ديمتري كارتسيف

أرمين لاشيت... الأوفر حظاً لمنصب المستشار الألماني؟

9 شباط 2021

المصدر: The Moscow Times

02 : 01

اختار "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، وهو الحزب الحاكم في ألمانيا، زعيمه الجديد: إنه أرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية "شمال الراين ويستفاليا"، ومن المتوقع أن يترأس في الخريف المقبل لائحة ائتلاف "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي" في الانتخابات البرلمانية الألمانية. وفي ظل ارتفاع نسبة تأييد الديموقراطيين المسيحيين راهناً، من المستبعد أن يخسر هذا الفريق الانتخابات، ما يعني أن لاشيت سيصبح على الأرجح بديل أنجيلا ميركل في منصب المستشار الألماني.

اعتبرت وسائل الإعلام الألمانية لاشيت موالياً لميركل وتوقعت أن يكون امتداداً لعهدها. لكن عبّر البعض عن مخاوفه من آراء لاشيت في مجال السياسة الخارجية. في العام 2014، وضعت صحيفة "دي فيلت" اسم لاشيت على لائحة السياسيين من أصدقاء بوتين. في تلك الفترة، انتقد لاشيت "النزعة الشعبوية المعادية لبوتين" وغياب أي نقاشات في مجال السياسة الخارجية داخل ألمانيا خلال مقابلة أجراها مع صحيفة "فرانكفورتر الجماينه تسايتونج".

برأي لاشيت، كان يُفترض أن تضع ألمانيا نفسها مكان روسيا، حتى لو كان الاستفتاء المرتبط بشبه جزيرة القرم يخالف القانون الدولي. كذلك، أدان لاشيت محاولات "شيطنة بوتين" واعتبر معظم المخاوف الروسية من انتشار الحركات الجهادية خلال الحرب الأهلية السورية مبررة.

حين بدأت روسيا حملتها العسكرية في سوريا في العام 2015، تحدى لاشيت موقف قيادة حلف الناتو حول الضربات الجوية الروسية في سوريا، فشكك عبر حسابه على تويتر بالسبب الذي يجعل الضربة الجوية الروسية ضد "داعش" غير مجدية مقابل اعتبار أي ضربة أميركية ضد التنظيم الإرهابي نفسه مثمرة. وغداة تسميم سيرغي سكريبال في بريطانيا، ذكر لاشيت في إحدى تغريداته أن دول الناتو يجب أن تطرح "أدلة جديرة بالثقة" قبل أن تتضامن ضد روسيا.

في بداية العام 2019، أعلن لاشيت أن روسيا تشكّل جزءاً محورياً من نظام الأمن العالمي وتحتاج إلى حل عدد من مشاكل العالم. وبعد محاولة قتل زعيم المعارضة الروسي ألكسي نافالني وبدء علاجه في ألمانيا، عارض لاشيت تجميد بناء خط أنابيب "نورد ستريم 2" الروسي (اعتُبِرت هذه الخطوة رداً على محاولة تسميم نافالني) من دون استشارة القوى الأوروبية الأخرى.



أنجيلا ميركل متحدثةً مع زميلها أرمين لاشيت



أقامت صحيفة "فوريــن بوليسي" مقارنات مباشرة بين لاشيت والمستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر الذي أصبح اليوم رئيس شركة الطاقة الروسية العملاقة "روسنفت". عملياً، تعود مقاربة لاشيت البراغماتية تجاه روسيا في الأصل إلى التواصل الاقتصادي الذي حصل بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا الغربية في فترة السبعينات.

خلال المقابلة نفسها مع صحيفة "فرانكفورتر الجماينه تسايتونج" في آذار 2014، كان لاشيت واضحاً في موقفه حين تكلم عن السبب الذي يدفع ألمانيا إلى وضع نفسها مكان روسيا: هو لا يريد أن تتضرر العلاقات بين ألمانيا وبلدٍ يؤمّن لها 40% من الغاز الطبيعي الذي تحتاج إليه.

لم يجبر أحد لاشيت على الموافقة علناً على تحركات روسيا في سوريا أو التشكيك بحقيقة التُهَم في قضية سكريبال، بل إنه أطلق هذه المواقف كلها بصفته سياسياً محلياً.

لكن في الحالة الأخيرة، عبّر لاشيت عن موقفه بصفته رئيس وزراء "شمال الراين ويستفاليا"، تلك الولاية التي تُعتبر فيها روسيا والصين أهم شريكتَين تجاريتَين، وهي تحتل المرتبة الأولى في مجال التصدير إلى روسيا من بين الولايات الألمانية. يبرر هذا المنطق نفسه مواقف لاشيت من الصين أيضاً، فهو أيّد مثلاً منح شركة "هواوي" الحق بالوصول إلى شبكة الجيل الخامس في ألمانيا، وقد جعلته هذه المواقف يتعرض لانتقادات كثيرة.

ترتبط هذه المقاربة البراغماتية تجاه روسيا بالمصالح التجارية في المقام الأول، وتتجاوب الحكومات الإقليمية تحديداً مع أوساطها التجارية كونها تمنحها عائدات ضريبية هائلة. تُعتبر ولاية "شمال الراين ويستفاليا" الأكثر كثافة بالسكان والأقوى اقتصادياً في ألمانيا، حتى أنها تشكّل معقلاً صناعياً أساسياً ويحتل اقتصادها المرتبة 18 على مستوى العالم. أراد لاشيت، من خلال تلك المواقف العلنية، أن يبلغ رجال الأعمال هناك بأنه يتفهم مخاوفهـم ويشاركهم استياءهم الضمني من العقوبات ضد روسيا.

تتعلق المسألة الأساسية اليوم بمدى استعداد لاشيت للتمسك بتعاطفه مع روسيا إذا أصبح المستشار الألماني، لكن لا شيء يضمن التزامه بالمواقف نفسها لأن خياراته الشخصية، إذا وُجِدت، ستصطدم بعدد من العوامل الأخرى التي ترسم وجهة السياسة الخارجية الألمانية. وعلى عكس الرؤساء في الولايات المتحدة أو روسيا، لا يملك المستشار الألماني القدر نفسه من النفوذ في مجال السياسة الخارجية.

سيتوقف الوضع على اختيار الشريك في الائتلاف الحاكم، بما ان رئيس حزب الائتلاف الثاني يصبح وزير الخارجية بشكل عام. قد يستلم حزب "الخضر" هذا المنصب بعد انتخابات الخريف المقبل، ومن المعروف أن هذا الفريق يتخذ موقفاً عدائياً جداً من روسيا. كما دعت القيادة الاتحادية في هذا الحزب إلى تجميد مشروع "نورد ستريم 2" وتشديـــــــــد العقوبات المفروضة.

يستبعد السياسيون الألمان عموماً توثيق العلاقات مع روسيا في المستقبل المنظور، بما في ذلك مسؤولون من حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحي". كما أخيراً تبرز عوامل خارجية مؤثرة، على رأسها موقف الإدارة الأميركية الجديدة ووضع الدول الأوروبية الأخرى.

لا شيء يثبت أن لاشيت يريد إحداث تغيير جذري في السياسات القديمة التي تجمع بين العقوبات التي يدعم استمرارها والاتفاقيات الخاصة في بعض المجالات المحددة رغم نظام العقوبات المعتمد. إذا أصبح لاشيت الزعيم الجديد، سيكون أضعف من ميركل طبعاً وسيحتاج إلى تقوية مواقفه بشأن السياسات المحلية قبل إجراء أي إصلاحات على مستوى السياسة الخارجية. حتى شرودر أصبح صديقاً مقرباً من الكرملين بعد تنحيه من منصبه. لم يبذل هذا الأخير جهوداً مفرطة خلال عهده كمستشار لتوثيق العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، مع أن هذه الخطوة كانت لتبدو منطقية بعد العام 2000 أكثر مما هي عليه اليوم.



فلاديمير بوتين مصافحاً ماركوس سودير



لكن يجب أن يصبح لاشيت المستشار الألماني أولاً قبل مقارنته بشرودر، وقد لا تتحقق هذه النتيجة بسهولة. في معظم الحالات، يصبح قادة "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" مرشّحين لمنصب المستشار الألماني باسم ائتلاف "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي". لكن ترشّح قادة "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" مرتَين في تاريخ الجمهورية الاتحادية.

يتفوق رئيس وزراء ولاية بافاريا، ماركوس سودير، على لاشيت في نِسَب التأييد بفارق واضح ولا تسبقه اليوم إلا أنجيلا ميركل. ومن الناحية التقنية، يُفترض أن يكون سودير، السياسي التقليدي، أقرب إلى موسكو.

على غرار لاشيت، يعارض سودير تجميد مشروع "نورد ستريم 2". لكن يصعب التقرب من روسيا في الوقت الراهن بعدما تحولت النزعة التقليدية الروسية الآن إلى استبداد واضح. زار رئيس وزراء ولاية بافاريا موسكو منذ سنة وأعلن قبل زيارته وبعدها أن العقوبات ستبقى على حالها إلى أن تتغير الظروف التي سبّبتها.

يبدو أن النبأ السار الوحيد للكرملين اليوم يتعلق بزيادة احتمال ترشيح لاشيت. لا تصبّ التجارب التاريخية في مصلحة سودير: خلال عهد رئيسَين سابقيَن لحكومة بافاريا، خسر "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي" في الاستحقاقَين الانتخابيَين معاً. كذلك، سيكون لاشيت أكثر تناسباً للمشاركة في محادثات الائتلاف اللاحقة. لهذا السبب، من المتوقع أن يصبح لاشيت في الخريف المقبل أول عضو من حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" يشكّل ائتلافاً اتحادياً مع حزب "الخضر"، مثلما كان شرودر أول مستشار يقوم بالمثل من "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" في العام 1998.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.