روجيه نهرا

أبو قمحة... تتمسّك بأرضها وتراثها رغم الهجرة والإهمال

6 دقائق للقراءة

ترتبط بلدة أبو قمحة، الواقعة على سفوح جبل الشيخ، بتاريخ عريق تختزنه كنائسها ورواياتها الشعبية وعلاقة أهلها المتجذّرة بالأرض. وعلى الرغم من الهجرة الواسعة وتراجع الخدمات وتداعيات الحروب، لا يزال أبناؤها يتمسكون ببلدتهم ويحاولون الحفاظ على حضورها السكاني وتراثها.

ارتبط تاريخ أبو قمحة بكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس القائمة في وسط البلدة، وبالروايات المتوارثة عن مرور القديس جاورجيوس فيها. ولا تزال آثار حوافر حصانه، وفق الأهالي، ظاهرة على صخرة بالقرب من الكنيسة، حيث شُيّد مزار للقديس في المكان الذي يُروى أنه غرس فيه رمحه في الأرض، فانفجرت المياه من تحتها، ولا يزال النبع ينبض بالمياه حتى اليوم.

وحفاظًا على هذه المياه، أقام الأهالي خزانًا في الموقع لجمعها والاستفادة منها، لتبقى الحكاية جزءًا من الذاكرة الشعبية والتراث الديني للبلدة.

وتتداول الذاكرة المحلية رواية أخرى عن إحدى عجائب القديس جاورجيوس. فعندما قرر الأهالي صب سطح كنيسة القديس جاورجيوس للروم الاورثوذكس بالباطون، كانوا بحاجة إلى كميات كبيرة من المياه، وكانوا يعتزمون نقلها بواسطة الدواب من ينابيع بعيدة عن البلدة. إلا أنهم فوجئوا في صباح اليوم التالي بامتلاء خزان المياه الذي أُعدّ لأعمال البناء، من دون معرفة مصدر المياه. واعتبر الأهالي يومها ما حصل كرامة من كرامات القديس جاورجيوس، وبقيت الرواية متناقلة من جيل إلى آخر.

وتُعد كنيسة القديس جاورجيوس للروم الاورثوذكس، القائمة في ساحة البلدة، من أبرز معالم أبو قمحة، بما تختزنه من تاريخ وروايات دينية وشعبية ارتبطت بالمكان وأهله.


من "الروس" إلى أبو قمحة

أما تسمية "أبو قمحة"، فتربطها الرواية الشعبية برجل قصير القامة كان يُعرف بـ"قصير القمحة"، قدم من سوريا واستقر في المنطقة وعمل في زراعة القمح، فغلبت صفته على المكان، ليصبح اسمه لاحقًا "أبو قمحة".وكانت البلدة تُعرف قديمًا باسم "الروس"، وكانت قائمة في موقع يقع على التلة الثانية المقابلة للبلدة الحالية، قبل أن ينتقل سكانها إلى موقعها الحالي بسبب شح المياه.وتشير الروايات المتناقلة إلى أن عائلات عدة سكنت الموقع الجديد، إلا أن سبعًا أو ثماني عائلات غادرت البلدة نهائيًا مع مرور الزمن، فيما بقيت نحو عشر إلى اثنتي عشرة عائلة، معظم أفرادها من المزارعين والموظفين.


على سفوح جبل الشيخ

تقع أبو قمحة إلى الشمال الشرقي من حاصبيا، وتحدّها شرقًا عين جرفا، وغربًا كوكبا، وجنوبًا الفرديس. وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، وتبعد قرابة 120 كيلومترًا عن بيروت و30 كيلومترا عن مركز المحافظة في النبطية و3 كيلومترات عن مركز القضاء في حاصبيا. ويروي مختار البلدة السابق راشد نعمة الله أبو راشد لـ"نداء الوطن" أن عائلته قدمت من كوكبا عام 1936 واستقرت في أبو قمحة، فيما كانت والدته من أبناء البلدة ووالده من كوكبا. ويقول إن الحياة في تلك المرحلة كانت تقوم بصورة أساسية على الزراعة والفلاحة، إذ كان الأهالي يعتمدون على تعب الأرض وخيراتها لتأمين معيشتهم. ويضيف أن رواية شعبية متوارثة تتحدث عن مرور القديس مار جرجس في المنطقة قادمًا من سوريا، حيث يُقال إنه ضرب الأرض برمحه أو عصاه فتفجّر منها نبع ماء، فشيد الأهالي كنيسة حملت اسمه. كما ترتبط الكنيسة برواية أخرى عن امتلاء خزانها بالمياه بصورة مفاجئة خلال أعمال البناء في ثلاثينيات القرن الماضي، بعدما كان الأهالي يضطرون إلى نقل المياه من النهر، الأمر الذي اعتبروه يومها كرامة وعلامة إلهية.


13 منزلا ونحو 50 مقيمًا

يبلغ عدد المنازل المأهولة في أبو قمحة نحو 13 منزلا، فيما يقيم فيها بصورة دائمة قرابة 50 نسمة، بينهم نحو 30 من أبناء الطائفة الأرثوذكسية و20 من الطائفة المارونية. أما أبناء البلدة المسجلون على لوائح الشطب، فيبلغ عددهم نحو 200 شخص، يقيم قرابة 100 منهم في لبنان، في حين يتجاوز عدد المهاجرين 500 شخص، يتوزعون خصوصًا بين البرازيل والولايات المتحدة ودول أوروبية.

وعلى الرغم من البعد، لا يزال بعض أبناء الاغتراب يحافظون على صلتهم بالبلدة ويساهمون في دعمها ومساعدة أهلها.

وتضم أبو قمحة عائلات غنيم، أبو راشد، مسعود، زنقول، متري، العصفور وجبور، فيما شهدت البلدة خلال العقود الماضية موجات هجرة واسعة، ولا سيما باتجاه البرازيل، حيث استقرت عائلات وتفرعت أجيالها.


كنيسة أثرية وزراعة الزيتون

تشكل الكنيسة الأثرية أبرز معالم أبو قمحة، ويقصدها زوار من مناطق مختلفة. ويعود تاريخ بنائها، وفق ما هو موثق عند مدخلها، إلى نحو 300 عام، فيما يحتفظ أبناء البلدة بروايات شعبية كثيرة حولها وحول ارتباطها بالماء والقديس مار جرجس.

وكانت في البلدة مدرسة رسمية أُقفلت عام 1975 مع اندلاع الحرب اللبنانية، بعدما كانت تستقبل التلامذة حتى الصف الخامس الابتدائي، ما دفع الأهالي إلى إرسال أبنائهم إلى البلدات المجاورة لاستكمال تعليمهم.


مختارية عمرها أكثر من قرن

يعود تاريخ المختارية في أبو قمحة إلى ما قبل عام 1914. وكان أول مختار للبلدة ميخائيل الأشقر، ثم خلفه الياس جبور، الذي غادر منصبه إثر خلاف مع البكاوات.بعده تولى المختارية ميخائيل غنيم، ثم حنا زنقول الذي استمر في منصبه نحو 35 عامًا، تلاه مخايل غنيم لنحو 12 عامًا، ثم راشد نعمة الله أبو راشد، وبعده نعمة راشد أبو راشد، وصولًا إلى المختار الحالي مخول أبو راشد.


خدمات غائبة وطرقات متضررة

يشكو أبناء أبو قمحة من ضعف كبير في الخدمات والبنية التحتية. فبعد سنوات كان فيها حضور الدولة أوضح، ولا سيما بين عامي 1996 و2016، يقول الأهالي إن البلدة تعاني إهمالا واضحًا، كما تفتقر البلدة إلى المشاريع الإنمائية.

وتتميز أبو قمحة بأجواء من التعايش والمحبة بين أبنائها، وبعلاقات جيدة مع القرى المجاورة، وتضم البلدة عائلات أرثوذكسية ومارونية، بينها نحو ستة منازل مارونية. ويقيم أبناء الطائفة المارونية صلواتهم في المناسبات الكبرى في كنائس كوكبا أو كنيسة السيدة، وفي عيد مار جرجس في القليعة، فيما تبقى كنيسة البلدة مفتوحة لجميع أبنائها في الأيام العادية، في مشهد يعكس روح الوحدة والتعاون. ويصف الأهالي الوضع الأمني في البلدة بالهادئ والمستقر عمومًا، فيما يؤكدون أن الغالبية تؤيد نهج الدولة، مع وجود محدود لمؤيدي الأحزاب الأخرى.


اغتراب كبير

رغم أن عدد المقيمين لا يتجاوز نحو 50 نسمة، تحتفظ أبو قمحة بجالية كبيرة في الخارج يفوق عددها 500 شخص، ولا سيما في البرازيل والولايات المتحدة وأوروبا. ويشكل هذا الاغتراب رافدًا أساسيًا للبلدة، إذ يساهم بعض أبنائها في دعمها ومساعدة أهلها، ويحافظون على صلتهم بالأرض التي غادروها منذ سنوات طويلة.

أبو قمحة، تختزن تاريخًا من الزراعة والهجرة والحروب والتعايش، وتتمسك بكنائسها وتراثها وأرضها، على أمل أن تستعيد يومًا حيوية القرى التي لا تزال تقاوم الاندثار.