جاد الاخوي

إيطاليا وبولندا وواشنطن في لبنان… هل بدأ العدّ العكسي لسلاح "الحزب"؟

9 دقائق للقراءة

ليس ما يجري في لبنان مجرد مفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

ومن يقرأ المشهد بهذه الطريقة قد يكتشف، بعد فوات الأوان، أن المفاوضات التي تجري في روما ليست سوى الجزء الظاهر من عملية أكبر بكثير.

هناك شيء يتشكل في لبنان.

شيء يتجاوز وقف إطلاق النار، ويتجاوز الحدود الجنوبية، ويتجاوز حتى مسألة الانسحاب الإسرائيلي.

إنه إعادة تعريف لمفهوم الدولة اللبنانية نفسها.

ولهذا تحديداً، فإن دخول إيطاليا وبولندا إلى المشهد، إلى جانب الولايات المتحدة، يستحق قراءة مختلفة.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا سيحدث على الحدود؟

بل: ماذا سيحدث للسلاح خارج الدولة؟

وهنا يصبح اسم حزب الله حاضراً، حتى عندما لا يُذكر صراحة.

واشنطن تريد النتيجة… وروما تعرف الميدان

الولايات المتحدة هي اللاعب الذي يدفع باتجاه إعادة ترتيب المعادلة.

واشنطن لا تنظر إلى لبنان بمعزل عن المنطقة. بالنسبة إليها، استقرار لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة توازنات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، ولا يمكن أن يستمر الجنوب كمنطقة قابلة للاشتعال في كل لحظة.

لكن واشنطن تعرف أيضاً أن الضغط السياسي وحده لا يكفي.

لذلك تحتاج إلى أوروبا.

وتحتاج تحديداً إلى إيطاليا.

روما تملك ما تحتاجه واشنطن: وجوداً على الأرض، علاقة مع الجيش اللبناني، حضوراً في اليونيفيل، وخبرة في إدارة الملفات الأمنية في المتوسط.

وهكذا يمكن أن تتوزع الأدوار بطريقة واضحة:

واشنطن تضغط وتفاوض.

روما تواكب وتنفّذ وتراقب.

والجيش اللبناني هو الأداة التي يفترض أن تترجم الاتفاق على الأرض.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى حزب الله.

لأن كلما توسعت مسؤولية الجيش، ضاقت المساحة التي يمكن أن تبقى فيها قوة مسلحة أخرى صاحبة قرار أمني مستقل.

ولماذا بولندا؟

قد يقول قائل: ما علاقة بولندا بسلاح حزب الله؟

العلاقة ليست مباشرة، لكنها استراتيجية.

والأهم هنا أن بولندا لا تأتي إلى لبنان بمشروع نفوذ، ولا تحمل أطماعاً تاريخية أو سياسية أو اقتصادية في البلد.

وهذه نقطة جوهرية في فهم الدور البولندي.

وارسو لا تبحث عن حصة في لبنان، ولا تريد منافسة فرنسا أو إيطاليا على نفوذ تقليدي، ولا تأتي لتعيد إنتاج تجربة القوى الكبرى التي تعاملت مع لبنان باعتباره ساحة نفوذ.

اهتمام بولندا بلبنان أمني بالدرجة الأولى.

إنه نابع من رؤية أوسع للأمن الأوروبي والأطلسي، ومن قناعة بأن استقرار شرق المتوسط والشرق الأوسط يرتبط بصورة متزايدة بالأمن الأوروبي.

بولندا هي جزء من أوروبا الأمنية الجديدة.

أوروبا التي أعادت الحرب الروسية–الأوكرانية تعريف أولوياتها، والتي أصبحت تنظر إلى الأمن القومي، والحدود، والسلاح، والتحالفات، من زاوية مختلفة تماماً.

ووارسو قريبة جداً من واشنطن في مقاربتها الأمنية.

لذلك فإن حضور بولندا في أي تنسيق أوروبي أوسع حول لبنان لا يعني أنها تريد أن تصبح لاعباً سياسياً لبنانياً.

بل يعني أنها تنظر إلى لبنان من زاوية الاستقرار الأمني ومنع تحول المنطقة إلى مصدر تهديد إضافي للأمن الأوروبي والدولي.

وهذا الدور، تحديداً، قد يكون أكثر أهمية مما يبدو.

بولندا لا تريد لبنان… بل تريد لبنان مستقراً

الفارق كبير.

هناك دول تدخل لبنان لأنها تريد نفوذاً سياسياً.

وهناك دول تدخل لأنها تريد مصالح اقتصادية.

وهناك دول لها حسابات تاريخية وطائفية وعقائدية.

أما بولندا، فلا تملك هذا الإرث في لبنان.

وهذا قد يجعلها طرفاً أكثر براغماتية.

ما يهم وارسو هو أن يكون هناك:

دولة قادرة على حماية حدودها.

جيش قادر على القيام بمهمته.

مؤسسات أمنية فاعلة.

حدود مضبوطة.

تهريب ممنوع.

وساحة لبنانية لا تتحول إلى مصدر تهديد أمني جديد للمنطقة وأوروبا.

من هذه الزاوية، فإن قضية السلاح خارج الدولة تصبح جزءاً من معادلة الأمن، لا مجرد خلاف سياسي لبناني.

وهنا يلتقي الاهتمام البولندي مع الاهتمام الأميركي والأوروبي.

سلاح حزب الله… من ملف لبناني إلى قضية أمنية دولية

لسنوات طويلة، تعامل كثيرون مع سلاح حزب الله باعتباره عقدة داخلية لا يمكن حلها إلا بتفاهم لبناني.

لكن المعادلة تغيّرت.

السلاح أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الجنوب، وبالحدود اللبنانية–السورية، وبالتهريب، وبالقرار 1701، وبقدرة الجيش على الانتشار، وبإمكان قيام تفاهم دائم مع إسرائيل.

وهذه كلها ملفات دولية.

ولهذا فإن سلاح حزب الله قد ينتقل تدريجياً من كونه موضوعاً للنقاش الداخلي إلى كونه جزءاً من شروط إعادة بناء الدولة اللبنانية وعلاقاتها الدولية.

وهذا التحول بالغ الأهمية.

لأن المجتمع الدولي قد لا يقول لحزب الله غداً: “سلّم سلاحك”.

لكن يمكن أن يبني، خطوة بعد خطوة، واقعاً سياسياً وأمنياً تصبح فيه مسألة السلاح خارج الدولة غير قابلة للاستمرار.

لا أحد يحتاج إلى مواجهة مباشرة

وهنا قد يكون الخطأ في قراءة المرحلة.

ليس المطلوب بالضرورة مواجهة عسكرية جديدة مع حزب الله.

بل العكس.

قد يكون الهدف الدولي هو الوصول إلى النتيجة نفسها من دون حرب.

كيف؟

عبر تعزيز الجيش.

عبر ضبط الحدود.

عبر وقف التهريب.

عبر تثبيت الهدوء في الجنوب.

عبر إعادة الإعمار من خلال الدولة.

عبر ربط المساعدات والدعم الدولي بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ التزاماتها.

وعبر جعل الدولة، تدريجياً، الجهة الوحيدة القادرة على توفير الأمن.

عندها يصبح السؤال مختلفاً.

ليس: كيف ننزع سلاح حزب الله بالقوة؟

بل:

كيف نجعل وجود سلاح خارج الدولة غير قابل للاستمرار سياسياً وأمنياً؟

وهذا، في رأيي، هو المسار الذي يجب مراقبته.

روما قد تكون بداية المرحلة الثانية

إذا كانت المفاوضات في روما تنتج إطاراً قابلاً للتنفيذ، فإن المرحلة المقبلة ستكون أهم من المفاوضات نفسها.

لأن الاتفاق على الورق شيء.

وتطبيقه شيء آخر.

سيكون على الجيش اللبناني أن ينتشر.

وسيكون على الحدود أن تُراقب.

وسيكون على التهريب أن يتوقف.

وسيكون على اليونيفيل أن تؤدي دوراً في البيئة الأمنية الجديدة.

وسيكون على المجتمع الدولي أن يمول ويواكب.

وهنا يمكن لإيطاليا أن تصبح لاعباً مركزياً.

فروما ليست فقط عاصمة أوروبية تستضيف مفاوضات.

إنها دولة لديها جنود على الأرض، وعلاقات مع المؤسسة العسكرية اللبنانية، ووجود في اليونيفيل، وقدرة على التواصل مع واشنطن.

وهذا يجعلها مرشحة لأن تكون حلقة الوصل بين القرار الأميركي والتنفيذ الأوروبي والميدان اللبناني.

أما بولندا فقد تكون جزءاً من الضمانة الأمنية

الدور البولندي مختلف.

بولندا لا تأتي إلى لبنان لتنافس إيطاليا، ولا لتأخذ مكان فرنسا، ولا لتبني نفوذاً سياسياً خاصاً بها.

إنها تدخل من بوابة الأمن.

وإذا تطورت الشراكة الإيطالية–البولندية في ملفات الأمن والشرق الأوسط، فإن لبنان يمكن أن يتحول إلى أحد الاختبارات العملية لهذا التعاون.

إيطاليا تملك الحضور المتوسطي.

بولندا تملك الوزن الأمني داخل أوروبا والناتو.

والولايات المتحدة تملك القوة السياسية والعسكرية الأكبر.

وإذا اجتمعت هذه العناصر حول لبنان، فإن الرسالة لن تكون موجهة إلى إسرائيل فقط.

ستكون موجهة أيضاً إلى الداخل اللبناني.

وبالتحديد إلى كل من يعتقد أن المعادلة السابقة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ماذا سيحدث إذا تغيّرت وظيفة الجنوب؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

إذا أصبح الجنوب تحت مسؤولية الجيش اللبناني فعلياً، وإذا تم ضبط الحدود، وإذا توقفت عمليات نقل السلاح، وإذا أصبحت الدولة هي المرجعية الوحيدة للأمن، فإن وظيفة سلاح حزب الله ستصبح موضع سؤال كبير.

فالسلاح الذي كان يقدَّم على أنه ضرورة لحماية الجنوب سيواجه واقعاً جديداً:

الجنوب تحميه الدولة.

وعندها لن يبقى السؤال: هل يحتاج لبنان إلى مقاومة؟

بل:

من يقرر الحرب والسلم؟

وهذا هو السؤال الذي تهربت منه الطبقة السياسية اللبنانية لسنوات.

حزب الله أمام مفترق تاريخي

حزب الله يعرف أن المعادلة الإقليمية ليست كما كانت.

إيران نفسها ليست في الموقع الذي كانت فيه قبل سنوات.

وسوريا تغيّرت.

والعراق يتغير.

والولايات المتحدة أكثر حضوراً في رسم ترتيبات المنطقة.

والخليج أكثر انخراطاً في إعادة بناء النظام الإقليمي.

وفي المقابل، هناك دولة لبنانية تحاول استعادة موقعها.

لهذا فإن الحزب أمام خيارات صعبة.

إما أن يقبل تدريجياً بالانتقال من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية كاملة داخل الدولة.

وإما أن يتمسك بالمعادلة القديمة، ويخوض معركة مع الداخل والخارج في آن واحد.

لكن المعركة هذه المرة ليست فقط مع واشنطن.

إنها مع مسار دولي كامل يتشكل حول فكرة الدولة.

هل يتحول حزب الله إلى حزب سياسي؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة.

هل يستطيع حزب الله أن يتحول إلى حزب سياسي من دون سلاح؟

نظرياً نعم.

لكن عملياً، المسألة أكثر تعقيداً.

فالسلاح ليس تفصيلاً في هوية الحزب، بل جزء أساسي من العقيدة التي تأسس عليها دوره السياسي والعسكري.

ولهذا فإن التخلي عنه يعني، عملياً، إعادة تعريف الحزب لنفسه. وحتى انتهاءه.

لكن التاريخ السياسي مليء بالحركات التي انتقلت من العمل المسلح إلى العمل السياسي عندما تغيرت الظروف.

والسؤال ليس إن كان ذلك ممكناً.

السؤال هو:

هل بدأ الظرف الإقليمي والدولي الذي سيدفع حزب الله إلى هذا التحول؟

كل المؤشرات تستحق المراقبة.

لبنان أمام فرصة لا أمام مؤامرة

هناك من سيقرأ كل هذا باعتباره مؤامرة دولية على لبنان.

وهذا أسهل تفسير.

لكن لبنان لا يستطيع أن يعيش دائماً بمنطق المؤامرة.

نعم، لكل دولة مصالحها.

نعم، واشنطن تريد حماية مصالحها.

نعم، إسرائيل تريد ضمان أمنها.

نعم، أوروبا تريد حماية أمن المتوسط.

ونعم، إيطاليا وبولندا تريدان توسيع أدوارهما.

لكن السؤال الأهم هو:

ماذا يريد لبنان؟

إذا كان يريد دولة سيدة ومستقلة، فإن دعم الجيش وضبط الحدود وحصرية السلاح بيد الدولة ليست مؤامرة.

إنها بديهيات الدولة.

أما إذا كان يريد استمرار المعادلة التي تجعل في لبنان جيشاً رسمياً وقوة عسكرية موازية وقراراً مزدوجاً بالحرب والسلم، فعليه أن يعرف أن العالم يتغير من حوله.

المعركة الحقيقية بدأت

قد لا يكون هناك غداً قرار دولي يقول: “انتهى زمن سلاح حزب الله”.

السياسة لا تعمل بهذه الطريقة.

لكن قد تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً:

اتفاقات.

ترتيبات أمنية.

انتشار للجيش.

ضبط للحدود.

وقف للتهريب.

دعم دولي للمؤسسات.

ضغط اقتصادي وسياسي.

ومفاوضات طويلة.

وفي نهاية هذا المسار، قد يجد حزب الله نفسه أمام السؤال الذي تجنب لبنان طرحه لعقود:

هل يكون جزءاً من الدولة، أم يبقى فوقها؟

وهنا تحديداً تكمن أهمية إيطاليا وبولندا وواشنطن.

فالأمر ليس ثلاث دول تتدخل في لبنان.

إنه ثلاثة مستويات من التأثير:

واشنطن تدفع نحو الاتجاه السياسي والاستراتيجي.

روما تملك القدرة على المساعدة في بناء آليات التنفيذ والمراقبة.

وارسو تنظر إلى لبنان من منظار الأمن الأوروبي–الأطلسي، من دون مشروع نفوذ أو أطماع خاصة في لبنان.

أما لبنان، فعليه أن يقرر ماذا يفعل بهذه اللحظة.

لأن التاريخ لا ينتظر المترددين.

المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول من يملك السلاح في الجنوب.

ستكون حول من يملك القرار في لبنان.

وهذه المرة، قد لا يكون السؤال: متى ينتهي سلاح حزب الله؟

بل السؤال الأصعب:

متى يبدأ لبنان فعلياً في أن يصبح دولة؟