ليست مسألة انتهاء تأشيرة السفير الإيراني المعيّن في لبنان، محمد رضا شيباني، في 24 آب، مسألة تقنية تتعلق بجواز سفر أو ختم إقامة، ولا يمكن اختزالها بصلاحية إدارية لتمديد تأشيرة أجنبي أو تجديد إقامته.
فقد سبقت ذلك واقعة قانونية وسيادية أعلى مرتبة وأشد أثرًا: إعلان الشخص شخصًا غير مرغوب فيه Persona non grata وطلب مغادرته الأراضي اللبنانية. ومنذ تلك اللحظة، تبدّل المركز القانوني للمسألة برمتها.
فالقاعدة الأساسية في القانون الدبلوماسي، كما كرّستها المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، تعطي الدولة المستقبلة الحق، في أي وقت ومن دون أن تكون ملزمة ببيان الأسباب، في إعلان رئيس البعثة أو أحد أعضائها الدبلوماسيين شخصًا غير مرغوب فيه. وعندها، تصبح الدولة الموفدة ملزمة باستدعائه أو بإنهاء وظائفه في البعثة، وإذا امتنعت عن ذلك أو لم تفعل خلال مهلة معقولة، يحق للدولة المستقبلة أن ترفض الاعتراف به عضوًا في البعثة.
وهذا ليس إجراء بروتوكوليًا عابرًا، بل أحد أوضح مظاهر سيادة الدولة في علاقاتها الخارجية. فالصفة الدبلوماسية لا تقوم على إرادة الدولة الموفدة وحدها، بل على قبول الدولة المضيفة، وسحب هذا القبول يهدم الأساس القانوني لاستمرار الشخص في ممارسة مهمته الدبلوماسية. ومن هنا، لا يعود البحث في إمكان تجديد التأشيرة منفصلا عن القرار السيادي السابق.
الإدارة ملزمة بالتنفيذ لا بالبحث عن مخرج
متى صدر قرار إعلان شخص غير مرغوب فيه وطلب مغادرته، لا تبقى الإدارات المعنية أمام سلطة استنسابية حرة بشأن منحه سندًا جديدًا للبقاء. وظيفتها تصبح تنفيذ القرار القائم، لا إعادة تقييمه ولا تعطيله.
فالسلطة التي تمنح التأشيرات أو تجدد الإقامات تمارس اختصاصًا إداريًا ضمن الإطار القانوني والسيادي للدولة، ولا تستطيع استعمال هذا الاختصاص لإنشاء مركز قانوني يناقض قرارًا واجب النفاذ.
إذا كان مضمون القرار هو أن هذا الشخص لم يعد مقبولا وطلبت منه المغادرة، فإن منحه إقامة جديدة يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا: السماح له بالاستمرار في البقاء. ولا يمكن قانونًا الجمع بين المركزين.
إما أن يكون قرار الـPersona non grata قائمًا ونافذًا، فتلتزم جميع أجهزة الدولة بنتائجه، وإما أن تتخذ الدولة قرارًا جديدًا وصريحًا تغيّر فيه موقفها. أما إبقاء القرار قائمًا ثم منحه إقامة جديدة بتخريجة ما، فهو في النتيجة إفراغ إداري لمفعول قرار سيادي.
التأشيرة لا تعلو على قرار الـPersona non grata
يكتسب انتهاء التأشيرة في 24 آب أهمية واضحة: فمنذ ذلك التاريخ، يحتاج أي بقاء قانوني جديد إلى قرار إداري جديد، وهذا القرار لا يمكن فصله عن قرار الـPersona non grata ما دام الأخير قائمًا ونافذًا.
فالتأشيرة، ومهما كانت حجيتها، لا تعيد اعتمادًا تم سحبه، وتجديد الإقامة لا يلغي قرارًا سياديًا بالمغادرة.
كذلك لا يمكن استخدام عبارة "تسوية الأوضاع" كغطاء لإعادة إنشاء حق بالبقاء يتناقض مع قرار سابق بالمغادرة.
إذ إن الإدارة ليست كيانًا مستقلا عن الدولة، ولا يستقيم أن تعلن الدولة في علاقاتها الخارجية أن شخصًا لم يعد مرغوبًا فيه، ثم يُمنح سندًا قانونيًا جديدًا للاستمرار في الإقامة. فهذا التناقض يضرب وحدة إرادة الدولة وصدقية قراراتها الدبلوماسية.
وفي المعلومات أن هناك أطرافًا سياسية تطرح مخرج الحصول على تأشيرة في 24 الجاري، لكونه خدم في لبنان سابقًا وينطبق عليه بروتوكول الإقامة الدائمة للسفراء السابقين، ولكن كمواطن إيراني.
ولكن مراجع قانونية عليا تؤكد لـ"نداء الوطن" أنه حتى لو كان هناك نظام أو ممارسة تمنح بعض السفراء السابقين تسهيلات في الإقامة أو الدخول إلى لبنان، فإن ذلك ليس كافيًا لتجاوز قرار إعلان شيباني شخصًا غير مرغوب فيه. ويؤكد المرجع القانوني أن القواعد اللبنانية الخاصة بـ"إقامة المجاملة" تشمل الدبلوماسيين الذين سبق لهم أن عملوا في لبنان، ويرغبون في الإقامة فيه بعد إحالتهم على التقاعد.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في حالة شيباني: هل هو دبلوماسي سابق متقاعد يرغب في الإقامة في لبنان كمواطن إيراني؟ أم أنه الدبلوماسي نفسه الذي سحبت الدولة اللبنانية موافقتها على اعتماده وأعلنته رسميًا شخصًا غير مرغوب فيه؟
من هنا، لا يمكن قلب صفة "الدبلوماسي السابق" إلى باب خلفي لإبطال آثار قرار الـPersona non grata، لأن ذلك يؤدي عمليًا إلى نتيجة غريبة عجيبة: أن الدولة تستطيع طرد شخص من صفته الدبلوماسية، لكنه يستطيع البقاء على أرضها عبر تحويل صفته، في اليوم التالي، إلى "دبلوماسي سابق مقيم"، وهذه فضيحة كبرى.
لا إقامة فوق القرار السيادي
في المحصلة، المسألة ليست في ختم ينتهي في 24 آب؛ المسألة أخطر بكثير: هل يحترم لبنان قراره السيادي أم يلتف عليه؟
فالتأشيرة لا تلغي قرار الـPersona non grata، والإقامة لا تعيد اعتمادًا سُحب، وتسوية الأوضاع لا يمكن أن تتحول إلى تسوية للقرار السيادي نفسه. فإذا أرادت الدولة التراجع، فلتتراجع بقرار واضح وصريح، ولتتحمل مسؤوليته السياسية والقانونية والدبلوماسية.
أما أن يبقى قرار الـPersona non grata قائمًا على الورق، فيما يُمنح صاحبه إقامة جديدة للبقاء، فذلك سابقة وهرطقة دبلوماسية وفضيحة تتحمل مسؤوليتها الحكومة، وإثبات أمام المجتمع الدولي بأن قرار لبنان لا يزال تحت قبضة إيران وأزلامها وأذرعها في لبنان.
وبين "ارحل" و"ابقَ"، لا تكون القضية قضية إقامة، إنما تكون القضية: من يحكم؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة في الدولة؟
وبما أن هذه الحكومة سيادية ولا تخضع لتهديد من هنا وضغط من هناك، فليرحل هذا الرجل الخطير من لبنان، حتى ولو اقتضى الأمر استخدام كل السبل. فهو حتى الساعة يتآمر على الدولة ومؤسساتها وينسق مع عناصر الحرس الثوري الإيراني الموجودين في لبنان، ويقود محور إيران ميدانيًا، حتى إنه يشارك علنًا، وبكل وقاحة واستفزاز، في مناسبات، آخرها ذكرى مرور أربعين يومًا على دفن علي خامنئي وقبول التعازي في مقر السفارة الإيرانية في بيروت.
في المحصلة، إذا كانت الدولة تسعى فعليًا إلى وضع حد للدويلة وإبراز ذلك للمجتمع الدولي، فأقل الإيمان توقيف هذا الانقلابي وترحيله، وإلا فعلى قرار بناء الدولة السلام. والسلام.
بحسب مصدر مطلع: تنص اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية على أنه عندما تُعلن دولة ما سفيرًا شخصًا غير مرغوب فيه، يقع على عاتق الدولة الموفدة التزام قانوني بسحبه. وهذا المبدأ من أساسيات التعامل الدبلوماسي، وهو عرف كرّسته اتفاقية فيينا، ويمثّل المقابل الطبيعي للحصانة التي يتمتع بها الدبلوماسي: فمقابل عدم السماح للدولة المعتمَد لديها باعتقاله، يُعطى الحق، في حال مخالفته، بأن يُطلب منه المغادرة. وبقاء شيباني في لبنان يعني أن ثمة مخالفة إضافية ترتكبها إيران بحق هذا العرف الدبلوماسي. فعليًا ورسميًا، لا يمكن تجديد التأشيرة الرسمية إلا بموافقة وزارة الخارجية، والصفة التي مُنحت بموجبها هذه التأشيرة لا تسمح بتجديدها. أما إذا أراد تحويلها إلى تأشيرة سياحية بصفته مواطنًا مدنيًا، فعليه أن يغادر لبنان ويحصل على تأشيرة جديدة بصفته المدنية عبر السفارة اللبنانية في طهران. كذلك فإن تعيين القائم بالأعمال يتطلب موافقة وزارة الخارجية، وهي ترفض حتى الآن التمديد له أو قبول طلب تعيين قائم بالأعمال جديد، إلى أن تلتزم إيران، وفق اتفاقية فيينا والأصول الدبلوماسية، باحترام قرار الدولة اللبنانية وسيادتها. |