طوني طراد

7 آب 2001 خَفايَا تُكشَف للمرة الأولى

5 دقائق للقراءة

هُناك كلمات يَتهامَسها الرفاق، قبل أن يَتناقلوها فيما بينهم، تَحفر عميقًا في أفئدتهم وأدمغتهم، مِنها ما يزال طَي الكِتمان حتى هذه الساعة، على الرغم من مرور خمس وعشرين سنة على الهَمس بها خِلال أحرَج وَقت مَرَّت دقائقه وَئيدَة على رفاقي وزملائي في مَقرّ حزب طلّاب القوات اللبنانية في أنطلياس، مَكتب سلمان سماحة...

عَشيّة ذلك اليوم المَشؤوم، كنتُ أسيرُ نحو هذا المقرّ، مُتلهّفًا لحضور محاضرة الأستاذ أنطوان حبشي، نائب حاليًّا في مجلس النواب اللبناني، فلفَتتني حَركات مُريبَة وتحرّكات سريعة لوحدات من الجيش اللبناني، على الطريق الممتدة نحو ساحة انطلياس، حيث أخذت تتجَمّع عناصر عسكرية ومَلالات وناقلات جُند... ومِن دون أن أثير أيّ انتباه، تقدّمتُ بخطوات واثقة نحو "كَابينه" للهاتف الثابت، وخَابَرتُ المهندس رمزي عيراني، مُخبرًا إيّاه، بكلمات قليلة، ما يجري أمام ناظريّ.. فما كان منه إلا أن قال لي أربع كلمات بلهجةٍ آمرة: "إختفِي من عِندَك... مؤامَرة". 

نَزَعتُ الهاتف عن أذني، وهربتُ باتجاه منطقة الزلقا... وكنتُ أرى ملالات وكثيرًا من العسكَر والعديد من الأشخاص بثيابٍ سوداء حالكة، يتراكضون باتجاه مكتب سلمان سماحة في أنطلياس، رئيس مصلحة طلاب القوات اللبنانية آنذاك... وما هي إلّا لحظات، حتى سمعتُ زمامير سيارة، وصَوتًا يأمرني: "اطْلاع بسرعة"... صَعدتُ السيارة وأقفلتُ بابها... كانت يَد رمزي عيراني قد رَبّتت على كتفي، وهو يقول: "توقَعت مِنّك تهرُب صَوب الزلقا... هَلّق إنتَ معي، ما تخاف". 

- رفقاتنا بالمكتب، عِندُن محاضرة مع طوني حبشي ومَخّول... شو بَدّو يصير فِيُن ؟! 

- ما تخاف عليُن... بيَعرفو يخَلّصو حالن... إزا وَقَفنا حاجز جيش أو دَرك أو مخابرات، اتركني أنا إحكيُن... 

- بأمرَك 

نجَونا مِن قبضة أعدائنا الذين كانوا يتحَيّنون الفرَص للاطباق علينا، على الرغم مِن عِلمهم المُسبَق بمختلف خطواتنا ونشاطاتنا الجامعية... 

بعد حوالى 15 دقيقة، أخذت الاتصالات تنهال على جوّال رمزي، الذي كان قد وَصَل بسيارته الى ساحة ساسين في الأشرفية، سالِكًا طرقات متعددة... وبعد أن أوقفها بعيدًا عن منزل أهله، سألته: 

- شو بَدّك تعمُل هلّق ؟

- رَح تلفِن للشباب، وقِلّن يختفيو كَم يَوم، لَبَينما تروق الأوضاع... تلفِن لـ "فوبوس" واسألو وَين صار ؟ 

وبينما كنتُ أهاتفه، كان رمزي يُجري اتصالات سريعة بـ سلمان سماحة، كلوفيس شويفاتي، سامي الجميّل، طوني الجَلخ... وبعد أن التقطَ قليلًا من أنفاسه، سألته: 

- شو بَدّك تقول لـ مَرتَك ؟ 

إبتسَم، ثم أجاب: مَرتي معَوّده عَ هَيك كَبسات، بَس هالمَرّه الكبسِه قويّه... 

قال ذلك، وهو يستمِع الى أثير إذاعة لبنان الحر، الذي كان يذكر بعض أسماء المُعتقلين من زملائنا... 

وفجأة، إنتفضَ وقال: لازِم إعمُل شي... ما فيّي ضَلّ إتفرّج

رَبّتتُ على كتفه، وقلت له: هَلّق ما حَدا فيه يعمُل شي... أعدائنا عم يعملو فينا العَمايل... 

- فَشَر ع رْقابيهُن... خَلّيك بالسيارة، أنا بَدّي طِلّ شوَي عا إمّي، هَلّق بتكون مشَوّشِه عليي... 

- أوعَى تروح ع بَيت أهلك... المخابرات بيكونو ناطرينَك... بيكمشوك بأهوَن طريقه... هَلَق خَلّينا نِختفي، وبُكرا الصبُح منِتلاقى هَون، صَوب الساعه 8 

- إنتبه لحالَك... أنا رَح نام بالسيّاره... رَح إحكي كِلمتين مَع مَرتي

- يمكن يكونو مراقبين الخَطّ

- وَلا يهمّك... كِلمتين ما رح يكشفوني... أنا بَوّاب البنايه، وعَم إسأل مَرتي إزا بَدّا رَبطة خبز... 

- كتير منيح... بكرا منِتلاقى هَون

- ألله مَعك... ولا تنام بالبَيت

- أكيد... رح ضَلّ بالأشرفيّه... 

إلتقينا صَبيحة 8 آب في المكان عينه... كان رمزي مُتجَهّم الوَجه... وما إن رَكبنا سيّارته حتّى صَرخ: 

- عَم يضربوهُن بوزارة الدفاع... عَم يدَعّسوهُن... 

- طَوّل بالك... مَرقنا بأصعَب مِن هَيك وبقينا صامدين... 

- بَدّي صَعِّدا إعلاميًّا... ما بيصير نِترُكن يعَزّبو رفاقنا بـ هالطريقه

رَنّ جوال رمزي، فأجاب: إيه يا طوني... وَين نِمت مبَارِح ؟ مَعقول؟! شو قَلّك "فوبوس" ؟ رَح إحكيه هلّق... باي 

سألته: مين طوني ؟ 

- طوني الجَلخ، رئيس طلاب الجامعات الخاصة... 

بَعد أن اطمأنّ رمزي الى أنّ "فوبوس" بخَير، قال له: ظَبّطلي طَلّه عَالـ إم تي في أو عَالـ إل بي سي... إنت شيخ الاعلاميين، اعمول إتصالاتك، واحكيني... 

وبعد أن أقفل جوّاله، سألته: عرفِت عَدد الصبايا المَحبوسين ؟ 

إبتسم قليلًا، ثم اجاب: 

- وَين بيضَلّ عَقلك... المهِمّ هلّق يفِلتو كل اللي اعتقلوهُن... 

- لَو بَدّن يفلتوهُن ما كانو اعتقلوهُن من الأوّل 

- نحنا لازِم نضغَط عليهُن إعلاميًّا كرمال يفلتوهُن... روح هَلّق عالدوره، واحكي مع مسؤولين بـ تيلي لوميار... لازم تِطلّع عالهَوا وتِستنكِر الاعتقلات والتعذيب... أنا رَح شوف سيّدنا المطران عودة، وإرجع إطلع ع بكركي... إمشي هَلّق... 

- شوف وجّك بخير...  

في طريقي نحو الدورة، طلبتُ من سائق السرفيس أن نستمِع الى إذاعة صوت لبنان... كانوا يتحدثون عن عشرات المعتقلين مِن طلاب لبنان وطالباته، وقالوا غَير مَرّة إنهم يتعَرّضون للقسوة أثناء التحقيقات...     

يا لهذه القسوة التي خَرّجت أبطالًا في 7 آب 2001، إنّها قسوة الظالم النَّتِنة...