لم يكن سقوط النظام السوري السابق مجرد تحول سياسي أنهى مرحلة طويلة من الحرب، بل فتح أيضاً سؤالاً قانونياً ظل مغلقاً طوال سنوات: هل يمكن أن تصل الجرائم المرتكبة في سوريا أخيراً إلى المحكمة الجنائية الدولية؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكن الإجابة عليه تصطدم بعقبة قانونية أساسية: سوريا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، كما أن مجلس الأمن الدولي لم يُحِل الوضع السوري إلى المحكمة. ولذلك لم تتمكن المحكمة، طوال سنوات النزاع، من ممارسة اختصاص عام على الجرائم المرتكبة داخل الأراضي السورية.
لكن التغيير السياسي في دمشق أعاد ترتيب المشهد. فقد أصبحت العدالة الدولية أمام سلطة سورية جديدة، ومؤسسات انتقالية، وملف ضخم من الأدلة والضحايا والمشتبه بهم، فيما يتواصل التعاون بين الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا والمؤسسات الوطنية الجديدة. وقد أكدت الأمم المتحدة في نيسان 2026 أن المرحلة الانتقالية أوجدت فرصاً جديدة للمساءلة، بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية المعنية بالعدالة الانتقالية.
لماذا لم تتمكن المحكمة من التدخل منذ عام 2011؟
يحدد نظام روما الأساسي في المادة 12 شروط ممارسة المحكمة لاختصاصها. ومن أبرزها أن تكون الدولة التي وقعت الجريمة على إقليمها طرفاً في النظام، أو أن يكون المتهم من مواطني دولة طرف، أو أن تقبل الدولة غير الطرف اختصاص المحكمة، أو أن يحيل مجلس الأمن الوضع إليها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وبما أن سوريا لم تنضم إلى نظام روما، وبسبب عدم صدور إحالة من مجلس الأمن، بقيت الجرائم المرتكبة داخل سوريا خارج الاختصاص التلقائي للمحكمة.
وكانت محاولة إحالة الملف إلى المحكمة قد اصطدمت في مجلس الأمن بالاعتبارات السياسية وحق النقض. وهكذا، اصطدمت الرغبة في المساءلة الدولية بالبنية الواقعية للنظام الدولي: فالقانون يحدد الاختصاص، لكن السياسة كثيراً ما تحدد إمكانية تفعيله.
هل يُغيّر سقوط النظام المعادلة؟
نعم، ولكن ليس بصورة تلقائية. فمجرد سقوط حكومة أو تغير السلطة لا يمنح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصاً بأثر رجعي. كما أن المحكمة لا تنظر إلى «سقوط النظام» باعتباره مصدراً مستقلاً للاختصاص.
غير أن السلطة السورية الجديدة تستطيع، من حيث المبدأ، أن تقبل اختصاص المحكمة وفق المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، عبر إعلان يودع لدى مسجل المحكمة. ويستطيع هذا الإعلان أن يقبل اختصاص المحكمة بالنسبة إلى جرائم محددة أو فترة زمنية محددة.
وهنا يمكن أن يبدأ المسار القانوني الجديد: أن تقرر سوريا، بوصفها دولة غير طرف، قبول اختصاص المحكمة بالنسبة إلى جرائم معينة ارتُكبت على أراضيها، أو خلال فترة زمنية محددة.
أما الطريق الثاني فيتمثل في انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي. لكن الانضمام لا يعني تلقائياً أن المحكمة ستتولى جميع جرائم الماضي. إذ إن المادة 11 من النظام تحدد الاختصاص الزمني للمحكمة، ما يجعل مسألة الجرائم السابقة على الانضمام بحاجة إلى أساس قانوني مستقل، مثل إعلان قبول الاختصاص بموجب المادة 12(3).
والطريق الثالث يبقى إحالة مجلس الأمن، وفق المادة 13(ب) من نظام روما، وهو الطريق الذي يظل الأكثر ارتباطاً بالتوازنات السياسية الدولية.
المحكمة الجنائية ليست بديلاً عن القضاء السوري
قد يبدو اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية حلاً مثالياً، لكنه ليس كذلك. فالمحكمة تعمل وفق مبدأ التكامل، الذي نصت عليه ديباجة نظام روما والمادة 17 منه. ومؤدى هذا المبدأ أن المحكمة الدولية لا تتقدم على القضاء الوطني تلقائياً، بل تتدخل عندما تكون الدولة غير راغبة فعلياً في التحقيق أو المحاكمة، أو غير قادرة على القيام بذلك بصورة حقيقية.
وهذا يضع سوريا أمام مسؤولية تاريخية: إذا تمكن القضاء الوطني من إجراء محاكمات مستقلة وشفافة، فإن الأولوية القانونية ستبقى له. أما إذا تحولت العدالة إلى محاكمات انتقائية أو سياسية، فقد يبرز دور القضاء الدولي بصورة أكبر.
ومن هنا، فإن القضية ليست في الاختيار بين «عدالة وطنية» و«عدالة دولية»، بل في بناء منظومة تستطيع العمل على المستويين معاً.
النموذج الكمبودي: محكمة دولية بوجه وطني
تقدم كمبوديا نموذجاً مهماً. فقد أنشئت «الغرف الاستثنائية في محاكم كمبوديا» لمحاكمة كبار المسؤولين عن جرائم الخمير الحمر، من خلال صيغة هجينة جمعت بين القضاء الوطني والمشاركة الدولية.
لم تكن المحكمة الجنائية الدولية هي الأداة المستخدمة، بل نموذجاً خاصاً يجمع بين السيادة الوطنية والخبرة الدولية.
وتكشف التجربة أن العدالة بعد النزاعات لا تحتاج دائماً إلى نقل الملف كاملاً إلى لاهاي. فقد تكون المحاكم المختلطة، أو الدوائر الخاصة، أو التعاون القضائي الدولي، أكثر ملاءمة للظروف السياسية والقانونية للدولة.
لكن النموذج الكمبودي يطرح أيضاً درساً معاكساً: العدالة التي تتأخر لعقود قد تفقد جزءاً من أثرها، إذ توفي عدد من المتهمين قبل صدور أحكام نهائية بحقهم.
رواندا ويوغوسلافيا السابقة: عندما يصبح القضاء الدولي ضرورياً
في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، أنشأ مجلس الأمن محكمتين جنائيتين دوليتين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد شكلتا سابقة مهمة في محاكمة مسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لكن هذين النموذجين يختلفان عن سوريا، لأن إنشاء المحكمتين تم بقرار من مجلس الأمن، وهو أمر لم يتحقق في الحالة السورية.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد أثبتت تجارب أخرى أن غياب التعاون السياسي يحد من قدرتها على تنفيذ أوامر القبض، كما أن عدم انضمام بعض الدول الكبرى إلى نظام روما يبقى أحد أوجه التناقض في النظام الجنائي الدولي.
ماذا عن المحكمة الدولية في قضية التعذيب؟
هناك مسار دولي قائم أصلاً بشأن سوريا، وإن لم يكن أمام المحكمة الجنائية الدولية. فقد رفعت كندا وهولندا عام 2023 دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد سوريا استناداً إلى اتفاقية مناهضة التعذيب. وفي تشرين الثاني 2023، أمرت المحكمة سوريا باتخاذ تدابير لمنع أعمال التعذيب وسوء المعاملة، والحفاظ على الأدلة ذات الصلة. كما لا تزال القضية منظورة أمام المحكمة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المحكمتين: محكمة العدل الدولية تنظر في مسؤولية الدول عن خرق التزاماتها الدولية، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بمسؤولية الأشخاص الطبيعيين عن الجرائم الدولية الأشد خطورة. أي أن سوريا قد تواجه، في آن واحد، مسارين مختلفين: مسؤولية الدولة من جهة، والمسؤولية الجنائية الفردية من جهة أخرى.
هل تكون المحكمة الدولية الحل؟
ليس بالضرورة. فالمحكمة الجنائية الدولية قد تكون جزءاً من الحل، لكنها لا تستطيع محاكمة آلاف المتهمين، ولا تعويض جميع الضحايا، ولا إعادة بناء المؤسسات السورية.
كما أن العدالة الدولية قد تواجه مشكلة الانتقائية إذا اقتصرت على بعض الأطراف وتجاهلت أطرافاً أخرى. ولهذا فإن المعيار يجب أن يكون الجريمة لا الهوية السياسية للفاعل. فالجرائم ضد الإنسانية، وفق المادة 7 من نظام روما، لا تصبح أقل خطورة لأن مرتكبها ينتمي إلى سلطة سابقة. وجرائم الحرب، وفق المادة 8، لا تفقد طبيعتها القانونية لأن مرتكبها ينتمي إلى جماعة مسلحة أو قوة منتصرة.
اللحظة السورية الحاسمة
أمام سوريا اليوم فرصة قانونية نادرة: أن تبني نموذجاً يجمع بين القضاء الوطني، والتعاون الدولي، وآليات حفظ الأدلة، والاختصاص القضائي العالمي، مع إمكانية قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أو الانضمام إلى نظام روما.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على سؤال سياسي جوهري: هل تريد الدولة الجديدة عدالة شاملة، أم محاكمات انتقائية؟
إن المحكمة الجنائية الدولية لا تستطيع أن تمنح سوريا عدالة جاهزة. لكنها تستطيع، إذا توافرت شروط الاختصاص والتعاون، أن تمنع بعض أخطر الجرائم من أن تُدفن مع سقوط النظام الذي ارتُكبت في عهده.
وفي النهاية، لا يُقاس انتقال سوريا إلى دولة القانون بقدرتها على محاكمة خصومها، بل بقدرتها على ضمان أن القانون يلاحق الجريمة، أياً كان مرتكبها.
فالسؤال الحقيقي ليس هل تستطيع المحكمة الجنائية الدولية أن تحاكم سوريا؟
بل، هل تستطيع سوريا الجديدة أن تثبت أنها قادرة على محاكمة ماضيها قبل أن يضطر العالم إلى محاكمته نيابة عنها؟