الدكتور سايد حرقص

بين التهويل الإعلامي والواقع العسكري: هل تلة "علي الطاهر" تمهيد لاجتياح جنوبي جديد؟

4 دقائق للقراءة

​شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً لافتاً في التركيز الإعلامي والعسكري الإسرائيلي على تلة "علي الطاهر" الواقعة في الجنوب اللبناني. ولم تعد الطروحات تتوقف عند حدود تصنيفها كمرتفع استراتيجي يطل على النبطية والعمق الجنوبي، بل امتدت لترسّخ صورة مختلفة تماماً رسمتها التقارير كموقع يضم منشأة عسكرية معقدة، تخفي تحتها شبكات أنفاق ضخمة ومراكز قيادة وسيطرة خاضعة لإدارة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني بالاضافة الى مئات المقاتلين الايرانيين والاجانب. وأمام هذا الضخ المكثف، يطرح المشهد العسكري والسياسي سؤالاً محوريّاً حول ما إذا كنا أمام كشف ميداني لحقيقة عسكرية تحت الأرض، أم أمام إعادة إنتاج لسردية تُصنّع المبرر السياسي والعسكري لاجتياح بري واسع النطاق.


​لا خلاف، من الناحية العسكرية التقليدية، على الأهمية الجغرافية الاستثنائية لتلة «علي الطاهر»؛ فالمرتفعات تمنح الجهة المسيطرة عليها قدرات واسعة في الرصد والتصدي الناري، فضلًا عن موقعها المحاذي للنبطية وقلعة الشقيف وجبل الريحان، وإشرافها على الممرات المؤدية إلى البقاع الغربي وجزين، وصولًا إلى العمق الجنوبي.

في المقابل، لا يمكن إغفال وجود تحصينات وبنى تحتية لـ«حزب الله» في تلك المنطقة، إذ تؤكد المعلومات المتقاطعة اعتماد الحزب تاريخيًا على استراتيجية الأنفاق والمنشآت المحصنة تحت الأرض، التي استثمر فيها سنوات طويلة لتوفير شبكات أمان للمقاتلين والعتاد ومراكز إدارة المعارك. وهي قدرات جاهر بها «حزب الله» وجعلها جزءًا من دعايته الإعلامية، ولا سيما ما عُرف بمنشأة «عماد 4» وغيرها. علمًا أن قسمًا من هذه المنشآت جرى اختباره خلال المعارك الأخيرة، وتمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير أجزاء منها، ما أدى إلى انفجارات ضخمة هزّت المنطقة، ووصلت أصداؤها إلى مناطق بعيدة نسبيًا.


​لكن نقطة التحول الاستراتيجية تكمن في الانتقال السريع من وصف الموقع بـ "منشأة عسكرية لحزب الله" إلى "قاعدة للحرس الثوري الإيراني". هذا التغيير المصطلحي يتجاوز حدود التوصيف الميداني ليصل إلى إعادة تشكيل المسرح الجيوسياسي للمعركة برمتها. فوجود التمويل والدعم الإيراني لحزب الله ليس سراً ولا يتطلب تسريبات أو تكهنات؛ إذ سبق للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، أن أعلنها بصراحة ووضوح في حزيران 2016 خلال كلمة له في ذكرى مصطفى بدر الدين، قائلاً إن موازنة حزب الله ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه تأتي من الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكداً أنه طالما يوجد في إيران أموال فإن لدى الحزب أموال، وكما تصل الصواريخ التي يهدد بها إسرائيل تصل أمواله.


​غير أن القفز من حقيقة الدعم والتمويل والتحالف المفتوح إلى القول بأن تحت جبال "علي الطاهر" قاعدة مستقلة يديرها الحرس الثوري مباشرة يفتقر حتى الساعة إلى أدلة حسية ومستقلة تُعرض للرأي العام في المصادر المفتوحة. وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية؛ فإذا صُنّف الموقع كبنية تابعة لحزب الله، فإن السجال القانوني والسياسي يظل محصوراً في إطار سلاح حزب الله المحلي وبسط سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها. أما إسباغ الطابع الإيراني المباشر عليه، فيمنح إسرائيل المسوغ لتقديم عمليتها باعتبارها جزءاً من "الحرب المباشرة ضد إيران"، مما يُحيّد الضغوط الدولية، ويُطلق يدها في توسيع نطاق العمليات العسكرية للسيطرة بالنار على النبطية وجبل الريحان وصولاً إلى جزين والبقاع الغربي.


​تُثبت التجارب العسكرية عبر التاريخ أن الحروب لا تبدأ دائماً بهدير الدبابات وغارات الطائرات، بل تبدأ أولاً بالدعاية السوداء وصناعة الرواية. قبل دخول أي منطقة، تحتاج الجيوش إلى بناء قصة تُفسر للرأي العام الداخلي والدولي لماذا أصبحت السيطرة البرية "ضرورة أمنية لا مفر منها". وإذا نجحت هذه السردية، يتحول العمل الهجومي في نظر المجتمع الدولي من اجتياح وتوسع عسكري إلى "عملية دفاعية لإزالة خطر داهم"، مما يمهد الطريق ميدانياً وسياسياً لما هو أعظم.


​أمام هذا الواقع، تتقاطع الإجابة بين فرضيتين متكاملتين: وجود بنية عسكرية محصنة بالفعل لحزب الله، واستغلال هذا الوجود وتضخيمه إعلامياً لتصنيع ذريعة الميدان. ويبقى السؤال الأكثر حرجاً بالنسبة للداخل اللبناني متصل بمدى قدرة السلطة الرسمية على التحرك دبلوماسياً وسياسياً لإقناع حزب الله بتسليم هذه المنشآت وضمها للمناطق التجريبية لتفادي الذرائع،لأن المنطقة تتجه قريبا نحو فرض وقائع ميدانية جديدة. إن تلة "علي الطاهر" باتت اليوم مؤشراً حقيقياً لطبيعة الحرب المقبلة: هل نحن أمام عملية محصورة لتدمير بنية تحتية عسكرية، أم أمام التمهيد لإعادة رسم الخريطة العسكرية للجنوب اللبناني بالكامل؟ والإجابة الحاسمة لن تأتي من البيانات الصحفية، بل من الاتجاه الذي ستسلكه الآليات العسكرية عند بدء الهجوم.