زيزي إسطفان

حين يصبح التاريخ في مرمى الحرب

قلاع الجنوب تاريخ من الغزاة والصراعات

7 دقائق للقراءة
"الشقيف" أشهر قلاع الجنوب ولبنان وزادت "نجوميتها" خلال حرب الإسناد

في ظل التصعيد العسكري المتواصل في الجنوب برز اسم قلعة الشقيف الأثرية أو قلعة بوفور كموقع ملتبس بين أمجاد التاريخ ومآسي الحاضر. ادعاءات طالت القلعة وما تخفيه تحتها من أنفاق عسكرية، وتفجيرات هزت أركانها وزعزعت سراديبها. مرة جديدة وجدت قلعة الشقيف نفسها عند تقاطع التاريخ والجغرافية، تعيد سرد التاريخ القديم بلغة معاصرة وتستعيد الصراع على موقعها الاستراتيجي، وبعد أن كانت حامية المساحات والممرات باتت بحاجة لحماية الدول والمنظمات. قلعة الشقيف واحدة من خمس قلاع جنوبية تعود إلى قلب الأحداث مع كل تطور عسكري. فماذا نعرف عنها؟

لطالما دفع الجنوب ثمن موقعه. فهذه الأرض الواقعة عند نقطة التقاء لبنان بسوريا وفلسطين، والمفتوحة على البحر المتوسط، لم تكن يومًا بمنأى عن أطماع القوى المتصارعة على المنطقة، ولا عن الحروب التي رسمت حدودها وغيّرت ملامحها مرارًا وتكرارًا. ومنذ العصور القديمة، تعاقبت عليها حضارات وجيوش وإمبراطوريات، تاركة وراءها قلاعًا وحصونًا ومدنًا ومرافئ تشهد على أن أهمية الجنوب لم تكن يومًا محصورة بجغرافيته، بل في موقعه الذي جعله ممرًا وأرض مواجهة في آن.

في بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 5% من مجمل مساحة لبنان ترتفع ست قلاع بنيت على مر العصور والحضارات لتكون حامية لهذه المنطقة الاستراتيجية التي تقع على تقاطع حيوي وعسكري بين لبنان وفلسطين وسوريا وتنفتح على البحر المتوسط لتشكل منطقة محورية للغزاة الذين يأتونها من الخارج بدءًا بالبابليين وصولا إلى الإسرائيليين، مرورًا بالفرس والإغريق والرومان والبزينطيين والحملات الصليبية والأيوبيين والمماليك والعثمانيين تاركين وراءهم قلاعًا وحصونًا لا تزال حتى اليوم على ما يبدو تلعب الدور الاستراتيجي نفسه في الصراع على الأرض.

على مدى التاريخ يؤكد عالم الآثار والأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية البروفسور جعفر فضل الله، كان الجنوب اللبناني معرضًا للغزوات بسبب موقعه الجغرافي وثرواته الواقعة فوق الأرض وتحتها مثل الأخشاب والصناعات والمواسم الزراعية وقد بنيت القلاع عبر الحضارات لتلعب دورين مهمين: دورًا استراتيجيًا لحماية المدن ودور مراقبة لحماية الممرات الداخلية. وقد لعبت قلعتا شقيف وشمع على مر العصور دورًا استراتيجيًا مهمًّا كونهما تطلان على إصبع الجليل وفلسطين والساحل اللبناني وسوريا.

إلى هاتين القلعتين تضاف مجموعة من القلاع الأقل أهمية مثل قلعتي هونين وتبنين وقلعة دوبيه وقلعة دير كيفا. هذه القلاع بدات كأبراج مراقبة في العصر الروماني ثم مع بدء الحملات الصليبية تحولت إلى حصون ومن ثم قلاع تثبت دورها وأهميتها في الفترة الصلبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر واستمر حتى مجيء المماليك. وقد عمل المماليك على تطوير القلاع وإدخال الإضافات الإسلامية إليها لتنتقل بعدهم إلى العثمانيين. وفيما بعد استخدم زعماء جبل عامل من آل صفا وعلي الصغير والشيخ عباس النصار هذه القلاع ورمموها. وتقف قلاع الجنوب شاهدة على تاريخ هذه المنطقة وهي أرض غنية بتاريخها وآثارها لكنها لا تزال تدفع في حاضرها ثمن موقعها الجغرافي والاستراتيجي وثمن رهانات البعض الرعناء.

اليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فالإسرائيليون عملوا جاهدين للوصول إلى قلعة الشقيف التي تتخطى كونها مجرد موقع عسكري عادي بل تكتسب قيمة استراتيجية كبيرة فمن ارتفاع 700 متر تشرف على نهر الليطاني ووادي السلوقي ومساحات واسعة من الجنوب وشمال إسرائيل وجنوب سوريا وتستعيد دورها كموضع تنازع ومراقبة وسيطرة.


أنفاق أثرية أم عسكرية؟

وبعد تداول أخبار عن وجود أنفاق لـ"حزب الله" تحت القلعة الأثرية قام الإسرائيليون بتفجير هذه الأنفاق بكميات هائلة من المتفجرات أهتزت لها أنحاء الجنوب و حجارة القلعة. وتناقلت وسائل الإعلام سردية أنفاق "حزب الله" والتفجيرات التي طالتها وأظهرت صور الأقمار الصناعية ظهور تفسخات وندوب أرضية واسعة في المرتفعات المحيطة بالقلعة على إثر التفجيرات و القصف التي تعرضت له.

لكن علماء الآثار كما يؤكد د. فضل الله يعرفون جميعهم أن القلاع دائمًا ما يكون تحتها أنفاق وسراديب ومدافن تبنى مع القلعة بحيث تزوّد القلاع بوسائل دفاعية خارجية وأخرى باطنية مثل السراديب والأنفاق التي تؤمّن حماية للجنود أوقات الحروب وتشكل مهربًا لهم في حال تعرضت القلعة للغزو أو الحصار. وقلعة الشقيف لا تشذ عن هذه القاعدة وتحتها أنفاق عميقة على ارتفاع نحو 350 مترًا، يقال إن بعضها يصل إلى نهر الليطاني. وقد بنيت هذه الأنفاق أيام الرومان والصليبيين في عهد الملك بلدوين.

لكن أكثر من سؤال ملحّ يُطرح هنا: هل استخدم "حزب الله" هذه الأنفاق أو بنى أنفاقًا قريبة منها، أم أن إسرائيل فجرّت عمدًا أنفاقًا أثرية تعود إلى مئات السنين؟ هل كانت القلعة وأنفاقها مركزًا عسكريًا استخدمه "الحزب" تحت أعين الدولة ووزارة الثقافة ومديرية الآثار؟ أم أن إسرائيل تحججت بهذه الذريعة لتفجير الأنفاق لتحول دون استخدامها من قبل "الحزب" ومقاتليه؟ وفي كل الأحوال هل يحق لها تدمير مواقع أثرية محمية من المراجع العالمية تحت أية حجة؟

أسئلة لا تزال الإجابات عليها غامضة وبحاجة إلى توضيحات. لكن ما يؤكده عالم الآثار فضل الله أن كل المواقع الأثرية في لبنان تحت رقابة وزارة الثقافة ومديرية الآثار وهي محمية ومحصنة بالقوانين ويصعب الاقتراب منها أو استخدامها لأغراض أخرى. ولكن بعيدًا عن كل الجدل القائم لا شك أن التفجيرات التي طالت أنفاق القلعة أو أي أنفاق قريبة منها سيكون لها تأثير مباشر على القلعة بحد ذاتها: على جدرانها وعقودها وقناطرها وغرفها كما على سراديبها ومدافنها. فهذه المنشآت الأثرية القديمة المبنية بحجارة صخرية مشبوكة بطرق فنية قديمة غير قادرة على تحمل قنابل العصر الحديث وقدرتها التفجيرية الهائلة. وحدها قلعة تبنين لم تصب أو تتضرر أما قلاع شمع والشقيف وهونين ودوبيه فقد تضررت جميعها ولا تزال الظروف غير سامحة برصد الأضرار وتقدير مدى فداحتها.


قلاع تهتز ولا تسقط

وزير الثقافة غسان سلامة طمأن الى أن قلعة الشقيف لم تتأثر بالتفجيرات التي حدثت تحتها وفي محيطها ولكن هل تم إجراء مسح حقيقي ودراسات أثرية لمعرفة مدى تأثر الجدران والعقود والأقبية والسراديب؟ دوليًا وبناءً على طلب الحكومة اللبنانية أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو القلاع الخمس التاريخية و الواقعة في جبل عامل وهي: الشقيف، تبنين، دوبيه المعروفة بشقرا، دير كيفا وشمع على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر بهدف توفير الحماية الدولية العاجلة لها جراء الأعمال العسكرية القائمة في محيطها، وقد تم انتزاع إقرار الملف خلال أعمال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية في حين اعترضت إسرائيل على إدراج هذه القلاع لا سيما قلعة الشقيف في التراث العالمي بحجة أن "حزب الله" يستخدم الموقع ومحيطه لأغراض عسكرية. لبنان رفض هذه الإدعاءات مؤكدًا أن القلاع ومنذ الانسحاب الإسرائلي في العام 2000 تستخدم لأغراض سياحية وثقافية حصرًا وهي تحت رقابة ووصاية وزارة الثقافة اللبنانية. فهل تحمي الوصاية الدولية القلاع اللبنانية الخمس؟ أم أن الآلة العسكرية الإسرائيلية تبقى أقوى من كل المواثيق الدولية؟

البروفسور فضل الله يشرح أنه عبر التاريخ تعرّضت الآثار في الدول التي دخلها الغزاة للسلب والتخريب، لا بل إن بعض المحتلين كانوا يأتون معهم بفرق هندسية خاصة وخبراء آثار لاكتشاف الآثار والكشف عن كنوزها، ومن ثم سرقتها والعودة بها إلى بلدانهم. ومثال على ذلك ما فعله نابليون بونابارت أثناء حملته على مصر. واليوم يُطرح السؤال ذاته: ألا يمكن أن يكون الإسرائيليون، بما يملكونه من معدات متطورة، قد استطاعوا اكتشاف السراديب الواقعة تحت قلعة الشقيف وغيرها من القلاع، وإيجاد ما تختزنه من كنوز وآثار والتصرف بها؟ وهل استطاع لبنان الرسمي الوصول سابقًا إلى هذه السراديب وجرد ما تحويه، ليتمكن من المطالبة بآثاره في حال تمت سرقتها؟ أم تم نهب ما هو موجود في هذه الأنفاق من كنوز وآثار تاريخية غير مستكشفة؟

بين الثقافة والعسكر، وبين حجج "الحزب" وتبريرات إسرائيل تضيع قلاع وتنهار سراديب ويفقد لبنان قبسًا من تاريخه...