعدةٍ لا استثناء؟

فالجرح لا يُقفل بالنسيان، بل بالحقيقة. ولا تُبنى الأوطان فوق الركام، ولا فوق الأكاذيب، بل فوق العدالة. وسيبقى الرابع من آب شاهدًا على جريمةٍ لم ينجح الزمن في طمسها، ولن ينجح أحدٌ في دفنها. فالأكاذيب والاضاليل وحدها تحتاج إلى حراسة، أمّا الحقيقة فلا تموت بل تنتظر اللحظة التي يصبح فيها الهروب منها مستحيلًا...هكذا يحكم التاريخ.