سامر زريق

هل يجمّد لبنان المفاوضات؟

3 دقائق للقراءة
تبدو زيارة روما محاولة لضخ أوكسيجين في رئتي نموذج المناطق التجريبية (رويترز)

بمعزل عن ذمّ أميركا الذي يعد لازمة ثابتة في الدعاية الإيرانية الممانعة، حملت تصريحات رئيس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، من قلب العراق رسالة سياسية أكثر مرونة مما يوحي به ظاهر الخطاب. فالرجل الذي يتزعم جبهة التفاوض مع أميركا يُبرز تلازم مساري الأمن والاقتصاد، في لحظة تتعالى فيها الأصوات الرسمية الإيرانية التي تجأر بالشكوى من الأزمة الاقتصادية، ليقول إن التفاوض أداة ضرورية لإدارة المصالح قد تستلزم تقديم تنازلات محسوبة تفرضها موازين القوى.

وتكتسب هذه الإشارة الإيرانية معناها الأوسع في ظل مناخ إقليمي يعاد فيه ترتيب أوراق التفاوض، بالتزامن مع حركة لبنانية مختلفة في الظاهر، شديدة الاتصال في العمق، وهي زيارة رئيس الجمهورية إلى إيطاليا. فالزيارة ليست بالضرورة محاولة لدفع التفاوض إلى جولة جديدة بأي ثمن، بقدر ما تبدو سعيًا إلى تثبيت الآلية التي تجعل المسار برمته قابلا للاستمرار، عبر دفع إيطاليا إلى موقع أكثر مركزية في آلية التحقق، وتوظيف دعم الفاتيكان لتحقيق هذه الغاية.

في مكان ما، تبدو زيارة روما وكأنها محاولة لضخ أوكسيجين جديد في رئتي نموذج المناطق التجريبية، الذي يواجه تعقيدات وتحديات تهدد قدرته على إنتاج تقدم فعلي، بما يسمح بإدارة الوقت عوض استنزافه حتى تتهيأ ظروف سياسية وميدانية أكثر ملاءمة.

في الكواليس، تُطرح سيناريوهات لتجميد المفاوضات مع إسرائيل، انطلاقًا من تقدير لدى بعض الأطراف بأن صيغة "اتفاق الإطار" استنفدت هامشها التفاوضي، فيما استمرارها يواجه صعوبات جدية لعوامل تتجاوز لبنان، وترتبط بتصلب نتنياهو والحكومة الإسرائيلية، وبقوى عربية وإقليمية لا تنظر إلى إيقاع التفاوض بعين الرضا، وترى أن تطويره يحتاج إلى ظروف سياسية لم تنضج بعد.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة مواقف كتلة "الوفاء للمقاومة" الداعية إلى الانسحاب من المفاوضات، والتي تبدو كأنها تتناغم مع هذا المناخ، وتتقاطع مع أصوات نيابية أخرى تتماهى معها. لكن الانسحاب شيء، والتجميد شيء آخر، ولكل خطوة نتائج وأثمان. فالانسحاب يعني التخلي عن المسار، فيما التجميد يعني إبقاء الطاولة قائمة، وشراء الوقت حتى تتضح صورة الانتخابات الإسرائيلية، وتتبلور أكثر التوازنات التي يعاد تشكيلها على وقع الصراع مع إيران.

ذلك أن المفاوضات كان من أهدافها الرئيسية إخراج الورقة اللبنانية من يد المفاوض الإيراني، و"اتفاق الإطار" لتثبيت فصل المسارات، مع تفخيخ الورقة الممنوحة لطهران، وهي "الخلية السويسرية"، والتي كانت أصلا بلا رصيد سياسي، لذلك سرعان ما انفجرت. وبالتالي، فإن التجميد، أو إدخال المفاوضات في مراوحة محسوبة، يكون أكثر فائدة من الانسحاب، لكونه يبقي الورقة اللبنانية في يد الدولة، ويمنع تحويل التوقف إلى فراغ يمكن أن تملأه إيران.

من هنا، يمكن فهم محاولة روما. فلبنان يستطيع أن يبدي مرونة دبلوماسية دون تقديم أي تنازل إضافي، وأن يحول المراوحة إلى أداة لإدارة الوقت. لكن هذه المعادلة لا تخلو من الأثمان. حتى الآن، ما زالت واشنطن تضغط باتجاه الالتزام باتفاق الإطار، فيما تبقى آلية التحقق والمناطق التجريبية من أبرز التحديات والعقد.

إزاء هذه العوامل، تتزاحم الأسئلة: هل يجمد لبنان المفاوضات مع إسرائيل بلا إعلان؟ أو هل يدخل الرئيس جوزاف عون تعديلا على استراتيجيته التفاوضية يترك المسار في حالة مراوحة محسوبة ريثما تتضح الصورة أكثر؟ وما هو الثمن المطروح على الطاولة مقابل خطوة من هذا القبيل؟ ومن يدفعه ومن يقبضه؟ ومن يملك الوقت ومن يحدد وظيفته السياسية؟ والأهم، ما هو موقف أميركا، راعية المفاوضات وعرابتها؟