جوزيف حبيب

أعداء إسرائيل

3 دقائق للقراءة
تواجه الدولة اليهودية عدوًّا من طبيعة مختلفة (رويترز)

تمكّنت إسرائيل، على مدى تاريخها، من هزيمة أعدائها وترجمة انتصاراتها إلى مكاسب جيوسياسية. حوّلت تل أبيب فاجعة 7 أكتوبر إلى منعطف حاسم قلبت من خلاله الطاولة على "محور الممانعة"، ونجحت في ذلك إلى حدّ بعيد، وإن لم تفضِ المواجهة بعد إلى التخلّص نهائيًّا من الأذرع وقطع "رأس الأفعى" في طهران. لا شكّ في أن إسرائيل تتفوّق على خصومها الإقليميين في نواحٍ عديدة، إلّا أن "الخطر الوجودي" المحدق بمستقبل "الدولة الإسبرطية" قد لا يأتيها من الخارج، بل ينبعث من أحشائها، وتحديدًا على يد قسم كبير من الحريديم والمستوطنين المتزمّتين، الكارهين لكلّ من لا يشبههم، ولو كان يهوديًّا.

تواجه الدولة اليهودية عدوًّا من طبيعة مختلفة؛ عدوًّا خبيثًا لا يسهل دحره والقضاء عليه، حتى إن توافرت النيّة لتقليم أظافره وكبح جموحه المُهلك. ينظّم الإسرائيليون شؤونهم القانونية والسياسية بما يلائم مصالحهم، خشية خسارة "الحرب الديموغرافية" مع الفلسطينيين. غير أن معدّل الخصوبة داخل المجتمع اليهودي يتفاوت بوضوح، إذ يتخطّى لدى الحريديم والمستوطنين نظيره لدى بقية اليهود. صحيح أن نسبة المتطرّفين دينيًّا بين اليهود ما زالت محدودة نوعًا ما، بيد أنهم سيشكّلون نحو ثلث المجتمع بحلول منتصف هذا القرن، إذا صدقت التوقّعات. وأمام هذا التفاوت الديموغرافي بين اليهود أنفسهم، تصبح الحلول أكثر تعقيدًا، إن لم نقُل شبه مستحيلة.

ترى شريحة واسعة من الإسرائيليين أن الحريديم عبء على المجتمع و"قنابل موقوتة" تنفجر دوريًّا كلّما لاحت بوادر المساس بامتيازاتهم غير المستحقّة. كيف تعرف أن جماعة منعزلة تُمثّل وزرًا على مجتمعها بدل أن تكون قيمة مضافة إليه؟ الإجابة في غاية البساطة: حين لا تريد أن تُسهم بشيء سوى الصلاة والتذمّر، وتأسر ذاتها داخل قوالب عقائدية ضيّقة، متجاهلة الحقائق الصارخة المحيطة بها، وترفض الخدمة العسكرية، بل "تُقاتل" من أجل التهرّب من تأدية هذا الواجب، فيما يختار حوالى نصف رجالها البقاء بلا عمل والاعتماد على نسائهم لإعالة عائلاتهم، فضلًا عن التعويل على دافعي الضرائب لتمويل مدارسهم ومعاهدهم.

ما أبرز "إنجازات" غلاة الحريديم في دولة متقدّمة علميًّا؟ ربّما البصق على الأرض لدى مصادفة مسيحيّ في الشارع أو المرور أمام كنيسة! ما تفسير هذه الظاهرة المقيتة؟ لنكتفِ بالقول إنّ كلّ إناء بما فيه ينضح. لكنّ الأمر لم يتوقّف عند البصق، بل تجاوزه إلى الاعتداء الجسدي. وفي موازاة ذلك، تقف الضفة الغربية، أو "يهودا والسامرة" في قاموس التوراتيين، على صفيح ساخن، في ظلّ التوسّع الاستيطاني وتوالي شنّ مستوطنين بغاةٍ هجماتٍ على قرى فلسطينية، بما تشمله من اعتداء على الأهالي ومحاصرة منازلهم وحرق ممتلكاتهم وأشجارهم ومحاصيلهم وسرقة مواشيهم. وللدلالة على قتامة المشهد، يكفي أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو أحد أشدّ مؤيّدي الاستيطان، وصف محاصرة مستوطنين منازلَ في بلدة قُصرة أخيرًا بأنّها "عمل إرهابي مروّع". كلام هاكابي يدقّ ناقوس الخطر، فهل من يتّعظ؟