المحامي رفيق اورى غريزي

القاضية التي لا تملك مصرفاً

كيف قرّرت واشنطن أن تُحاكم قضاة لاهاي، وماذا تريد فعلاً من المحكمة الجنائية الدولية؟

9 دقائق للقراءة

في الثامن عشر من آب 2026، استفاقت امرأة يابانية في السبعين من عمرها على خبرٍ لم يخطر لها وهي تدخل سلك القضاء قبل أربعة عقود: اسمها صار مُدرجاً على لائحة وزارة الخزانة الأميركية للرعايا المصنّفين خصيصاً. اسمها توموكو أكاني، وهي رئيسة المحكمة الجنائية الدولية منذ آذار 2024، ومعها أُدرج محامي الادعاء الأول السنغالي عبد الله سي. موسكو كانت قد أصدرت في حقّها مذكرة توقيف بعد ملف بوتين، وواشنطن أغلقت في وجهها اليوم النظام المالي العالمي. بين المذكرة الروسية والعقوبة الأميركية، تجلس قاضية تتلقّى بيانات تضامنٍ من بروكسل وطوكيو ولاهاي، ولا يفتح لها أيٌّ منها حساباً مصرفياً واحداً. في هذه الصورة وحدها، لا في نصوص المواد، يختصر النزاع الأميركي مع محكمة لاهاي كلّه.

والمفارقة أنّ من يخنق المحكمة اليوم هو من أنجبها بالأمس. ففي قاعة باردة في نورمبرغ سنة 1945، وقف المدّعي العام الأميركي روبرت جاكسون، قاضي المحكمة العليا الذي أخذ إجازةً من منصبه، ليؤسّس باسم بلاده فكرةً كانت يومها ثورية: أنّ الفرد، لا الدولة وحدها، يمكن أن يُساءل جنائياً أمام محكمةٍ دولية. لكنّ جاكسون كان يتكلّم عن عدالةٍ مقيّدة بالسيادة: محكمة أنشأتها دولٌ بالاتفاق، على أفرادٍ من دولةٍ استسلمت استسلاماً غير مشروط، أي رضيت بالخضوع. لم يخطر له يوماً أنّ فكرته ستُمَدّ بعد نصف قرن إلى مواطني دولٍ لم توقّع ولم تصادق ولم ترضَ. من هذه النقطة بالذات، لا من غزّة، يبدأ النزاع.

في السابع عشر من تموز 1998، اعتُمد نظام روما الأساسي بمئة وعشرين صوتاً مقابل سبعة وامتناع واحد وعشرين. صوّتت الولايات المتحدة ضدّه، وهي التي كانت تموّل وتقود محكمتَي يوغوسلافيا ورواندا. لم يكن الاعتراض على محاسبة مجرمي الحرب، بل على مادةٍ واحدة تقريباً: المادة 12 التي منحت المحكمة اختصاصاً على الجرائم المرتكبة على إقليم دولةٍ طرف، أياً تكن جنسية مرتكبها. بهذه المادة انتقل المشروع من محكمةٍ تعاقدية إلى محكمةٍ شبه عالمية، وخرج من عباءة مجلس الأمن حيث تملك واشنطن حقّ النقض. وقّع بيل كلينتون النظام في يومه الأخير من سنة 2000، لكنه أرفق التوقيع بنصيحةٍ لخلفه بألاّ يعرضه على مجلس الشيوخ. وفي أيار 2002 سحب جون بولتون التوقيع في سابقةٍ نادرة، وأقرّ الكونغرس قانون حماية أفراد الخدمة الأميركيين الذي سُمّي إعلامياً "قانون غزو لاهاي"، ووقّعت واشنطن نحو مئة اتفاقية حصانة ثنائية استناداً إلى المادة 98 من النظام نفسه. أي أنّها، منذ اليوم الأول، لم تخرج على القانون بل استعملت مفاصله.

ثم جاءت سنوات التعايش. امتنعت واشنطن عن الاعتراض على إحالة دارفور سنة 2005، وصوّتت مع إحالة ليبيا سنة 2011. وحين أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين في آذار 2023، رحّبت واشنطن وشاركت بأدلة، رغم أنّ روسيا ليست طرفاً في النظام. الدرس واضح: المحكمة كانت مقبولة أميركياً ما دامت تلاحق الخصوم والضعفاء. وحين اقتربت من الحلفاء انقلبت المعادلة. في تشرين الثاني 2024 صدرت مذكرتا التوقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق، وإسرائيل تنفي التهم جملةً وتطعن في الاختصاص من أساسه. وفي السادس من شباط 2025 وقّع دونالد ترامب الأمر التنفيذي 14203، فتوالت الموجات: كريم خان، ثم أربعة قضاة في حزيران، ثم نائبا المدّعي العام وقاضيان في آب، ثم قاضيان في كانون الأول، حتى وصل الدور إلى رئيسة المحكمة نفسها.

ومن واجب المحامي أن يقرأ مرافعة الخصم في أقوى صورها، لا في أضعفها. والمرافعة الأميركية أمتن مما يُعترف به في إعلامنا. تنصّ المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أنّ المعاهدة لا تُنشئ التزامات لدولةٍ ثالثة من دون رضاها. تردّ المحكمة بنظرية تفويض الاختصاص الإقليمي: الدولة الطرف تفوّض ما تملكه على إقليمها. لكنّ الردّ المضاد قاسٍ ودقيق: لا أحد يفوّض ما لا يملك. فاتفاقات أوسلو لم تمنح السلطة الفلسطينية ولايةً جزائية على الإسرائيليين، فكيف تفوّض ما لا تحوزه؟ أضف مسألة الحصانة: أرست محكمة العدل الدولية في قضية مذكرة التوقيف سنة 2002 حصانةً شخصية لكبار مسؤولي الدول، وتردّ المحكمة الجنائية بالمادة 27 التي تُسقط الصفة الرسمية. لكنّ المادة 27 التزامٌ تعاقدي ارتضته الدول الأطراف في ما بينها، فبأيّ منطق يُحتجّ به على من لم يرتضِه؟ وماذا يبقى للمادة 98 من معنى إن ابتلعتها المادة 27؟ ثم مبدأ التكامل الذي يجعل المحكمة ملاذاً أخيراً لا أول، وقد طُبّق شكلياً لا موضوعياً في مواجهة دولتين تملكان قضاءً عاملاً. وأخيراً السجلّ نفسه: أكثر من ملياري دولار أُنفقت منذ 2002 مقابل إدانات نهائية تُعدّ على الأصابع، وغالبية ساحقة من المتهمين أفارقة، حتى أنّ فنزويلا بنت انسحابها في تموز 2026 على "التحيّز الجغرافي المثبت". أما الضربة الأقسى فلم تأتِ من واشنطن بل من الداخل: في الرابع والعشرين من تموز 2026 صوّتت جمعية الدول الأطراف بـ82 صوتاً مقابل 13 وامتناع 15 على عزل المدّعي العام كريم خان، وسط اعتراض فريق دفاعه بأنّ هيئةً قضائية كانت قد خلصت بالإجماع إلى أنّ التحقيق الأممي لم يثبت سوء سلوك. مهما كان تفسيرك للواقعة، فالنتيجة واحدة: مؤسسةٌ تدّعي محاسبة رؤساء الدول عجزت عن إدارة أزمتها الداخلية بنزاهةٍ إجرائية مقنعة.

وهنا لا بدّ من إزالة التباسٍ يتكرّر في الإعلام العربي كلّما ذُكرت لاهاي. فالقاضي اللبناني نواف سلام، الذي يُستحضر اسمه دائماً في هذا السياق، لم يكن يوماً في المحكمة الجنائية الدولية. هو قاضٍ في محكمة العدل الدولية منذ 2018، وانتُخب رئيساً لها في شباط 2024، وترأس الهيئة التي أصدرت في التاسع عشر من تموز 2024 الرأي الاستشاري القاضي بأنّ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب أن ينتهي بأسرع وقت، قبل أن يغادر لاهاي مطلع 2025 إلى رئاسة الحكومة اللبنانية. محكمتان في المدينة نفسها، والفارق بينهما هو جوهر النزاع كلّه: محكمة العدل تفصل في منازعات بين دولٍ رضيت باختصاصها وتصدر أحكاماً وآراء لا مذكرات توقيف، بينما المحكمة الجنائية تلاحق أفراداً وتأمر بتوقيفهم. ولذلك لم تفرض واشنطن عقوبةً واحدة على سلام أو على زملائه رغم قسوة رأيهم على حليفتها. وهذا وحده يكشف أنّ الاعتراض الأميركي ليس رفضاً أعمى للقضاء الدولي، بل رفضٌ محدّد للولاية الجزائية على أفرادٍ من دولٍ لم ترضَ بها.

أما الأداة، فهي عبقرية في بساطتها. لم تهاجم واشنطن المحكمة كمؤسسة، بل حاصرت البنية التي تجعل عملها ممكناً. الأمر التنفيذي لا يجمّد أموالاً فحسب، بل يهدّد كلّ من "قدّم مساعدة مادية أو مالية أو خدمات". وحين يكون الدولار عملة التسوية العالمية، يجد أيّ مصرف هولندي نفسه أمام خيارٍ بديهي بين قاضٍ وبين نفاذه إلى النظام المالي الأميركي. لا أحد يتردّد. لهذا سُمّيت هذه العقوبات في أدبيات لاهاي "عقوبة الإعدام المالية": لا حاجة إلى غزو لاهاي حين يكفي إغلاق حساب.

جاءت الردود متوقّعة في نبرتها. وصفت المحكمة العقوبات بأنها اعتداء صارخ على استقلال القضاء، وأعلنت أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا وقوفهما الحازم إلى جانب أكاني، وقالت طوكيو إنّ معاقبة مواطنتها أمرٌ مؤسف جداً، واستاءت هولندا الدولة المضيفة، واستلهمت برلين من تاريخها هي درساً في وجوب دعم العدالة الدولية. وطالبت سلوفينيا ثم إسبانيا بتفعيل نظام الحصار المضاد، أي اللائحة الأوروبية 2271/96 التي تحظر على المتعاملين الأوروبيين الامتثال للعقوبات الأجنبية خارج الحدود. ومبرّراتها وجيهة: القاضي الذي يخشى على حسابه ليس قاضياً، والعقوبات العابرة للحدود مساسٌ بالسيادة القانونية الأوروبية، والمحكمة نفسها إنجازٌ أوروبي.

غير أنّ الهوّة بين الخطاب الأوروبي والممارسة الأوروبية سحيقة. فبعد مذكرة نتنياهو، أعلنت باريس أنّ الحصانة قد تسري على مسؤولي دولةٍ غير طرف، أي تبنّت مضمون الحجّة الأميركية ذاتها. وسحبت المجر عضويتها أثناء استضافتها نتنياهو في نيسان 2025، وأعادت إيطاليا مطلوباً ليبياً إلى بلاده بدل تسليمه. أما نظام الحصار المضاد فلم يُفعَّل حتى اللحظة، لأنّ الجميع في بروكسل يعرف أنّ إجبار مصرفٍ هولندي على مخالفة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حكمٌ بإعدامه. فماذا تبقّى؟ بيانات على منصة إكس. وهذا ليس فشلاً أوروبياً فحسب، بل تأكيدٌ للأطروحة الأميركية: العدالة الدولية بلا قوةٍ تسندها فكرةٌ معلّقة في الفراغ.

ولن تكون هذه القراءة أمينة إن لم تُقل الحجّة المقابلة في أقوى صورها. ثمّة فرقٌ نوعي بين أن ترفض الاختصاص وبين أن تعاقب القاضي على حكمه؛ الأول دفاعٌ عن السيادة، والثاني ترهيب. والسابقة خطرة، إذ تمنح موسكو ذخيرةً أخلاقية مجانية بعدما أصدرت هي الأخرى مذكرات بحق مسؤولي المحكمة. والازدواجية موثّقة: مذكرة بوتين مباركة ومذكرة نتنياهو موجبة للعقوبات، والأساس القانوني للاثنتين واحد. حتى داخل الولايات المتحدة، رفعت أربع منظمات حقوقية دعوى ضد الرئيس ترامب في نيويورك في آب 2026 معتبرةً أنّ هذه العقوبات تحرم ضحايا جرائم الحرب من سبيلٍ إلى العدالة. اعتراضاتٌ جدّية كلّها، لكنها تدافع عمّا ينبغي أن يكون، بينما تصف الحجّة الأميركية ما هو كائن.

فماذا تريد واشنطن؟ لا تريد تدمير المحكمة، ولو أرادت لفعلت بأدواتٍ أقسى بكثير. تريد إعادتها إلى العقد الذي أُنشئت بموجبه: محكمة تعاقدية لا تلاحق مواطني من لم يرضَ، إلاّ عبر بوابة مجلس الأمن حيث الفيتو الأميركي. باختصار: العودة إلى نموذج 1993 ودفن روح روما 1998. وهو مشروع متّسق مع شلّ جهاز الاستئناف في منظمة التجارة العالمية: إعادة تثبيت السيادة الويستفالية في وجه القضاء فوق الوطني.

وكيف ينتهي؟ الأرجح أنّه لن ينتهي بانتصارٍ صاخب بل بتسويةٍ صامتة. انتخاب مدّعٍ عام جديد لن يتمّ قبل 2027، وهو من سيحمل القرار. لن يُعلَن سحبٌ للمذكرات، فالقضاة وحدهم يملكون ذلك، لكن يمكن "إعادة ترتيب الأولويات" كما حصل تماماً في ملف أفغانستان سنة 2021 حين جُمّد المسار الأميركي بهدوء. عندها ترفع واشنطن عقوباتها تدريجاً، وتبقى المحكمة قائمة، وتبقى المذكرات حبراً على ورق، وتتحوّل لاهاي إلى ما يخشاه أنصارها أكثر من زوالها: محكمةٌ للضعفاء وحدهم.

قال جاكسون في نورمبرغ إنّ القانون يجب أن ينطبق على الجميع بالتساوي وإلاّ فقد معناه. لكنّه كان يتكلّم بلسان منتصرٍ يملك القوة ويختار أن يقيّد نفسه. والتقييد الذي يُنتزع من القوي بغير رضاه ليس قانوناً، بل ادّعاءٌ ينتظر أول اختبار ليسقط. هذا ما تقوله واشنطن اليوم بلغة العقوبات، وهذا ما ينفيه الأوروبيون بلغة البيانات. وبينهما تجلس قاضيةٌ يابانية في السبعين، مطلوبةٌ من موسكو، معاقَبةٌ من واشنطن، ومحاطةٌ بتضامنٍ لا يفتح لها مصرفاً. والجواب عن السؤال الأقدم في القانون الدولي، هل هو سلطةٌ فوق الدول أم أداةٌ في يد أقواها، مكتوبٌ اليوم على لائحةٍ في وزارة الخزانة الأميركية.