محمد البابا

روسيا تُعطل الممر البحري الأوكراني وتُهدد أمن الغذاء العالمي

5 دقائق للقراءة
رويترز

في تصعيد عسكري مباشر يُهدد بإنتاج موجة جديدة من التضخم الغذائي وزعزعة استقرار أمن الغذاء العالمي، يتعرض الممر البحري الأوكراني المستقل في البحر الأسود لهجمات روسية متواصلة وشديدة الضراوة، استهدفت البنية التحتية المرفئية في مقاطعة أوديسا وسفن الشحن المدنية خلال ذروة موسم الحصاد.

وبحسب النيابة العامة في مقاطعة أوديسا الاوكرانية، شنّت روسيا ضربات صاروخية باليستية طالت 28 سفينة تجارية في موانئ أوديسا الكبرى، مما أسفر عن مقتل 21 شخصاً وإصابة 34 آخرين بينهم بحارة من جمهورية مصر العربية وسويا.

وسُجّل في الأسبوعين الأوليين من يوليو وحدهما 23 ضربة استهدفت المنشآت والبنى التحتية في اكبر موانئ أوكرانيا و17 هجوماً على أسطول نقل البضائع المدني.

كان الأشد دموية الهجوم الذي وقع عندما أصابت ثلاثة صواريخ باليستية ناقلة البضائع السائبة التركية «Golden Leo» ، مما أدى إلى مقتل 10 أشخاص معظمهم من الطاقم الأجنبي.


شلل الملاحة وارتفاع التكاليف

ولم تقتصر الأضرار على الخسائر البشرية؛ إذ تسببت الضربات المتكررة على سفن تحمل أعلام دول مختلفة (من بينها ليبيريا، وبنما، وجزر مارشال، وبربادوس، وأنتيغوا وبربودا) في تصنيف هذه الاعتداءات قانونياً كـ "جرائم حرب وأعمال قرصنة بحرية" وتجسد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

ونتيجةً لتفاقم المخاطر الأمنية، انخفض المتوسط اليومي لعدد السفن الوافدة إلى موانئ أوديسا بين 4 الى 7 سفن إلى توقف كامل للملاحة، مما أدى إلى تعطيل عمل الممر البحري بشكل شبه كلي.

وفي الوقت الذي أعلن فيه كبار مشغلي الشحن الدوليين مثل «Maersk» و«Hapag-Lloyd» التعليق المؤقت لرسو سفنهم في ميناء "تشورنومورسك" وتحويل المسارات نحو ميناء "كونستانتسا" الروماني، تضاعفت أسعار الشحن البحري من أوديسا لتقفز من 24 إلى 47 دولاراً للطن، بالتوازي مع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بمقدار ضعف ونصف إلى ضعفين.


التداعيات على الجنوب العالمي وأوروبا

تُشير البيانات إلى أن الموانئ المتضررة تُسيطر على أكثر من 90% من إجمالي الصادرات الزراعية الأوكرانية، في وقت تساهم فيه كييف بنحو 7% من صادرات القمح العالمية و11% من الذرة.

وتستورد دول مثل مصر والجزائر وإندونيسيا حوالي 60% من الحبوب الاوكرانية.

ويرى باحثون في صندوق النقد الدولي أن تدمير سلاسل التوريد قد يدفع الأسعار المحلية في البلدان الأكثر اعتماداً على الاستيراد الارتفاع بنسبة تراوح بين 10% و14%، مما يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية.

وعلى الصعيد المالي، أدى انخفاض حجم صادرات الحبوب عبر أوديسا بنسبة 30-50% (مقارنة بالمتوسط الشهري البالغ 6 ملايين طن) إلى حرمان الاقتصاد الأوكراني من مئات الملايين من الدولارات كعائدات بالعملة الأجنبية، ما يتطلب زيادة الدعم المالي الدولي لمواجهة هذا العجز.

أمام هذا المشهد، احد افرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا يمكن الاكتفاء بالإدانات، بل تتطلب المرحلة خطوات إجرائية حاسمة تتلخص في ثلاثة مسارات رئيسية موجهة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع:

1. دعم الدفاع الجوي: تزويد أوكرانيا بأسلحة ومكونات دفاع جوي وصاروخي إضافية لتأمين الموانئ والمياه المتاخمة.

2. تأمين الممرات البحرية: إرسال سفن ومعدات متخصصة لدوريات مكافحة الألغام لتطهير المسارات المائية.

3. الغطاء المالي: المساهمة في توسيع صندوق الضمانات التأمينية الدولية لتخفيض مخاطر الحرب على مالكي السفن الأجانب..

يُشكل انتظام الممر البحري الأوكراني شريان حياة مباشر لتوفير الحبوب والزيوت والأعلاف لبلدان أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حيث كانت الصادرات الأوكرانية تغذي نحو 400 مليون إنسان سنوياً قبل الغزو الروسي الشامل، فضلاً عن كون كييف المورد الرئيسي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. وعقب انسحاب موسكو من مبادرة الحبوب عام 2023، نجحت أوكرانيا بمفردها في تشغيل ممر مؤقت نقل حتى 4 يونيو/حزيران 2026 أكثر من 200 مليون طن من البضائع (منها 118 مليون طن منتجات زراعية) عبر 7800 سفينة إلى 56 دولة، ما دحض الادعاءات بعدم إمكانية الملاحة دون موافقة روسية، وأثبت أن المعضلة الوحيدة تكمن في الضربات العسكرية المباشرة."

وتؤكد المعطيات أن الضربات الروسية لا تأتي ورداً على عرقلة صادراتها، فالأغذية والأسمدة الروسية غير خاضعة لأي حظر أممي وتتمتع بمذكرة تسهيل منفصلة مع الأمم المتحدة.

ويوجد وزير الخارجية الاوكرانية ان ما يجري هو محاولة لإزاحة أوكرانيا بالقوة العسكرية من السوق العالمية لتنسيف المنافسة وإعادة تشكيل الأسعار، وهو ما يفرض على دول الجنوب العالمي رفض سلوك يفرض الاحتكار بسلاح القوة.

يعتمد الموقف الرسمي الاوكراني ان الأزمة تطلب تحركاً عاجلاً وميدانياً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

إن غياب رد دولي حاسم ومنسّق على هذه الاعتداءات في البحر الأسود يُرسخ سابقة خطيرة تقوض مبدأ حرية الملاحة التجاري على المستوى العالمي.