الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية "(20)

المعنى... لا الرقم - معنى الحياة... أم حياة المعنى؟

12 دقيقة للقراءة

المقدمة

نقيس معظم الأشياء بالأرقام؛ السنوات التي عشناها، والأموال التي جمعناها، والشهادات التي حصلنا عليها، والمدن التي زرناها، والنجاحات التي حققناها؛ وكأن الرقم أصبح اللغة التي يطمئن بها الإنسان إلى نفسه، حتى أوشك أن ينسى أن أثمن ما في حياته لا يخضع لأي مقياس.

فالمعنى لا يُعدّ، ولا يُوزن، ولا يُشترى، ولا يُقاس؛ إنه ذلك الشيء غير المرئي الذي يجعل حياةً واحدةً أعمق من ألف حياة، ويجعل لحظةً واحدةً أثمن من سنواتٍ طويلةٍ عاشت بلا اتجاه.

ولهذا، لا يقصد هذا المقال أن يجيب عن السؤال القديم: ما معنى الحياة؟ فهذا سؤال رافق الفلسفة منذ قرون، وسيبقى مفتوحًا ما بقي الإنسان يتساءل عن وجوده. أما السؤال الذي يعنينا هنا فهو أقرب إلى الإنسان، وأكثر التصاقًا بحياته اليومية: كيف يصبح للحياة التي نعيشها كل يوم معنى؟

قد يعيش إنسانان العمر نفسه، ويجتازان الظروف نفسها، ويبلغان النجاح نفسه، لكن أحدهما يشعر أن حياته كانت رحلةً تستحق أن تُعاش، بينما يشعر الآخر أنها كانت مجرد سنواتٍ مرّت به؛ والفرق بينهما ليس في الرقم، بل في المعنى.

وربما لم تكن المأساة أن يعيش الإنسان عمرًا قصيرًا، بل أن يعيش عمرًا طويلًا من دون أن يكتشف ما الذي جعل لهذا العمر معنى.

المعنى لا يُكتشف... بل يُبنى

إذا كان المعنى لا يُقاس، فذلك لأنه لا يُمنح جاهزًا، ولا ينتظر الإنسان في نهاية الطريق؛ إنه يتشكل في مسار الطريق نفسه، قرارًا بعد قرار، واختيارًا بعد اختيار.

فالطفل لا يعرف معنى الأمومة، لكنه يعيشه بين ذراعي أمه؛ والطبيب لا يجد معنى مهنته في شهادةٍ معلقة على الجدار، بل في مريضٍ يغادر وقد عاد إليه الأمل؛ والأب لا يجد معنى حياته في عدد سنوات عمره، بل في اللحظة التي يرى فيها أبناءه يكبرون بفضل ما زرعه فيهم؛ والمعلم لا يقيس نجاحه بعدد الحصص التي أعطاها، بل بعدد العقول التي أيقظها.

فالمعنى لا يُبنى في الأيام الاستثنائية وحدها، بل يتراكم في التفاصيل التي تبدو عادية؛ في كلمة صدق، ووعدٍ نفي به، وعملٍ نؤديه بإخلاص حتى لو لم يصفق لنا أحد، وألمٍ نرفض أن يحولنا إلى قساة، وخسارةٍ نحولها إلى حكمة، ونجاحٍ نجعله مسؤولية لا غرورًا.

فالإنسان لا يختار دائمًا ما يحدث له، لكنه يختار، في كثير من الأحيان، ماذا يصنع بما حدث له. ومن هنا تبدأ الحرية الحقيقية؛ ليس حين يصبح قادرًا على تغيير العالم كله، بل حين يصبح قادرًا على ألا يسمح للعالم أن يسلب أيامه معناها.

وربما هنا تكمن إحدى أعظم خصائص الإنسان، فليست فرادته في أنه يملك عقلًا، بل في أنه يستطيع أن يجعل من هذا العقل أداةً لبناء المعنى، فالكائنات الأخرى تعيش لتلبّي حاجاتها، أما الإنسان فلا يكتفي بأن يعيش، بل يسأل كيف يجعل لحياته قيمة، ولعمله غاية، ولألمه درسًا، ولوجوده أثرًا.

فالمعنى ليس حدثًا ننتظره، بل طريقةً نعيش بها كل ما يحدث لنا، ولهذا، لا يُقاس الإنسان بعدد السنوات التي عاشها، ولا بما راكمه من نجاحات، بل بالمعنى الذي منحه لتلك السنوات، ولتلك النجاحات.

تراكم المعنى

لا يستطيع الإنسان أن يتوقف عن التراكم، فمنذ ولادته، وهو يضيف إلى حياته شيئًا بعد آخر، لكن السؤال ليس: هل نراكم؟ بل: ماذا نراكم؟

في المقال السابق، كان الحديث عن التراكم الذي يبعد الإنسان عن نفسه؛ تراكم المظاهر، والألقاب، والمقارنات، وكل ما يتحول، مع الوقت، إلى طبقاتٍ تحجب إنسانيته؛ أما هنا، فالتراكم لا يصبح مشكلة، بل ضرورة، شرط أن يتغير موضوعه.

فالإنسان لا يعيش بما يجمعه فقط، بل بما يبنيه في داخله، يستطيع أن يراكم المال، أو المعرفة، أو النجاح، أو الخبرة، لكن كل ذلك يبقى قابلًا للزيادة والنقصان، أما المعنى، فهو التراكم الوحيد الذي يجعل الإنسان أكبر من مجموع ما يملك.

والمعنى لا يأتي دفعةً واحدة، ولا يولد في لحظة استثنائية، بل ينمو بصمت، يتراكم في كل مرة يختار فيها الإنسان أن يكون صادقًا، أو وفيًا، أو رحيمًا، أو مسؤولًا، ويتراكم حين يحوّل خسارةً إلى درس، وألمًا إلى نضج، ونجاحًا إلى خدمة، ووجوده إلى أثر.

ولهذا، ليست قيمة الإنسان فيما راكمه حوله، بل فيما راكمه داخله، فهناك من يمضي عمره يجمع الأشياء، وهناك من يمضي العمر نفسه يبني إنسانه، فالسنوات تتراكم وحدها، أما المعنى فلا يتراكم إلا باختيار الإنسان.

ما وراء الرقم

ربما لم تكن المشكلة، يومًا، في الأرقام نفسها، بل في اللحظة التي بدأ الإنسان يقيس بها نفسه من خلالها؛ فالرقم ضروري لتنظيم الحياة، لكنه لا يستطيع أن يفسرها؛ إنه يخبرنا كم سنةً عشنا، لكنه لا يخبرنا كيف عشناها؛ ويحصي ما جمعناه، لكنه يعجز عن أن يقيس ما قدمناه؛ ويعدّ إنجازاتنا، لكنه لا يعرف أيّها غيّر إنسانًا، أو أعاد أملًا، أو صنع فرقًا في حياة أحد.

ولهذا، قد يحمل اثنان السيرة الذاتية نفسها، والنجاحات نفسها، وعدد السنوات نفسه، بينما يعيش أحدهما حياةً مليئة بالمعنى، ويعيش الآخر حياةً مليئة بالأرقام؛ فالرقم يصف الخارج، أما المعنى فيكشف الداخل.

وربما لهذا، لا يتذكر التاريخ كثيرًا عدد السنوات التي عاشها العظماء، بقدر ما يتذكر لماذا عاشوا؛ ولا يسأل الإنسان، في نهاية عمره، كم امتلك، بل ماذا بقي منه بعد أن يرحل.

ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان أن يراكمه، ليس ما يزيد رقمه بين الناس، بل ما يزيد أثره في الإنسان.

آخر ما يبقى

لم يبقَ الحديث عن المعنى حبيس التأملات الفلسفية طويلًا، بل جاءت لحظات في التاريخ لم يعد فيها السؤال: كيف نعيش؟ بل: كيف نستمر في الحياة أصلًا؟

في تلك اللحظات، لم يكن المال قادرًا على الإنقاذ، ولا الشهرة، ولا المعرفة، ولا القوة؛ كان الإنسان يفقد كل شيء، ولا يبقى له إلا الشيء الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه: المعنى.

وقد عبّر الطبيب وعالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) عن هذه الحقيقة بعد أن عاش تجربة الاعتقال في معسكرات النازية، حيث سُلب الإنسان اسمه، وحريته، وأهله، ومستقبله، حتى بدا وكأنه لم يعد يملك شيئًا. لكن فرانكل لاحظ أن بعض الناس كانوا يحتفظون، رغم كل ذلك، بشيء لم تستطع المعسكرات أن تصادره، لم يكن قوة الجسد، ولا وفرة الطعام، بل وجود سبب يجعلهم يتمسكون بالحياة يومًا آخر. ومن هنا خرج بفكرة غيّرت فهم الإنسان للألم؛ فالإنسان لا ينهار دائمًا بسبب قسوة ما يمر به، بل كثيرًا ما ينهار عندما يعجز عن أن يرى لذلك الألم أي معنى. ولم يكن يقصد أن الألم خيرٌ في ذاته، أو أن الإنسان مطالب بالبحث عنه، بل كان يرى أن الإنسان، حين يعجز عن تغيير واقعه، يبقى قادرًا على أن يختار الموقف الذي يتخذه منه، وأن يمنحه معنى يحول دون تحوله إلى عبث.

وهكذا، لم يعد المعنى ترفًا فكريًا، ولا سؤالًا فلسفيًا، بل أصبح قوةً تحفظ الإنسان من الانهيار، حتى عندما يفقد كل ما كان يظن أنه أساس حياته.

المعنى في التفاصيل

قد يظن الإنسان أن المعنى يولد في الأحداث العظيمة وحدها؛ في الإنجازات الكبيرة، أو القرارات المصيرية، أو اللحظات التي تغيّر مجرى الحياة. لكن الحقيقة أن المعنى، في أغلب الأحيان، لا يطرق الأبواب بصخب، بل يدخل بهدوء، ويسكن التفاصيل التي تمرّ من دون أن يلتفت إليها أحد.

فالأم لا تمنح أبناءها المعنى لأنها قامت بعملٍ استثنائي، بل لأنها تكرر الحب كل يوم؛ والأب لا يصنع أثره بما يقوله لأبنائه، بل بما يبنيه فيهم بصمت، حتى يأتي يومٌ يقفون فيه وحدهم، فيكتشفون كم كان حاضرًا فيهم؛ والمعلم لا يغيّر حياة تلاميذه بمحاضرة واحدة، بل بسنواتٍ من الإيمان بهم؛ والطبيب لا يجد معنى رسالته في عملية نادرة، بل في كل مريض يخفف عنه ألمًا؛ والصديق لا يصنع الفرق بكلمةٍ عظيمة، بل بحضوره عندما يغيب الجميع.

ولهذا، لا يُبنى المعنى في لحظة واحدة، بل يتراكم كما تتراكم الحياة نفسها؛ قرارًا بعد قرار، وموقفًا بعد موقف، واختيارًا بعد اختيار.

وربما لهذا، يخطئ الإنسان حين ينتظر أن تمنحه الحياة معنى، بينما الحياة تنتظر منه أن يمنحها معنى. فالمعنى لا يهبط من السماء مكتملًا، ولا يختبئ في المستقبل، بل يتشكل في الطريقة التي نعيش بها الحاضر.

وكل يوم يمرّ من دون أن يضيف الإنسان إلى نفسه صدقًا، أو معرفة، أو خيرًا، أو أثرًا، هو يوم أضيف إلى عمره، لكنه لم يُضف شيئًا إلى معناه.

بحثٌ لم يتوقف

لم يتوقف الإنسان، عبر العصور، عن البحث عن المعنى. تغيّرت الحضارات، وتبدّلت اللغات، وتعددت الإجابات، لكن السؤال بقي واحدًا: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟

رأى أرسطو (Aristotle) أن الإنسان لا يبلغ كماله بكثرة ما يملك، بل بحسن ما يكون. فالسعادة، في نظره، لم تكن شعورًا عابرًا، ولا مكافأةً خارجية، بل ثمرة حياة تُعاش وفق الفضيلة. وكأن قيمة الحياة لا تُقاس بطولها، بل بالكيفية التي عاشت بها النفس.

أما فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)، فرأى أن الإنسان يحتاج إلى سبب يعيش من أجله، لأن من يملك غايةً يستطيع أن يحتمل كثيرًا من المشقة في سبيلها. وعلى الرغم من اختلاف رؤيته الفلسفية، فقد اقترب من حقيقةٍ إنسانية عميقة: أن الحياة تفقد تماسكها حين تفقد معناها.

ثم جاء إريك فروم (Erich Fromm)، ليحذر من عصرٍ أصبح الإنسان فيه يقيس نفسه بما يملك أكثر مما يقيسها بما هو عليه. ورأى أن أخطر ما يواجه الإنسان الحديث ليس الفقر، بل أن تتحول قيمته إلى أرقام، وأن يصبح النجاح تعريفًا للإنسان، بدل أن يكون مجرد جانبٍ من حياته.

وعلى اختلاف هؤلاء جميعًا، كانوا يلتقون عند حقيقة واحدة: أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالنجاح وحده، ولا بالراحة وحدها؛ إنه يحتاج إلى شيء يمنح أيامه اتجاهًا، ويجعل لوجوده قيمة تتجاوز مجرد البقاء.

لكن السؤال بقي مفتوحًا: إذا كان لكل إنسان طريقته في بناء المعنى، فما الذي يجعل هذا المعنى خاصًا به، ومختلفًا عن معنى الآخرين؟

بصمة الإنسان

إذا كانت حياة الناس تتشابه في كثيرٍ من تفاصيلها، فإن المعنى الذي يمنحه كل إنسان لحياته لا يتشابه أبدًا. فالمعنى ليس قالبًا واحدًا يُسكب فيه الجميع، ولا طريقًا يسير فيه الناس بالخطوات نفسها، بل هو البصمة الأكثر خصوصية في الإنسان.

فما يمنح حياة أمٍ معناها، قد لا يكون هو نفسه ما يمنح حياة طبيب، أو معلم، أو فنان، أو عامل، أو باحث. وليس لأن قيمة أحدهم أكبر من الآخر، بل لأن لكل إنسان دعوته الخاصة، وقصته الخاصة، والطريقة الفريدة التي يختار أن يعيش بها هذه القصة.

ولهذا، لا يُستعار المعنى من الآخرين، ولا يُقلَّد، ولا يُورَّث؛ إنه يتكوّن ببطء، مع كل اختيار، وكل مسؤولية، وكل تضحية، وكل حب، وكل سقوطٍ ينهض منه الإنسان أكثر وعيًا؛ إنه وليد اللقاء بين الإنسان وقيمه، وبين حريته ومسؤوليته، وبين ما يستطيع أن يكونه، وما يختار أن يصير إليه.

ولعل ما يميز الإنسان هنا أن الكائنات الأخرى تعيش وفق ما أودع الله فيها من غرائز، أما الإنسان، فلا يكتفي بأن يعيش، بل يسعى إلى أن يمنح حياته معنى يعبّر عنه، ويميّزه، ويجعل من وجوده إضافةً لا تكرارًا.

ولهذا، لا يبدأ الإنسان باكتشاف المعنى في حياته عندما ينظر إلى الآخرين، بل عندما يتوقف عن تقليدهم، ويسأل نفسه بصراحة: ما الذي أستطيع أن أضيفه إلى هذا العالم كبصمتي الخاصة، ولا يستطيع أحد أن يضيفه بالطريقة نفسها؟

حين تكلم يسوع

لم يبدأ يسوع بتعريف المعنى، ولم يقدّم نظريةً في الحياة، بل عاش المعنى قبل أن يتكلم عنه؛ فلم تكن قيمة الإنسان، في نظره، فيما يملك، ولا فيما يحقق، ولا فيما يجمع، بل فيما يصير إليه.

ولهذا، لم يقل: طوبى للأغنياء، ولا للأقوياء، ولا للناجحين، بل قال: "طوبى لأنقياء القلب" (متى 5: 8). وكأنه يعيد الإنسان، مرةً أخرى، إلى الداخل؛ إلى المكان الذي يولد فيه المعنى قبل أن يظهر في الخارج.

وحين قال: "أنا قد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10: 10)، لم يكن يتحدث عن حياةٍ أطول، ولا عن حياةٍ أكثر راحة، بل عن حياةٍ أكثر امتلاءً. فالحياة، في المفهوم الذي قدّمه، ليست عددًا من السنوات، بل عمقٌ في الوجود، واتجاهٌ للقلب، ورسالةٌ يحملها الإنسان حيثما ذهب.

ولهذا أيضًا، قال: "حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا" (متى 6: 21). فالإنسان لا يمنح حياته معنى لأنه يبحث عنه بالكلمات، بل لأنه يضع قلبه فيما يستحق. فما يصبح كنز الإنسان، يصبح، مع الوقت، هوية قلبه.

وربما كانت العبارة الأكثر عمقًا قوله: "من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها" (متى 10: 39). تبدو هذه الكلمات متناقضة في ظاهرها، لكنها تكشف حقيقةً إنسانية عميقة؛ فالحياة التي تنغلق على ذاتها تذبل، أما الحياة التي تخرج من أنانيتها نحو الحب، والعطاء، والحقيقة، فهي التي تجد معناها الحقيقي.

يسوع لا يترك المعنى فكرةً يبحث عنها الإنسان خارج حياته، بل يدعوه إلى أن يحوّل حياته نفسها إلى معنى.

الخاتمة

ربما لم يكن السؤالُ، يومًا، كم سنةً عاش الإنسانُ، ولا كم نجاحًا حقّق، ولا كم شيئًا امتلك، بل: ماذا أضاف إلى الحياة، وماذا أضافت الحياةُ إليه؟

فالرقم يستطيع أن يحصي العمر، لكنه لا يستطيع أن يقيس المعنى؛ وقد يخبرنا كم مرة سقط الإنسان، لكنه لا يخبرنا كم مرة نهض؛ ويستطيع أن يعدّ إنجازاته، لكنه يعجز عن أن يحصي أثر كلمةٍ صادقة، أو تضحيةٍ صامتة، أو قلبٍ أعاد الأمل إلى إنسان آخر.

ولعل أعظم ما يملكه الإنسان ليس ما جمعه، بل ما أصبح عليه؛ فالمعنى لا يُختزل في حدثٍ كبير، ولا يولد في لحظةٍ استثنائية، بل يتراكم بهدوء، مع كل اختيارٍ صادق، وكل مسؤوليةٍ يحملها الإنسان بمحبة، وكل أثرٍ يتركه في حياة غيره.

ولأن لكل إنسان قصته، فإن لكل إنسان معناه أيضًا؛ وليس المطلوب أن نعيش حياة الآخرين، ولا أن نقلّد معانيهم، بل أن نكتشف المعنى الذي لا يستطيع أحد أن يحققه مكاننا، وأن نحوّل أيامنا إلى شهادةٍ عليه.

وربما، في النهاية، لا يُسأل الإنسان: كم عشت؟ بل: كيف عشت؟ ولا: ماذا امتلكت؟ بل: ماذا منحت؟ ولا: كم كان رقمك بين الناس؟ بل: أي معنى تركته فيهم؟

فالحياة لا تصبح عظيمة بطولها، ولا بكثرة ما تضيفه إلى الإنسان، بل بما يضيفه الإنسان إليها؛ ولهذا، قد يكون أعظم إنجاز يبلغه الإنسان، ألا يترك وراءه رقمًا يُذكر، بل معنىً يبقى.