جو رحال

روما… اختبار الدولة

4 دقائق للقراءة
لا تقتصر أهمية مفاوضات روما على بعدها الأمني بل تمتد إلى انعكاساتها الاقتصادية

لم تعد مفاوضات روما مجرد جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، بل أصبحت محطة مفصلية قد تحدد مسار المرحلة المقبلة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فهي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الجهود الأميركية والأوروبية مع رغبة لبنانية معلنة في تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، واستكمال تنفيذ الترتيبات المنبثقة عن الاتفاق الإطاري، بما يضمن احترام سيادة لبنان، وتطبيق الالتزامات المتبادلة، وتهيئة الظروف لمرحلة أكثر استقرارًا.

وتكتسب هذه الجولة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي أعادت لبنان إلى دائرة الاهتمام الدولي، وفي مقدمها اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، وما تبعه من تأكيد أميركي على مواصلة دعم استقرار لبنان، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، والاستمرار في رعاية المسار التفاوضي الهادف إلى تثبيت الأمن ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة. ويعكس استئناف المفاوضات في روما استمرار القناعة لدى الأطراف الراعية بأن الحلول الدبلوماسية تبقى المسار الأكثر واقعية لمعالجة الملفات العالقة.

وتتمحور الأولوية اللبنانية حول تحقيق انسحاب إسرائيلي من المناطق التي لا تزال محل نزاع، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وفق ما تنص عليه الترتيبات القائمة، بما يرسخ سلطة الدولة ويحد من احتمالات التصعيد. وفي المقابل، لا تزال ملفات حساسة تحتاج إلى تفاهمات إضافية، من بينها آليات التنفيذ، والضمانات، والتوقيت، وهو ما يجعل نجاح الجولة مرتبطًا بمدى استعداد جميع الأطراف لترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

ولا تقتصر أهمية مفاوضات روما على بعدها الأمني، بل تمتد إلى انعكاساتها الاقتصادية. فترسيخ الاستقرار في الجنوب يشكل شرطًا أساسيًا لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، واستقطاب الاستثمارات، واستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني. كما أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يعزز فرص التعاون مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، التي ربطت في مناسبات عدة توسيع تعاونها الاقتصادي مع لبنان بوجود بيئة مستقرة، ومؤسسات دولة فاعلة، وإصلاحات مالية وإدارية جدية.

وفي الوقت نفسه، تبقى المفاوضات جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، إذ ترتبط بالتطورات الأمنية في الشرق الأوسط وبالجهود الدولية الرامية إلى خفض التوتر واحتواء احتمالات التصعيد. لذلك، فإن أي تقدم يتحقق في روما لن تكون انعكاساته محصورة بالحدود الجنوبية، بل قد يسهم في تحسين موقع لبنان الدبلوماسي، ويفتح نافذة جديدة لتعزيز علاقاته مع شركائه العرب والدوليين، واستقطاب الدعم اللازم لمسار التعافي الاقتصادي.

غير أن نجاح هذا المسار سيبقى رهنًا بالتنفيذ الفعلي لما يتم الاتفاق عليه. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإرادة سياسية واضحة وآليات متابعة فعالة وضمانات تحافظ على الاستقرار. ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح مفاوضات روما لن يكون في البيانات الختامية، بل في النتائج الملموسة على الأرض، سواء لجهة تثبيت الهدوء، أو تعزيز دور مؤسسات الدولة، أو توفير بيئة أكثر أمنًا تسمح بإعادة إعمار الجنوب وعودة النشاط الاقتصادي إليه.

وفي المحصلة، تمثل روما فرصة سياسية مهمة للبنان، لكنها ليست غاية بحد ذاتها. فنجاحها يقاس بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى واقع عملي يرسخ الاستقرار، ويعزز حضور الدولة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها الأمن مدخلا للإصلاح، والإصلاح أساسًا لاستعادة الثقة العربية والدولية، بما يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية على المدى الطويل.