الدكتور سايد حرقص

ماذا بعد تصريحات قاليباف؟

4 دقائق للقراءة

لم تكن تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن كواليس المفاوضات مع واشنطن مجرد استعراض للقوة الإيرانية، بل كشفت، من موقع رسمي إيراني رفيع، حقيقة أكثر خطورة تتعلق بنظرة النظام الإيراني للبنان.

قاليباف قال إن إيران أوقفت مفاوضاتها مع واشنطن بعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وإن طهران لوّحت بضرب إسرائيل وتوسيع نطاق المواجهة إذا ردت. كما كشف عن استمرار تواصله المباشر مع مقاتلي «حزب الله» على خطوط المواجهة، ووضع «حزب الله» ضمن الملفات التي كانت حاضرة في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

لكن الأخطر في كلام قاليباف لا يكمن فقط في ما قاله، بل في ما يعيد إلى الواجهة من سؤال قديم حول الموقع الحقيقي للبنان في المشروع الإيراني.

ففي تسجيل يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، يقول السيد حسن نصرالله: «مشروعنا هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزءاً من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه الإمام الخميني». وفي السياق نفسه، نُقل عنه تأكيده أن ولاية الفقيه ليست محصورة بحدود جغرافية، وأن مرجعيتها تمتد إلى المسلمين خارج حدود إيران.

قد يقول البعض إن هذا الكلام يعود إلى مرحلة تأسيسية مضت، وإن «حزب الله» تطوّر لاحقاً وأصبح جزءاً من النظام السياسي اللبناني. لكن هذه الأوهام التي حاول البعض تسويقها سقطت اليوم أمام تصريحات قاليباف، التي رفعت الغشاوة عن العيون وأسقطت الأقنعة التي صنعتها الدعاية السياسية والإعلام المأجور، وغذّاها جشعٌ سياسي وانعدامٌ فادح في الحسّ الوطني لدى شريحة واسعة من الطبقة الحاكمة.

لأن الفارق كبير بين أن تكون إيران حليفاً للدولة في لبنان، وبين أن يكون حزب الله جزءاً من المشروع الخميني الاسلامي، وتربط مرجعيتها السياسية والعقائدية والعسكرية بالولي الفقيه.

هنا يصبح كلام قاليباف شديد الخطورة والرمزية.

فإذا كانت ضربة في الضاحية الجنوبية تؤدي إلى وقف مفاوضات إيران مع واشنطن، وإذا كان «حزب الله» يدخل ضمن الملفات التي تفاوض عليها طهران، وإذا كان مسؤول إيراني رفيع يتحدث عن اتصالاته المباشرة مع مقاتلي الحزب على الجبهة، فإن لبنان لا يعود، دولة مستقلة. بل يصبح جزءاً من الدولة الاسلامية الكبرى التي يحكمها الولي الفقيه.

وهنا السؤال الأخطر: هل انتقل مشروع «الجمهورية الإسلامية الكبرى» من مرحلة الشعارات العقائدية إلى مرحلة الدولة الفعلية؟

وهذا تحديداً ما يجعل معركة حصر السلاح بيد الدولة أكبر من مجرد خلاف لبناني حول قضية «حصر السلاح بيد الدولة». إنها معركة على مرجعية القرار اللبناني.

من يقرر الحرب والسلم؟

من يحدد متى تُفتح الجبهة ومتى تُغلق؟

ومن يملك حق إدخال لبنان في المفاوضات ؟

إذا كانت الإجابة تأتي من طهران، فإن المشكلة لم تعد مشكلة سلاح، بل مشكلة سيادة.

والأخطر أن كلام قاليباف يعيد إحياء تصريحات السيد حسن نصرالله، ولكن في ظروف مختلفة تماماً. فما كان يُطرح في الثمانينات باعتباره مشروعاً عقائدياً مستقبلياً، يظهر اليوم، كمنظومة نفوذ عسكرية وسياسية عابرة للحدود، أصبح فيها لبنان ساحة مواجهة وورقة تفاوض في صراع دولي أكبر منه.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي طال تأجيله: هل لبنان دولة مستقلة، أم ساحة داخل مشروع إقليمي تقوده إيران؟

وبعد تصريحات قاليباف، بات السؤال الاخطر : ماذا يمثل لبنان في المشروع الإيراني؟

حليفاً؟ ورقة؟ جبهة؟ أم جزءاً من «الجمهورية الإسلامية الكبرى» التي تحدث عنها نصرالله في الثمانينات؟

فالمعركة اليوم ليست فقط على سلاح «حزب الله»، بل على لمن يعود هذا السلاح، ومن يأمر باستخدامه، ولأي مشروع تُستخدم قوته.

وهنا يقف لبنان أمام خيار لا يحتمل المزيد من التأجيل: إما دولة لبنانية تملك قرارها وحدودها وسلاحها، وإما ساحة داخل مشروع أكبر تُرسم استراتيجيته في طهران ويُدفع ثمنه الشعب اللبناني من ارواحه ودمه واقتصاده ومستقبل ابنائه.