"إن لم تكن على الطاولة فأنت حكما على قائمة الطعام".
يبدو أن خلية حبيب عندما قررت الاستثمار في انتخابات المجلس الإسلامي العلوي في لبنان للعام 2023، وزعمت وجود وصية من علي عيد لصالح علي قدور، كانت تريد أن توثق الخناق على الطائفة العلوية، وتهمش مرجعياتها الروحية التقليدية بعد أن دأبت لعقود على تحطيم صورة هذه المرجعيات في أذهان الناشئة.
فيما نيران الحرب تستعر من جديد والعالم يحبس أنفاسه خرج علينا سماحة رئيس المجلس الإسلامي العلوي بخطبة عصماء في تأبين السيد علي الخامنئي، استحضر فيها مواقف سياسية لا يجوز اطلاقها من قبل مرجع ديني فوضعنا جميعا كعلويين أردنا أم لم نرد في خانة دعم ايران، ولم يقم وزنا للمخاطر التي يعرض العلويين لها، ولم يحترم دوره الجامع الذي تفرضه عليه أحكام القانون 449/95 الذي يدافع عنه في كل محفل ومجمع.
صادف خطاب الشيخ علي مع عرض المرسوم 1917/25 على الهيئة العامة لمجلس النواب، في تهريبة تمت بخلاف ما أقر في لجنة الإدارة والعدل في جلسة 13/01/2026، يومها سجلت اعتراضي على مشروع القانون وقلت أنه سلك مسلكا غير قانونيا وانه لم يعرض على الهيئة العامة في المجلس الإسلامي العلوي، فأجابني رئيس الجلسة "اطعن أمام شورى الدولة" علمًا أن المراسيم ذات الطابع السيادي لا يطعن عليها، ثم حاولت أن أشرح مخاطر القانون وكيف أن التعديل الجزئي للقانون 449/95 سيؤدي إلى منع الانتخابات في المجلس الإسلامي العلوي وأن أعرض تجربتي في انتخابات العام 2023 ولكن حُصِر النقاش بالمرسوم 1917؛ ولم يناقش حتى اللحظة اقتراح القانون الذي عملت عليه بإرشاد مرجعياتنا الروحية في لبنان، هذا الاقتراح المنبثق من هويتنا العلوية ومن تراثنا ومفاهيمنا وصدرت تقارير صحفية تقول أن المشروع المعروض بموجب المرسوم 1917 يشتمل على الاقتراحين معا ما ينافي الحقيقة والواقع فلا يمكن في البنية الهيكلية أن يندمج قانون بني على أساس القانون رقم 72/68 المؤسس على نظام ديني تقليدي للإخوة المسلمين الشيعة ونظام الحوزات، مع اقتراح قانون مؤسس على النظم التقليدية والعلمية للطائفة الإسلامية العلوية، فهذا الخلط يكون كدمج الزيت بالماء والعنصران، أي الزيت والماءـ عنصرين كريمين لكن لا يندمجا.
ناقشت مشروع القانون وتوصلت لأن أقنع أعضاء لجنة الإدارة والعدل في نزع مخالب وأنياب مشروع محمود قماطي وسعيه لإحكام قبضته على الطائفة، وتسجيلات جلسة 13/01/2026 موجودة في سجلات مجلس النواب، وتبين لاحقا ان النص المعروض على الهيئة العامة اليوم يخالف ما اتفق عليه في لجنة الإدارة والعدل، ولفتُّ نظر المعنيين، ووعدوني بمتابعة الموضوع، وتم إعلام النواب في الكتل المختلفة بهذه الحقائق فأعيد المشروع إلى اللجان لمزيد من الدراسة، لنفاجأ بزيارة سماحة رئيس المجلس لدولة الرئيس بري مصحوبا بسماحة مفتي صور للطائفة الشيعية، وبعدها أعيد ادراج المشروع على جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب بسبب "رسائل وصلت من المجلس الإسلامي العلوي"، أي القيمين على المجلس أي الجهة المستفيدة من التمديد والتي مارست كل أنواع الترغيب والترهيب ولم تحظ إلا بحفنة من تواقيع الموظفين في المجلس والمرتبطة مصالحهم برضى سماحة رئيسه.
بالنظام.
صحيح أن "المجلس سيد نفسه"، ولكن "تحديد جدول الأعمال من قبل المؤتمر (مكتب المجلس في فرنسا) يجب أن يحترم القرارات السابقة للجمعية. وإذا أحالت الجمعية نصاً إلى لجنة لمزيد من الدرس، فإن سحب هذا النص أو تعديل مساره لا يمكن أن يتم بقرار إداري من المكتب، بل يستوجب تصويتاً جديداً وصريحاً من الجمعية العامة بالاسترداد (Dessaisissement)، وإلا عُدّ الإجراء باطلاً لمخالفته الأصول" (Pierre Avril, Les institutions politiques).
إن اللجان النيابية ليست مجرد خيار إجرائي، بل هي ممر إلزامي (Passage obligé) يسبق المناقشة العامة. إن تخطي هذا الممر، لا سيما بعد إحالة النص رسمياً، يُعد انتهاكاً لحق النواب في الاطلاع المسبق والمناقشة المستنيرة، ويجعل من عملية التشريع عملاً اعتباطياً (Jean Gicquel, Droit parlementaire)
إن مكتب المجلس، ورئيسه في المقدمة، ليسوا سادة الجمعية بل خدامها. إن دورهم ينحصر في تسيير الأعمال وفقاً للإرادة التي تعبر عنها الجمعية العامة بالتصويت. ولا يجوز للرئيس أو المكتب أن يحل إرادته محل قرار صريح اتخذته الجمعية، فذلك يُعد اغتصاباً للسلطة (Eugène Pierre, Traité pratique).
هذا الاجماع في الفقه الدستوري الفرنسي يضاف إليه الموقف المستقر والدائم للفقه الدستوري اللبناني فنقرأ لأستاذنا البروفسور الراحل حسن الرفاعي رفضه للتجاوزات التي تتم عبر هيئة مكتب المجلس أو عبر استغلال مقولة "المجلس سيد نفسه" للقفز فوق النظام الداخلي. فالبروفسور حسن الرفاعي الذي يعتبر من أركان الفقه الدستوري اللبناني يرى على نحو ثابت أن "النظام الداخلي لمجلس النواب هو قانون يُلزم المجلس بهيئته العامة ومكتبه معاً، ولا يجوز تجاوزه إلا بتعديل النظام نفسه، ويشدد البرفسور الرفاعي على أن الصلاحيات الممنوحة لهيئة المكتب (مثل وضع جدول الأعمال) هي صلاحيات إدارية تطبيقية وليست نقضية. مكتب المجلس هو أداة تنظيمية لعمل الهيئة العامة، ولا يملك الصلاحية الدستورية لإبطال قرار اتخذته السلطة البرلمانية العليا (الهيئة العامة) وقد لاقى الفقيه الدستوري الكبير حسن الرفاعي كل من الفقيه الكبير ادمون رباط والنائب والفقيه الدستوري بطرس حرب، وهنا نستذكر مداخلته في الدور الاستثنائي لانعقاد المجلس في العام 2004 والتي جاء فيها: "صحيح أن المجلس سيد نفسه، ولكن للنظام الداخلي آلية خاصة لتعديله. أنا لا أستطيع مخالفة النظام الداخلي «هيك» ولو صوّتت الأكثرية النيابية. النظام الداخلي يُصوّت عليه، ويصدر في الجريدة الرسمية ويصبح قانوناً، والرئاسة الكريمة ترعى أحكام الدستور والقانون والنظام الداخلي... النظام الداخلي يقول بأن كل الاقتراحات والمشاريع القانونية تحال على اللجنة المختصة".
في ضوء كل ما تقدم وفي ضوء المواد الثابتة في النظام الداخلي لمجلس النواب لا سيما المواد 38، 72، 111 و112 من النظام الداخلي لمجلس النواب فلا يملك مكتب المجلس أن يعيد بقرار نقضي منفرد مشروع القانون على جلسة الهيئة العامة دون أن يكون قد صدر تقرير اللجان أو أن تنقضي مهلة الشهر على إيداعه اللجان، وهذا ما لا يتوفر في الحالة الراهنة، ولا يستطيع مكتب المجلس ولو أتته أطنان الرسائل أن ينقض قرار تم التصويت عليه في الهيئة العامة لمجلس النواب.
دعوا الطائفة تشرع قوانينها.
مهما بلغت الخبرات القانونية في مجلس النواب وفي لجانه من تطور علمي وتقني، فإنها لا تملك المعرفة والدراية بالقواعد العرفية والمسار التقليدي للتشريع لأي طائفة خاصة الطائفة الإسلامية العلوية التي تمتد جذورها الحضارية لآلاف السنين وجذورها التنظيمية الحالية لأكثر من ألف عام، وهذه الجذور يجب أن تراعى في التشريع لأي طائفة، ولذلك أوجبت المادة 31 من القانون 449/95 أن تراجع الهيئة العامة للمجلس الإسلامي العلوي التي يفترض أن تمثل كل أبناء الطائفة بأي تعديل تشريعي يمس القانون 449/95 أو أي قانون تنظيمي آخر، وهذا ما سعى الحج محمود قماطي وزمرته لتجاوزه، فلم تدع الهيئة العامة للمجلس الإسلامي العلوي لأي اجتماع ولم تنعقد، وراح الحج يسعى لأخذها بالتجزئة فاخترع ما يسمى الهيئة العامة الدينية وهي هيئة غير ملحوظة في المادة 5 من القانون 449/95 وأرفدها بـ"رؤساء اللجان" ليلتف على انعقاد الهيئة العامة للمجلس الإسلامي العلوي، فلو كانت أغلبية الشارع العلوي كما يصور الشيخ علي قدور مصطفة خلف مشروع محمود قماطي للتمديد السبعيني لما توجس الحج خشية ولدعا لانعقاد الهيئة العامة التي لا يتجاوز عدد أعضاؤها 134 عضوا، ولصدر قرار ملزم للجميع ولحسم النقاش، ولكن الحج يعلم أنه لا يتحكم بالهيئة العامة وكل أعمال الالتفاف على إرادة العلويين تتم في غرف مغلقة ويأخذون الناس بالمفرق بالتهديد تارة وبالوعيد تارة أخرى ويغرون صفحات فيسبوكية بالاعتداء على كرامات الناس وتهديدهم فيصادر الحج مستقبل مجتمع بأسره ويسعى لاستخدامه صندوق بريد ليستعمله في حرب الآخرين على أرضنا.
أن تشرع الطوائف لنفسها ليس سابقة جديدة في الحياة التشريعية اللبنانية، فالمجلس الشرعي السني يملك صلاحية نشر قراراته التنظيمية في الجريدة الرسمية ومدد لنفسه أكثر من مرة وصدرت قرارات عن سماحة مفتي الجمهورية علّقت ملاحقة علماء الدين على إذن يصدر عنه والتزمت بها الجهات القضائية، وكذلك قانون 2 نيسان 1951 "قانون تحديد صلاحيات المراجع الدينية للطوائف المسيحية والإسرائيلية" في لبنان الذي اعترف باستقلالية العائلات الروحية الخاضعة لهذا القانون ومنحها حق التشريع الروحي والقضائي الخاص بها. اعترف هذا القانون رسمياً بـ "المحاكم الروحية" الخاصة بكل طائفة (كالمحاكم المارونية، والأرثوذكسية، والكاثوليكية، بالإضافة إلى المحكمة الروحية للطائفة الإسرائيلية)، ومنحها الحق الحصري في تطبيق قوانينها وأنظمتها المستمدة من تقاليدها الدينية على أبنائها، فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يطبق المبدأ عينه على الطائفة الإسلامية العلوية؟
ما يؤلمني ليس عرض القانون اليوم على الهيئة العامة، وليس احتمال اقراره، بل يؤلمني أن من عانى من تدخل محمود قماطي في بيته الداخلي واعتدائه على مؤسساتهم الروحية باعنا اليوم في سوق النخاسة للحج وزمرته، وسلمنا عل طبق من فضة للحج وفيق.
في اتصالات كثيرة عرضت على المعنيين اقتراح قانون تفويض تشريعي، تمنح فيه الهيئة العامة في المجلس الإسلامي العلوي صلاحيات التشريع والبت في مسألة قوانين الطائفة، بما لا يلقي أعباء على الخزينة ولا يخالف النظام العام، ويُجَنِّب مجلس النواب وقواه السياسية الخوض في تفاصيل الطائفة، ويكون التشريع بذلك خاضعا لسلطان مجلس شورى الدولة وفق الاطار العام الذي يحكم رقابة مجلس شورى الدولة على المراسيم الاشتراعية لكن قوبل اقتراحي بالرفض، علما أن الكثير من القوانين الخاصة بالعائلات الروحية قد تم إقرارها بهذه الطريقة، وأن المادة 31 من القانون 449/1995 تشتمل على تفويض تشريعي، لكن ذلك لم يؤثر على مشروع حزب الله في مصادرة قرار الطائفة الإسلامية العلوية والسطو على مجلسها.
فجاء خطاب سماحة رئيس المجلس في الضاحية أثناء تأبين السيد علي الخامنئي، ليثبت دون جدل أن سعي الحج في احكام قبضته على السلطة الرسمية الوحيدة للعلويين حول العالم قد نجح.
في الختام أحمل مجلس النواب مجتمعًا مسؤولية دمائنا التي ستسفك على مائدة خلية حبيب للفتنة والحروب في المنطقة: فتنة سعينا جهدنا الابتعاد عنها والالتزام احكام القانون لكن شبكة المصالح الصغيرة والحسابات الضيقة أدخلتنا في أتونها رغما عنا.