الراعي: نريد للمفاوضات أن تحفظ حقوق لبنان وتوقف الاعتداءات وتؤمّن الانسحاب

4 دقائق للقراءة

ألقى البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عظة الأحد الثالث عشر من زمن العنصرة في الديمان، تحت عنوان: «الحَبّ الذي وقع في الأرض الجيّدة أثمر» (لو 8: 15)، متناولًا فيها أبعاد مثل الزارع، ومشددًا على أهمية استقبال كلمة الله وتحويلها إلى حياة وثمر، قبل أن يربط بين مضمون الإنجيل والواقع الوطني اللبناني.

وقال الراعي إن «الزرع هو كلمة الله، والزارع هو المسيح بواسطة الكنيسة»، مشيرًا إلى أن الفرق في الثمر لا في الزرع، لأن كلمة الله تُعطى للجميع والنعمة تُعرض على الجميع والحب الإلهي يقترب من كل قلب، لكن القلب هو الذي يحدد ماذا يفعل بهذه الكلمة.

وأوضح أن الرب يسوع يقدم في مثل الزارع أربع صور لكيفية استقبال كلمة الله، ثلاث منها مرفوضة والرابعة مقبولة، لافتًا إلى أن الحَبّ الذي يقع على قارعة الطريق يرمز إلى عدم الاكتراث بكلام الله، والذي يقع على الصخرة إلى عدم العمق الروحي والسطحية، فيما يرمز الحَبّ الذي يقع بين الشوك إلى الانشغال بهموم الدنيا والمصالح والمال والرغبات.

وأكد أن الصورة الرابعة هي الحَبّ الذي يقع في الأرض الطيبة فيثمر، موضحًا أن الأرض الطيبة ليست أرضًا بلا صعوبات، بل أرضًا تقبل أن تُفلح وتُنقّى وتُروى وتنتظر.

وقال الراعي إن «في كل قداس، يزرع الله كلمته فينا، ثم يغذينا بجسده ودمه»، معتبرًا أن الليتورجيا تجعل القلب أرضًا طيبة، حتى يصبح ما نسمعه صلاةً وحياةً وثمرًا.

وفي البعد الوطني، شدد الراعي على أن «الأوطان أيضًا تحتاج إلى أرض طيبة كي تثمر»، معتبرًا أن لبنان قبل كل شيء «أرض: أرض تاريخ ورسالة وعيش مشترك»، وقال: «نريد لبنان على صورة الأرض الطيبة: وطنًا حرًا سيدًا مستقلًا، يقوم على العدالة والدستور واحترام الإنسان وكرامته. نريده وطنًا وأرضًا للسلام».

وأضاف: «فالسياسة حين تسقط على أرض المصلحة الضيقة لا تثمر، والقرار حين يقع على صخر الانقسام لا يثبت، والإصلاح حين يخنقه شوك المحاصصة والامتيازات يموت. أما حين تقع الإرادة الوطنية في أرض الدولة والقانون والعدالة، فإنها تثمر استقرارًا وثقةً ونهوضًا».

وتناول الراعي المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة، قائلاً: «إننا نتطلع إلى أن تُثمر المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة ما يحفظ حقوق لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤمّن الانسحاب من أرضنا، ويعيد الأمن والاستقرار إلى أهلنا وقراهم، ويفتح باب إعادة الإعمار، فتستعيد الدولة كامل دورها وسيادتها، ويكون الجيش اللبناني سندها الوحيد في حماية الوطن».

وأكد أن «الأرض الجيدة في الوطن هي الدولة حين تكون قوية وعادلة؛ هي القضاء حين يكون مستقلًا، وهي الإدارة حين تكون شفافة، هي المسؤولية حين تتحول من امتياز إلى خدمة، هي المواطن حين يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية»، داعيًا إلى مؤسسات «تستقبل الكفاءة فتثمر خدمة، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة».

وقال إن لبنان «ليس أرضًا عقيمة»، مشيرًا إلى أن هذه الأرض «أثمرت علمًا وثقافةً وقداسةً وفكرًا وحضورًا في العالم»، ومؤكدًا أن «أرض لبنان قادرة أن تثمر من جديد متى زُرع فيها الحق وحُمي القانون وصينت الحرية».

ودعا إلى «زرع السلام فيثمر استقرارًا، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة، والتعليم فيثمر مستقبلًا، والوحدة فتثمر وطنًا»، مضيفًا: «نريد لبنان الأرض الجيدة التي لا تضيع فيها التضحيات، ولا تختنق فيها المبادرات، ولا تموت فيها أحلام الشباب».

وفي مستهل عظته، رحب الراعي بالحاضرين للاحتفال بالليتورجيا الإلهية في الديمان، وخص بالترحيب الوفد البولندي برئاسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البولندي، مع سفيرة بولندا في لبنان، كما رحب بالسفير الدكتور ابراهيم المجذوب، الرئيس التنفيذي لمجلس أمناء سفراء دول العالم في الاتحاد الأوروبي.

ووجه تحية خاصة إلى عائلة المرحوم جورج صليبا، الذي قال إن اسمه التصق بالمثلث الرحمة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، إذ كان شمّاسًا له اسقفا بطريركا وكردينالا، وحاضرًا بجنبه في الكرسي البطريركي كما في أسفاره، ووصفه بأنه كان «كتوماً مأخوذاً بالخدمة المتواضعة والمتفانية».

وأشار إلى أن الراحل «وُدّعناه منذ حوالي عشرة أيام، مع زوجته وابنتيه وابنه»، معلنًا تقديم الذبيحة الإلهية لراحة نفسه وعزاء أسرته وعائلات أشقائه وسائر أنسبائهم ورابطة آل صليبا.

وفي ختام العظة، دعا الراعي إلى الصلاة قائلاً: «يا رب، اجعل قلوبنا ووطننا أرضًا طيبة لكلمتك، واحفظ زرع الخير فينا من اللامبالاة والسطحية وهموم الدنيا. بارك لبنان بارك أرضه وشعبه، واجعل ما نزرعه اليوم حقًا وعدالةً وسلامًا، ثمرًا لأجيال الغد. واجعل أرضنا طيبة فتثمر لتمجيدك وشكرك إلى الأبد، آمين».