الياس دمّر

جدل سبق العرض... "Spider-Man" واجه الرقابة وانتصر للجمهور

6 دقائق للقراءة

ظلّ جمهور السينما في لبنان عمومًا، وعشاق أفلام الأبطال الخارقين خصوصًا، يحبسون أنفاسهم حتى الساعات الأربع والعشرين الأخيرة التي سبقت وصول فيلم "Spider-Man: Brand New Day" إلى صالات بيروت. لكنّ عامل الترقّب هذه المرّة لم يكن مرتبطًا بقيمة الفيلم الفنية أو بوعوده الجماهيرية، بل باسم المنتج الأميركي–الإسرائيلي Avi Arad المدرج على شارة الإنتاج. فما إن برز اسمه حتى خرجت إلى السطح، للمرّة التي يصعب إحصاؤها، "حكاية إبريق الزيت" نفسها: السجال العقيم الذي أطاح، خلال هذا العام وحده، بثلاثة أفلام قبل أن تبلغ دُور السينما! واللافت أنّ أراد ليس اسمًا يُكتشف للمرّة الأولى، إذ إنّ ما يقارب ثلاثين فيلمًا من إنتاجه وُزّعت في الصالات اللبنانية منذ أواخر التسعينات، من دون أن يشكّل حضوره فيها أزمة. لذلك، يبدو الاعتراض المستجد على اسمه أقرب إلى انتقائية في التطبيق منه إلى ثبات في المعايير.

وكما بات مألوفًا مع كل عمل يتضمّن اسم منتج إسرائيلي، أحال "الأمن العام" الفيلم، عقب مشاهدته، إلى اللجنة المختصة برفع توصيتها إلى وزير الداخلية، صاحب القرار النهائي. ولم يصل الضوء الأخضر إلى الشركة الموزعة إلا قرابة الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأربعاء من الأسبوع الفائت، أي قبل أقل من أربع وعشرين ساعة من موعد إطلاقه الرسمي يوم الخميس الماضي، في مشهد بات يتكرر إلى حد الامتهان. ويُؤمل أن تنضج مقاربة قانونية أكثر اتساقًا ووضوحًا، فلا تبقى الأفلام رهائن قراءات انتقائية، ولا تتحوّل، بين حين وآخر، إلى أكباش فداء لمزايدات شعبوية تتدثر بعباءة الوطنية.

هكذا، إذًا، شقّ "Spider-Man: Brand New Day" طريقه أخيرًا إلى الشاشات اللبنانية، بعد مخاض إداري استغرق وقتًا أطول مما يستحقه!


خلع عباءة الأكوان المتعددة

بعد سنوات من تضخُّم عالم "Marvel" بالأكوان المتوازية، والرهان على كثافة الشخصيات والاستعراض البصري، يأتي هذا الفيلم ليعيد "الرجل العنكبوت" إلى جذوره الإنسانية، ويُقدّم أكثر أفلام Tom Holland نضجًا، ليس لأنه يرفع سقف الحركة والمؤثرات، بل لأنه يجرؤ على جعل العزلة بطله الحقيقي.

ينطلق الفيلم من النهاية المؤلمة في الجزء الأخير "Spider-Man: No Way Home"، حيث اختار "Peter Parker" أن يُمحى من ذاكرة الجميع، حمايةً لمن يحب. هذا القرار، الذي بدا في الفيلم السابق خاتمة بطولية، يتحوّل هنا إلى نقطة انطلاق لحياة جديدة يعيشها شاب فقد كل شيء تقريبًا: أصدقاءه، وعائلته، وحتى الاعتراف بوجوده! ومن هذه الفكرة البسيطة، يبني المخرج Destin Daniel Cretton فيلمًا أقل صخبًا وأكثر اهتمامًا بالإنسان المختبئ خلف القناع. وما يميّز "Brand New Day" هو أنه لا يتعامل مع فقدان الذاكرة الجماعي بوصفه مجرد حيلة درامية، بل يحوّله إلى سؤال وجودي: من يكون البطل إذا لم يعد أحد يعرفه؟ وهل تستمر البطولة عندما تختفي المكافأة المعنوية المتمثلة في الحب والاعتراف والامتنان؟

هذا السؤال يمنح الفيلم عمقًا غير مألوف في أفلام الأبطال الخارقين. "بيتر باركر" هنا لا يحارب لإنقاذ صورته، ولا لإنقاذ العالم من كارثة كونية، بل لأنه، ببساطة، لا يعرف كيف يتوقف عن فعل الصواب، حتى عندما لا يتذكره أحد!


بداية جديدة

ينجح المُخرج في كسر الإيقاع التقليدي لأفلام "مارفل". فبدل الانتقال المحموم بين المعارك والانفجارات، يمنح مَشاهده لحظات هدوء طويلة تسمح للشخصيات بالتنفس، وللمتفرج بأن يشعر بثقل الوحدة التي يعيشها "بيتر". حتى إنّ نيويورك في هذا الفيلم ليست مجرد خلفية لاستعراض القفز بين الأبراج، بل مدينة واسعة وباردة، يبدو فيها البطل صغيرًا وعابرًا، وهو اختيار بصريّ يعكس حالته النفسية بدقة.

أما توم هولاند، فيقدّم ربما أكثر أداءاته اكتمالا منذ ارتدائه البدلة الحمراء والزرقاء. لقد تخلّص أخيرًا من صورة المراهق الذي يعتمد على ملهمه "Iron Man" أو فريق "Avengers"، ليصبح "سبايدرمان" مستقلا، يخطئ ويتألم ويتخذ قراراته بنفسه. ويستفيد هولاند من السيناريو ليبرز الجانب الداخلي للشخصية أكثر من اعتماده على الفكاهة المعتادة، فتبدو لحظات الصمت والانكسار أكثر تأثيرًا من كثير من مشاهد الحركة. ولا يعني ذلك أنّ الفيلم يتخلّى عن متعة الإبهار. فمَشاهد الحركة مصمَّمة بحيوية، مع عودة واضحة إلى المواجهات ذات الطابع الكلاسيكي، بعيدًا عن المعارك الكونية التي أثقلت بعض أفلام "مارفل" الأخيرة. وتأتي الكاميرا أكثر قربًا من الجسد والحركة، بما يجعل القتال يبدو ملموسًا وخطرًا، لا مجرد استعراض رقمي. كما ينجح الفيلم في إعادة التوازن بين الدراما والإثارة من دون أن يسقط في الابتزاز العاطفي، إذ إنّ العلاقة بين "بيتر" والأشخاص الذين لم يعودوا يتذكرونه تحمل قدرًا كبيرًا من المرارة، لكنها تُقدَّم بقدر محسوب من الحساسية، بعيدًا عن المبالغة أو الميلودراما.


تفضيل القلب على الاستعراض

غير أنّ "Brand New Day" لا يخلو من بعض الملحوظات. فبعض الشخصيات الثانوية لا تحظى بالمساحة الكافية، كما أنّ بعض الخطوط الدرامية تبدو ممهّدة بوضوح لأفلام "مارفل" المقبلة أكثر من خدمتها للحبكة الحالية، إضافةً إلى أنّ إيقاع النصف الأول من الشريط قد يبدو بطيئًا لمن ينتظر فيلمًا يعتمد أساسًا على الحركة المتواصلة. لكن ذلك لا ينتقص من حقيقة أنّ الفيلم يمثل فعليًا بداية جديدة للشخصية، لا على مستوى العنوان فقط، بل على مستوى الهوية الفنية أيضًا. فهو يبتعد عن الإغراء الدائم باستدعاء النوستالجيا أو الاكتفاء بإعادة تدوير نجاحات الماضي، ليمنح "سبايدرمان" مساحة للنمو كشخصية درامية مستقلة. وبذلك، لا يقدّم "Spider-Man: Brand New Day" مجرد مغامرة جديدة للرجل العنكبوت، بل يعيد تعريف معنى البطولة.

مع الجزء الرابع، يصبح البطل أكثر إنسانية لأنه يقاتل من دون جمهور، ويضحّي من دون أن ينتظر الشكر، ويواصل السير رغم أنّ أقرب الناس نسوا اسمه. إنه أحد أكثر أفلام "سبايدرمان" نضجًا وتوازنًا، وربما الفيلم الذي يثبت أخيرًا أنّ أعظم قوة لدى "بيتر باركر" ليست خيوطه العنكبوتية، بل قدرته المستمرة على اختيار الخير، حتى عندما يصبح وحيدًا تمامًا.

وفي ظلّ استمرار النجاح الهائل للفيلم، نختتم بخلاصة تعكس تحوُّلا كاملا في ثقافة البطل الخارق: "Spider-Man is the New Superman"!



إنه أحد أكثر أفلام "سبايدرمان" نضجًا وتوازنًا