ما يثير الاستغراب اليوم ليس فقط الجدل حول تسليم المطلوبين من فلول نظام بشار الأسد إلى السلطات السورية الحالية، بل هذا الانقلاب المفاجئ في المعايير، حيث يستفيق البعض فجأة على حقوق الإنسان، وعلى أصول المحاكمات، وعلى الخوف على مصير المطلوبين، وكأن ذاكرة اللبنانيين والسوريين قد مُسحت من التاريخ.
السؤال الذي يفرض نفسه على هؤلاء المتباكين: أين كانت كل هذه الغيرة على حقوق الإنسان عندما كان المعارضون السوريون يهربون إلى لبنان، فراراً من بطش نظام بشّار الأسد وأجهزته الأمنية؟
لماذا لم نسمع يومها هذا الصوت المرتفع دفاعاً عنهم؟ لماذا لم يسألوا عن مصير الذين كانوا يُسلَّمون إلى أجهزة النظام السوري، في زمن كانت فيه السلطة اللبنانية خاضعة لسلطة دمشق؟ ولماذا لم تكن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعدالة موضع اهتمامهم عندما كان المطلوب هو إسكات المعارضين للنظام وحماية جلّاديه؟
لقد كان لبنان، في تلك الحقبة، ساحةً مفتوحة لنفوذ نظام الأسد، ووثّقت منظمات حقوقية وقائع الاعتقال والإخفاء والتعذيب بحق معارضين ومناهضين للنظام السوري، فيما بقي ملف المعتقلين والمفقودين في السجون السورية جرحاً مفتوحاً في الذاكرة اللبنانية والسورية.
أما اليوم، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، فنجد البعض يرفع شعار حقوق الإنسان دفاعاً عن أشخاص يُشتبه في تورطهم بجرائم وانتهاكات بحق السوريين، ويطالب بعدم تسليمهم إلى السلطات السورية الحالية. والمفارقة أن القضية اليوم ليست تسليم إنسان لمجرد أنه معارض سياسي، بل التعامل مع أشخاص يُشتبه في ارتكابهم جرائم، يفترض أن يخضعوا للتحقيق والمحاكمة وفق الأصول القانونية. وقد أصبح هذا الملف موضع نقاش فعلي في لبنان، خصوصاً مع تسليم أحد الضباط السوريين السابقين لمحاكمته في سوريا.
نحن لا نقول إن العدالة تُختصر بالتسليم، ولا إن أي شخص يجب أن يُسلَّم من دون ضمانات قانونية. الدولة اللبنانية مطالبة باحترام القانون، والتحقق من الملفات، وضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. لكن ما نرفضه هو أن تتحول حقوق الإنسان إلى معيار انتقائي: تُرفع حين يتعلق الأمر بأشخاص كانوا جزءاً من منظومة النظام السابق، وتُدفن حين يكون الضحايا معارضين لذلك النظام.
فأين كانت هذه الغيرة عندما كان المعارض السوري يدخل لبنان خائفاً على حياته؟ أين كان المدافعون عن حقوق الإنسان عندما كان الخوف من أجهزة النظام السوري يلاحقه حتى خارج الحدود؟ وأين كانت أصواتهم عندما كان المطلوب حماية الضحية، لا حماية الجلاد؟
إن العدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان ليست بطاقة انتقائية تُستخدم بحسب هوية الشخص وموقعه السياسي. من حق كل إنسان أن يُحاكم محاكمة عادلة، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من لبنان ملاذاً آمناً لمن تثبت مسؤوليته عن جرائم بحق المواطنين السوريين.
والأهم أن اللبنانيين تحديداً يملكون ذاكرة طويلة مع نظام الأسد: معتقلون ومفقودون، عائلات انتظرت أبناءها سنوات، وجرح لم يُقفل بعد. لذلك، من الصعب أن نفهم كيف يمكن لمن صمت بالأمس عن ضحايا النظام أن يتحول اليوم إلى أكثر الناس حرصاً على حقوق أركانه.
إن كانت حقوق الإنسان هي المعيار، فلتكن كذلك بالأمس واليوم وغداً. ولنضع الضحية والجلاد أمام العدالة نفسها، لا أن نغيّر المعيار عندما تتغيّر موازين القوى.
لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ملاذاً للإفلات من العقاب. المطلوب دولة تحكم بالقانون، وقضاء مستقل، وتعاون قضائي بين الدولتين، ومحاكمات عادلة تكشف الحقيقة وتحاسب كل مَن تثبت مسؤوليته عن الجرائم، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
فمن يطالب اليوم بحقوق الإنسان، فليتذكر أن حقوق الإنسان كانت موجودة أيضاً عندما كان بشّار الأسد في السلطة، وكان ضحاياه يهربون إلى لبنان. فأين كنتم يومها؟ وأين كان الغيارى الجدد على الحقوق والإنسان والإنسانية... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"