جان مارك زغيب

إبراهيم نجّار… الرجل الذي حاور القدر وعلّمني أنّ العدالة تبدأ من الإنسان

18 دقيقة للقراءة

ثمّة أشخاصٌ نعبرهم، وثمّة أشخاصٌ يعبرون فينا. وثمّة رجالٌ لا يكتفون بأن يغيّروا مجرى حياتهم، بل يزرعون في أرواح الآخرين بذورًا لا تموت. يمرّون في العمر مرّةً، غير أنّهم يظلون مقيمين في الوجدان، كأنّ اللقاء بهم لا ينتهي بانفضاض المجلس، بل يبدأ بعده؛ حين تستحيل كلماتهم أسئلةً ترافقنا، ومواقفهم مرايا نزن بها اختياراتنا، وسيرتهم بوصلةً نعود إليها كلّما التبست علينا الطرق. 

ومنذ أن عرفت معالي الوزير، البروفيسو ر إبراهيم نجّار، لم يعد بالنسبة إليّ مجرّد رجل قانون، ولا وزيرًا سابقًا للعدل، ولا أستاذًا جامعيًا مرموقًا، بل أصبح مدرسةً كاملةً في الفكر، والأخلاق، والالتزام، والإنسانية. 

أعترف دون ترددّ أنّني لا أكتب اليوم عن شخصيةٍ عامة، بل عن رجلٍ أكنّ له إعجابًا يفوق حدود الوصف، وعن إنسانٍ أراه نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه المثقف الحقيقي؛ ذلك الذي لا يجعل العلم وسيلةً للمجد، بل طريقًا إلى خدمة الإنسان. 

ولا أستعمل هنا كلمة «القدوة» استعمالًا عابرًا أو مجاملةً تقتضيها الكتابة في سيرة شخصية بارزة؛ فأنا لا أنظر إلى إبراهيم نجّار من بعيد، كما يُنظر إلى اسمٍ لمع في السياسة أو القانون، بل أراه مثالًا حيًّا لذلك التآلف النادر بين غزارة المعرفة ونبل الضمير، بين صرامة الحقوقي ورهافة الأديب، وبين مهابة الموقع وتواضع الإنسان. إنّه من أولئك الذين لا تزداد قامتهم ارتفاعًا بما بلغوه من مناصب، بل بما حرصوا على ألّا تنتقص المناصب شيئاً من إنسانيتهم. 

حين تشرفتُ بلقائه، لم أشعر بأنّني أمام تاريخ مهني وسياسي فحسب، بل أمام حياةٍ اعتصرت التجربة حتى استخرجت منها الحكمة. كان في حديثه ما يشبه الكتب التي لا تنتهي عند آخر صفحاتها؛ هدوءٌ لا يخلو من الحزم، وثقافةٌ لا تستعرض ذاتها، وتواضعٌ لا يحتاج إلى أن يعلن نف سه. وفي لحظةٍ ما، قال لي شخصيًا عبارةً ما زالت ترنّ في داخلي، كأنّها لم تقُلَ في لقاءٍ عابر، بل أوُدعت في روحي أمانةً للمستقبل: 

"اعرف نفسك، وستعرف العالم."  

يومها، لم أشعر أنّه أجاب عن سؤالٍ طرحته، بل شعرت أنّه وضع في يدي مفتاحًا لبابٍ سأمضي العمر كلّه في محاولة فتحه. 

كانت كلماتٍ قليلة، غير أنّها انفتحت في داخلي على آفاقٍ لا تنتهي. فهمت منها أنّ الإنسان لا يبدأ اكتشاف العالم من اتساع الجغرافيا، بل من أعماق ذاته؛ وأنّ من يجهل نفسه قد يحفظ أسماء البلدان والشرائع والفلاسفة، ويبقى غريبًا عن جوهر الوجود. 

أمّا من ينزل إلى أغوار نفسه، ويتصالح مع نقائصه، ويسائل دوافعه، ويهذبّ ضميره، فإنّه يصبح أقدر على فهم الآخرين، وأكثر رحمةً بأخطائهم، وأشدّ بصيرةً بتعقيدات الحياة. 

ومنذ ذلك اللقاء، لم تعد العبارة عندي حكمةً ترُددَّ، بل صارت منهاجًا للنظر، وسؤالًا يتجدد كلّما وقفت أمام خيارٍ أو مفترق. 

ولعلّها تختصر، في جوهرها، مسيرة إبراهيم نجّار نفسها: رجلٌ عرف ذاته، ففهم العالم، وعرف الإنسان، فجعل الدفاع عنه لبّ رسالته. 

 "الخيار والقدر"… حين يكتب الإنسان نفسه 

حين قرأتُ كتابه "الخيار والقدر"، لم أشعر أنّني أطالع سيرة ذاتية، بل شعرت أنّني أرافق إنسانًا يعيد بناء ذاته أمام القارئ بكل صدقٍ ونبل. كتابٌ لا يتحدثّ عن النجاحات بقدر ما يتحدثّ عن الرحلة التي صنعتها، ولا عن الأقدار التي استسلم لها صاحبها، بل عن الخيارات التي واجه بها القدر، حتى بدا لي أنّ الإنسان يستطيع أن يحاور مصيره بدل أن يخضع له. 

فالقدر قد يكتب السطر الأول، لكنّه لا يملك القلم كلّه؛ يبقى للإنسان أن يختار بأيّ حبرٍ يكتب بقيةّ الحكاية. 

ليس «الخيار والقدر» سجلاًّ متعاقبًا للتواريخ والمناصب، ولا منصّةً يستعرض فوقها صاحبها ما حقّقه من إنجازات. إنهّ مساءلةٌ عميقة للعلاقة الملتبسة بين حريتنا وما يفُرَض علينا، بين ما نرثه من الحياة وما نصنعه منها، بين الأبواب التي يفتحها القدر وتلك التي لا ت فُتح إلا بإصرار الإرادة. 

وفي الكتاب لا يظهر إبراهيم نجّار رجلاً اكتملت صورته منذ البداية، بل إنسانًا يتشكّل عبر التجربة؛ يهدم في داخله ليبني، ويتعثر ليتبصّر، ويخسر أحيانًا كي يكتشف أنّ بعض الخسارات ليست سوى معرفةٍ تأخرت في الوصول. إنّه يكتب عن ذاته دون أن يحبسها في مرآة الأنا، فيغدو الحديث عن حياته حديثاً عن كلّ إنسانٍ وجد نفسه يومًا ممزقًا بين ما اختاره وما اختاره القدر له. 

وكلّما تعمّقت في حياته، ازددت اقتناعًا بأنّ الرجال العظام لا يولدون عظماء، بل تصنعهم الجراح. 

فالعظمة ليست هبةً مكتملةً تهبط على الإنسان عند ولادته، بل بناءٌ شاقّ تشترك في تشييده الخيبات والغيابات والكتب والمواقف. 

وقد يُمنح الإنسان حياةً سهلةً فلا يصير شيئاً، وقد يُلقى في أول الطريق أمام امتحاناتٍ قاسية، فيصوغ من قسوتها شخصيةً لا تكسرها العواصف. 

الطفل الذي كبر في عينيه الحزن

فهذا الطفل الذي يصفه المقرّبون بأنّه كان يحمل في عينيه حزنًا مبكرًا، لم يعرف والده معرفةً حقيقية إلا في الثالثة عشرة من عمره، بعدما ربّاه جدّاه من آل يزبك في طرابلس، في بيتٍ غمره الحنان، لكنّه لم يستطع أن يملأ فراغ الأب. وهناك، في ذلك البيت، بدأت تتكوّن شخصيته؛ بين الكتب، والانضباط، والأسئلة الكبرى التي ترافق الأطفال الذين يكبرون قبل أوانهم. 

كان واحدًا من أولئك الأطفال الذين لا تفصح ملامحهم البريئة عمّا يعتمل وراءها من أسئلة. في العينين حزنٌ صامت، وفي القلب فراغٌ لا يملؤه مهما عظم حنان المحيطين، لأنّ بعض الغيابات لا تعوّضها كثرة الحضور، وبعض الأسئلة تظلّ جاثمةً في النفس حتى يجد الإنسان بنفسه اللغة التي يصوغ بها جوابها. 

ثمّة أطفالٌ تمنحهم الحياة ألعابًا، وثمّة أطفالٌ تمنحهم أسئلةً أكبر من أعمارهم؛ فيكبرون لا لأنّ السنوات مرّت، بل لأنّ الحزن علّمهم باكرًا ثقل الوجود. 

وفي بيت الجدّين في طرابلس، داخل حضن عائلي من آل يزبك، وجد المحبة والرعاية والجذور، لكنّه عرف أيضًا أنّ الحنان لا يلغي أثر الفقد، بل يمنحنا القوة كي نحمله دون أن نسقط. وربما كان ذلك الحزن المبكر واحدًًا من الينابيع الخفية لحساسيته الإنسانية؛ فمن عرف معنى الفراغ، لا يستخفّ بآلام الآخرين، ومن اختبر قسوة الغياب، يصبح أشدّ إيمانًا بوجوب حماية الإنسان من كلّ ما يسلبه كرامته. 

ثم جاءت سنوات المدرسة الداخلية، حيث تعلمّ أن يبني نفسه بنفسه، وأن يجعل من الوحدة رفيقًا، ومن القراءة وطنًا. لم يكن يكتفي بالمناهج الدراسية، بل كان يلتهم الفكر كما يلتهم العطشان الماء؛ يقرأ جان بول سارتر، ويغوص في الفلسفة، ويجد في الأدب مساحةً لفهم الإنسان قبل أن يدرسه في القانون. 

كانت الكتب تعيد إليه ما سلبه الغياب؛ تمنحه آباءً من الفكر، وأوطانًا من الكلمات، ونوافذ تطلّ على حياةٍ أرحب من جدران الوحدة. 

لم تكن وحدته خواءً، بل مختبرًا داخليًا لصناعة الذات. ولم تكن القراءة عنده هربًا من الحياة، بل عودةً إليها من أبوابٍ أوسع. 

ففي الكتب اكتشف أنّ آلام الفرد ليست معزولةً عن أسئلة البشرية الكبرى، وأنّ الإنسان لم يخُلق ليكون نتاجًا صامتاً لظروفه، بل كائنًا قاد رًا على منح تجربته معنى. 

سارتر: الإنسان الذي يصنع ذاته 

هناك التقى بفكر جان بول سارتر، لا بوصفه اسمًا في تاريخ الفلسفة فحسب، بل بوصفه صوتاً يحمّل الإنسان مسؤولية وجوده. 

ولعلّ عبارة سارتر: 

 "الإنسان ليس إلا ما يصنعه بنفسه" L’homme n’est rien d’autre que ce qu’il se fait.

تكاد تكون مفتاحًا فلسفيًا لفهم مسيرة إبراهيم نجّار. 

فالإنسان لا يخُتصر في طفولته، ولا يحُكم عليه بما ألمّ به من حرمان، ولا يُعرَّف بما فُرض عليه قبل أن يمتلك حقّ الاختيار. 

إنّه، في الفكر الوجودي، مشروعٌ مفتوح، لا تسبقه ماهيةٌ جاهزة ترسم له حدوده، بل يصنع نفسه بفعل ما يختار، وما يرفض، وما يتحمل مسؤوليته. 

وهنا تستحضر الذاكرة ذلك المعنى المتصل بالولادة والتكوّن: إنني أولد، ثم أصير بما أفعله من نفسي. فالولادة ليست اكتمال الإنسان، بل بدايته البيولوجية فحسب؛ أمّا ولادته الحقيقية فتتكرر مع كلّ موقفٍ يختار فيه الخير على المصلحة، والحقّ على الصمت، والرحمة على الانتقام. 

ولعلّ «الخيار والقدر» ليس إلا الحوار الطويل بين هاتين القوتين: قدرٌ يمنح الإنسان مادته الأولى، وخيارٌ يصوغ منها صورته الأخيرة. فالقدر يضعنا في أول الطريق، غير أنّ اختياراتنا هي التي تحدد كيف نصل، ومن نكون حين نصل. 

من الفقه إلى العدالة 

ولم يكن القانون بالنسبة إليه نصوصًا جامدةً أو موادَّ تشريعية، بل كان منذ البداية بحثاً دائمًا عن العدالة. لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح لاحقًا من أبرز فقهاء القانون في لبنان والعالم الفرنكوفوني، وأن يُسهم في مؤلفات قانونية مرجعية، وأن يُعرف حتى بين زملائه بخفة روحه، وروحه الساخرة الراقية، التي كانت تجعل من أكثر النقاشات القانونية صرامةً لحظاتٍ إنسانيةً نابضة. 

فبين القانون والعدالة مسافةٌ لا يجتازها إلا الضمير. فالنصّ قد يعرف الجريمة، لكنّ الضمير وحده يعرف الإنسان الذي ارتكبها؛ والنصّ قد يحدّد العقوبة، أمّا العدالة فتسأل عمّا يبقى من الإنسان بعدها. قد يحفظ المرء النصوص، ويتقن الاجتهاد ،

ويبرع في تفسير المواد، ويبقى بعيدًا عن روح القانون؛ لأنّ العدالة ليست تراكمًا للمعارف وحدها، بل قدرةٌ على رؤية الإنسان الذي يقف خلف الملف، والجرح الذي يختبئ خلف الوقائع، والمصير الذي قد تغيّره كلمةٌ أو حكم. 

وقد جمع إبراهيم نجّار بين صرامة الفقيه ورحابة المثقف؛ بين الدقة التي لا تتسامح مع الالتباس، والخيال الذي يمنع القانون من التحول إلى آلةٍ عمياء. لم يكن علمه حائطًا يفصله عن الناس، بل نافذةً يقترب بها من تعقيداتهم. وكانت دعابته الراقية، حتى في أشدّ النقاشات جدية، دليلاً على أنّ الفكر العميق لا يحتاج إلى العبوس، وأنّ العالم الحقيقي لا يخسر إنسانيته حين يدخل قاعات البحث أو المحاكم. 

غير أنّ أكثر ما يأسرني فيه هو أنّه لم يسمح للقانون أن يُطفئ إنسانيته. 

بل فعل العكس: جعل من القانون وسيلةً للدفاع عنها. فلم تكن المعرفة القانونية عنده امتيازًا شخصيًا، بل تكليفًا أخلاقيًا، ولم يكن المنصب غايةً، بل فرصةً لوضع السلطة في خدمة المبدأ. فالحقوقي الذي لا يرى في كلّ إنسان كرامةً أصيلة، قد يعرف القانون، لكنه لا يعرف العدالة. 

عقوبة الإعدام: حين يحاكم الضميرُ العدالة  

فعندما حمل قضية إلغاء عقوبة الإعدام، لم يحملها بوصفها شعارًا سياسيًا، بل باعتبارها قضية ضمير. آمن أنّ العدالة لا تبُنى فوق المقاصل، وأنّ الدولة التي تنتصر للإنسان هي وحدها الدولة التي تستحق احترام الإنسان. ولهذا كرّس جزءًا كبيرًا من حياته داخل الهيئات الدولية، مدافعًا عن حقّ الحياة، وعن فكرةٍ بسيطة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها: أنّ الخطأ القضائي قد يقتل بريئاً، أمّا الرحمة فلا تقتل أحدًا. 

في هذه القضية يتجلى إبراهيم نجّار بأصفى صوره: فقيهًا لا يسمح للنص أن يطغى على الروح، ورجل دولةٍ لا يرى في قوة الدولة تفويضًا بالقتل، وإنسانًا يرفض أن تتحول العدالة إلى صورةٍ أخرى من صور الانتقام. 

إنّ النضال ضد عقوبة الإعدام لا يعني إنكار فداحة الجريمة، ولا الاستهانة بأوجاع الضحايا، ولا الدعوة إلى إسقاط المسؤولية عن المجرم. إنّه يعني، قبل كلّ شيء، رفض أن تتشبه الدولة بالفعل الذي تدينه؛ وأن تتحول العقوبة من حماية المجتمع إلى تكرارٍ رسمي للموت. فالعدالة لا تقاس بمدى قدرتها على الإيلام، بل بقدرتها على حماية المجتمع من دون أن تفقد روحها. 

وإذا كان السجن، مهما طال، يترك بابًا ضيقًا لتصحيح الخطأ أو مراجعة الحكم، فإنّ الإعدام يغلق كلّ الأبواب. إنهّ حكمٌ لا يقبل التراجع، حتى لو ظهرت الحقيقة بعد فوات الأوان؛ لذلك يصبح الخطأ فيه جريمةً ترتكب باسم العدالة نفسها. وقد يحمل القاضي شكوكه إلى منزله، ويعيد القانون النظر في أحكامه، وتتبدل الشهادات والقرائن، إلا أنّ من أعُدم لا يعود كي يستردّ حقّه في الحياة. 

لهذا لم تكن معركة إبراهيم نجّار ضد الإعدام دفاعًا عن الجريمة، بل دفاعًا عن العدالة من أن تخون جوهرها، وعن الدولة من أن تجعل القتل جزءًا من لغتها، وعن الإنسان من أن يصبح مصيره نهائيًا في عالمٍ لا تخلو أحكامه من النقص. 

لقد علّمني إبراهيم نجّار أنّ القاضي الحقيقي لا يصدر الأحكام على البشر فحسب، بل يحاكم ضميره أولًا . 

يحاكم دوافعه، وغضبه، وأحكامه المسبقة، والضغط الذي تمارسه عليه الجماعة، ويسأل نفسه قبل النطق بالحكم: هل انتصرتُ للحق، أم استجبتُ للرغبة في الانتقام؟ هل حميت المجتمع، أم أرضيت غضبه؟ وهل بقي الإنسان إنسانًا في عينيّ، حتى حين ارتكب ما يناقض الإنسانية؟ 

هنا تبلغ العدالة نضجها الأخلاقي؛ حين تظلّ قادرةً على رؤية كرامة الإنسان في أحلك اللحظات، لا لأنهّ بريء بالضرورة، بل لأنّ كرامته ليست جائزةً تمُنح للأخيار وتسُحب من المذنبين. فالحقّ في الحياة لا تكون له قيمةٌ كونية إن اقتصر على الذين نحبهم أو نتفق معهم. 

لبنان… البيت الروحي والقدر الدائم إبراهيم نجّار… الرجل الذي حاور القدر وعلمّني أنّ العدالة تبدأ من الإنسان

وفي حياته جانبٌ آخر لا يقلّ جمالًا؛ حبه العميق للبنان. لم يكن لبنان بالنسبة إليه مجرد بقعةٍ على الخريطة، بل كان ذاكرةً حيةّ، وبيتاً روحيًا، ورسالةً ثقافية. لذلك ظلّ، أينما حلّ، يحمل وطنه في لغته، وفي كتبه، وفي مرافعاته، وفي محاضراته، وفي كلّ ما كتب وفكّر. 

كان لبنان في داخله وطنًا ووصيّة؛ أرضًا يسكنها، وفكرةً تسكنه، وجرحًا كلّما اتسّع ازداد تمسّكًا بعلاجه. 

ليس حبّ الوطن عنده انفعالًا خطابيًا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل التزامٌ يوميّ تجاه صورته الممكنة. إنهّ لبنان القانون لا الاستنساب، ولبنان الثقافة لا الجهل، ولبنان التعدد الذي يغني الإنسان ولا يمزقه، ولبنان الذي لا يكون وطنًا مكتملاً إلا حين يشعر أضعف أبنائه أنّ كرامته مصونة. 

لقد حمل لبنان لا كما يحمل المرء هويةً رسمية، بل كما يحمل جرحًا عزيزًا يخشى عليه من الاتساع. حمله في اللغة الفرنسية كما في العربية، في الفقه كما في الأدب، في العمل العام كما في التأمل الشخصي. وكان الوطن في تجربته قدرًا لا مهرب منه، لكنه كان أيضًا خيارًا يتجدد: أن يبقى وفيًا له، وأن يدافع عن مؤسساته، وأن يرفض اختزاله في أزماته. 

فالوطن ليس الأرض وحدها، بل القيم التي تجعل الأرض جديرةً بأن تسُمّى وطنًا. وما معنى لبنان إن لم يكن مساحةً للحرية والمعرفة والحوار؟ وما معنى القانون فيه إن لم يحمِ هذا التنوع من التحول إلى صراع؟ وما قيمة الدولة إن لم تجعل الإنسان غايتها الأولى؟ 

خيطٌ واحد يجمع المسيرة 

وعندما أتأمل سيرته، أجد خيطًا واحدًا يجمع كل مراحلها: الطفل الحزين، والطالب النهم، والأستاذ، والمحامي، والوزير، والمفكر، والمناضل ضد الإعدام… ذلك الخيط هو الإيمان بأنّ الإنسان يستطيع أن يسمو على جراحه، وأن يحوّل القدر إلى خيار، والاختبار إلى رسالة. 

فالطفل الذي عرف الغياب، لم يجعل من الغياب حجةً للانكسار. والطالب الذي وجد في القراءة وطنًا، لم يحتفظ بثقافته لنفسه، بل حوّلها إلى تعليمٍ وإنتاجٍ وعطاء. والفقيه الذي تعمّق في النصوص، لم ينسَ الإنسان الكامن وراءها. والوزير الذي عرف السلطة، لم يجعلها ميزانًا لقيمته. والمناضل ضد الإعدام لم يكتفِ بموقفٍ نظري، بل جعل من الدفاع عن الحياة التزامًا يتجاوز الحدود. 

إنّ وحدة هذه المسيرة ليست في المناصب المتعاقبة، بل في وفائها لمركز أخلاقي واحد: الإنسان. فالطفولة، والفلسفة، والقانون، والسياسة، والكتابة، والنضال؛ كلّها دوائر تلتقي عند السؤال نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يظلّ إنسانًا في عالمٍ يدفعه باستمرار إلى القسوة والنسيان؟ 

رجلٌ غيرّ في داخلي معنى القدوة 

لهذا، فإنّ إعجابي بإبراهيم نجّار ليس إعجابًا بشخصيةٍ ناجحة فحسب، بل هو امتنانٌ لرجلٍ جعلني أؤمن بأنّ الثقافة يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأنّ الكتاب قد يغيّر مصير قارئه، وأنّ القانون، حين يسكنه الضمير، يصبح شعرًا مكتوبًا بلغة العدالة. 

لقد جعلني أرى أنّ الثقافة لا تقُاس بعدد الكتب التي قرأناها، بل بمقدار ما غيّرته تلك الكتب في نظرتنا إلى البشر. وأنّ المعرفة التي لا تجعل صاحبها أكثر تواضعًا ورحمةً قد تكون تكديسًا للمعلومات، لكنها ليست حكمة. وأنّ أعظم انتصارٍ للمثقف ليس أن يُبهر سامعيه، بل أن يوقظ فيهم الرغبة في التفكير، وفي مراجعة ذواتهم، وفي السعي إلى ما هو أعدل وأسمى. 

وإذا كنت أعُجب به إلى حدّ يكاد يبلغ الإدهاش، فلأنني لم أجد فيه نجاحًا خارجيًا فحسب، بل انسجامًا داخليًا بين ما يقول وما يمثل. فالقدوة الحقيقية ليست من يطلب من الناس أن يتبعوه، بل من يجعلهم، بمجرد الاقتراب منه، راغبين في أن يصبحوا أفضل. 

بعض العظماء يجعلونك تشعر بصغرك، أمّا العظماء حقًا فيجعلونك تؤمن بما يمكن أن تكبر إليه. 

لقد قرأتُ «الخيار والقدر»، فوجدت نفسي أقرأ حياتي المحتملة بين سطوره. وتشرفت بلقائه، فخرجت من اللقاء وفي داخلي أسئلةٌ أكثر، لكنني خرجت أيضًا بإيمانٍ أعمق بأنّ المستقبل لا يُمنح للإنسان جاهزًا، بل يبنيه بما يتخذه من خيارات. وسمعته يقول لي :اعرف نفسك، وستعرف العالم، فأدركت أنّ بداية كلّ رسالةٍ عظيمة ليست معرفة الآخر، بل صدق المرء مع نفسه. 

ولعلّ أجمل ما علّمني إيّاه، من خلال حياته وكتابه ونضاله، أنّ الإنسان لا ينتصر على قدره بإلغائه، فهذا مستحيل، بل بأن يمنحه معنى. نحن لا نختار كلّ ما يحدث لنا، لكننا نختار ما نصنعه ممّا يحدث. لا نختار جراحنا كلّها، لكننا نستطيع أن نختار: 

هل نحولها إلى قسوةٍ جديدة، أم إلى رحمٍةٍ تفهم جراح الآخرين؟  

وهنا، يعود سارتر ليضيء المعنى: 

» الإنسان ليس إلا ما يصنعه بنفسه »  

ويعود إبراهيم نجّار ليمنح العبارة وجهها الأخلاقي: ليس المهم أن تصنع ذاتك وحسب، بل أن تصنعها على نحوٍ يجعل العالم، بوجودك، أكثر عدلًا وإنسانية. 

ما يبقى حين تزول الألقاب 

وسيأتي يومٌ تطُوى فيه المناصب، وتنُسى الألقاب، وتغُلق الملفات، لكنّ الرجال الذين جعلوا من الرحمة فلسفة، ومن العدالة رسالة، ومن الفكر نورًا، يبقون خالدين؛ لأنّ التاريخ لا يخلدّ أصحاب السلطة، بل يخلدّ أولئك الذين جعلوا الإنسان أغلى من السلطة نفسها. 

فالمنصب عابر، ولو طال. والسلطة ظلٌّ يتبدل بتبدل الأزمنة. والصور التي تتصدر الصحف لا تلبث أن تصفرّ حوافها، والملفات التي شغلت الناس تغُلق، والخطب التي ملأت القاعات تتلاشى أصداؤها. غير أنّ كلمةً صادقة قيلت لشاب، أو كتابًا فتح في قلب قارئ نافذةً، أو موقفًا دافع عن حياة إنسان، قد يبقى أطول من كلّ المؤسسات والمناصب. 

وإبراهيم نجّار، في نظري، واحدٌ من هؤلاء الرجال الذين لا تلُخّصهم السيرة المهنية، لأنّ أثرهم الحقيقي يقع خارج حدودها؛ في عقل طالبٍ أعاد التفكير في معنى العدالة، وفي قلب قارئٍ وجد في «الخيار والقدر» شجاعةً لمواجهة حياته، وفي ضمير مجتمعٍ تعلمّ أنّ الرحمة لا تناقض القانون، بل تمنحه معناه الأسمى. 

أنا لا أكتب عنه لأنني أريد أن أضيف مديحًا جديدًا إلى ما قيل فيه، بل لأنّ بعض الامتنان يحتاج إلى أن يتحول كتابةً. ولأنّ الإنسان حين يجد قدوةً فكريةً وأخلاقية، يصبح الصمت عن أثرها نوعًا من الجحود. أكتب لأنّ لقاءه لم يكن واقعةً انقضت، بل بدايةً داخلية؛ ولأنّ كتابه لم يكن صفحاتٍ قرأتها وأغلقتها، بل مرآةً ما زلت أعود إليها كلّما أردت أن أوازن بين ما فُرض عليّ وما أختار أن أكونه. 

لقد علّمني أنّ العدالة تبدأ من الإنسان، لكنّه علّمني أيضًا أنّ الإنسان يبدأ من معرفة نفسه؛ فمن لم يعرف نفسه قد يجعل القانون ستارًا لغضبه، والسلطة تعويضًا عن نقصه، والثقافة زينةً لكبريائه. أمّا من عرفها حقًا، فإنه لا يعود محتاجًا إلى إهانة غيره كي يثبت ذاته، ولا إلى الانتقام كي يشعر بالقوة، ولا إلى الضجيج كي يُسمَع صوته. 

وهكذا يلتقي في إبراهيم نجّار الخيار بالقدر، والقانون بالفلسفة، والوطن بالإنسان، والماضي بالمستقبل. ليست حياته انتصارًا نهائيًا للإرادة على القدر، بل حوارًا نبيلاً بينهما؛ حوارًا يقول إنّ ما يصيبنا يشارك في تكويننا، لكنه لا يملك وحده حقّ تعريفنا. 

فنحن لسنا أبناء ما أصابنا وحده، بل أبناء المعنى الذي استطعنا أن ننتزعه ممّا أصابنا. 

فقد يولد الإنسان وفي عينيه حزنٌ مبكر، وقد يضعه القدر أمام غيابٍ لا يفهمه، ووطنٍ مثقلٍ بالانكسارات، وعالمٍ يخلط العدالة بالانتقام؛ غير أنّه يستطيع، بخياراته، أن يحوّل الحزن بصيرةً، والغياب حضورًا، والعلم رسالةً، والقانون رحمةً. وحين يفعل ذلك، لا يعود مجرّد إنسانٍ عبر العالم، بل يصبح عالمًا يعبر في الآخرين، ويترك فيهم نورًا لا تطفئه السنون. 

ذلك هو إبراهيم نجّار كما عرفته وقرأته وأحببت فكره: رجلٌ لم يكتفِ بأن يعرف العالم، بل عرف نفسه؛ ولم يكتفِ بأن يفسّر القانون، بل ردّه إلى ضميره؛ ولم يكتفِ بأن يواجه القدر، بل صنع من خياراته قدرًا آخر… قدرًا اسمه الإنسان.