تقف بلدة البويضة، شامخة على تلةٍ تشرف على واحدة من أوسع الإطلالات في الجنوب. فمن ساحة كنيسة القديس مار الياس، يشعر الزائر وكأنه يقف على برج مراقبة طبيعي يكشف وادي الليطاني وقلعة الشقيف والقرى المحيطة بها، في مشهد يختصر جمال المنطقة وأهميتها الاستراتيجية.
تُعدّ بلدة البويضة إحدى بلدات قضاء مرجعيون، وهي بلدة مستقلة إداريًا ضمن التقسيمات اللبنانية، وليست حيًا تابعًا لبلدة جديدة مرجعيون كما يعتقد البعض. وتتمتع البويضة بكيانها الإداري الخاص، إذ يمثلها مختار، فيما لا تضم مجلسًا بلديًا بسبب قلة عدد سكانها.
ويُرجّح أن تسمية "البويضة" تعود إلى الصخور البيضاء التي كانت تنتشر بكثافة في أراضيها، ولا سيما في تلة مار الياس التي تُشكّل النواة التاريخية للبلدة وأبرز معالمها. وكذلك يتناقل أبناء البلدة رواياتٍ موروثة تقول إن البويضة كانت في الأزمنة الغابرة مملكة، وإن اسمها يعني "الملك الأبيض. ويُعتقد أيضًا أن البلدة شُيّدت فوق مغاور قديمة، وأن اسمها قد يكون تصغيرًا لكلمة "بيضة"، فيما تشير روايات أخرى إلى أن التسمية بالسريانية ترتبط بالحرير والكتان. ولا تزال معصرة زيتون حجرية قديمة عند مدخل البلدة شاهدة على تاريخها العريق، وتتميّز بطبيعتها الخلابة وغاباتها الصنوبرية وكثرة ينابيعها.
لا توجد أرقام دقيقة لعدد سكان البويضة، بسبب الهجرة الواسعة التي طالت أبناءها، ولا سيما إلى البرازيل والولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن عدد المقيمين فيها اليوم لا يتجاوز 190 نسمة، موزعين على نحو 80 منزل، فيما تنتمي الغالبية إلى عائلات عريقة أبرزها: مكروس، سلوم، أبو شهلة، جبران، الكسرواني، وأبو شاهين، إلى جانب عائلات أخرى ساهمت في تكوين هوية البلدة الاجتماعية.
واعتمد أهالي البويضة تاريخيًا على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق إلى جانب الوظائف والأعمال الخاصة، إلا أن هذا القطاع شهد تراجعًا كبيرًا، خصوصًا بعدما أصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية مزروعة بالألغام، ما حدّ من استثمارها.
كنيسة مار الياس: ذاكرة البلدة وروحها
تُشكّل كنيسة مار الياس القلب الروحي لبلدة البويضة، إذ يتخذها الأهالي شفيعًا لهم، وتحتضن سنويًا احتفال عيد مار الياس الذي يجمع أبناء البلدة والمغتربين في مناسبة دينية واجتماعية تُعد من أبرز محطات السنة.
ولا توجد وثائق تاريخية تحدد تاريخ بناء الكنيسة بدقة، إلا أن الروايات الشعبية المتوارثة تروي أن الأهالي بدأوا تشييدها في موقع يبعد نحو 500 متر عن مكانها الحالي، لكنهم كانوا يفاجأون كل صباح بانهيار الأساسات وانتقال أيقونة مار الياس إلى الموقع الحالي. وتكررت الحادثة أكثر من مرة، فاعتبرها الأهالي علامة على اختيار القديس لهذا المكان، فبنوا الكنيسة على قمة التلة التي عُرفت منذ ذلك الحين باسم "تلة مار الياس". ويُقدّر عمر الكنيسة بنحو 150 عامًا، لتبقى شاهدًا على تاريخ البلدة وتراثها الديني، فضلا عن موقعها المميز الذي يوفّر إطلالة بانورامية على وادي الليطاني وقلعة الشقيف وصولا إلى مناطق واسعة من النبطية والبقاع.
بلدة زراعية على تخوم الحدود
تقع البويضة إلى الغرب من جديدة مرجعيون، وتحدها من الشمال الأراضي الممتدة حتى مجرى نهر الليطاني، فيما تجاورها من الجنوب والجنوب الغربي بلدتا بلاط والحمرا. ويتراوح ارتفاعها بين نحو 400 متر عند مجرى الليطاني و750 مترًا في أعالي البلدة، وتبعد عن بيروت ما بين 100 و115 كيلومترًا. وتعتمد البويضة بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي، ويُعد الزيتون المحصول الرئيسي فيها، إلى جانب بعض الزراعات الموسمية.
حرمان مزمن وإهمال رسمي
وخلال جولة ميدانية، عرض مختار البويضة طعمة مكروس واقع البلدة لـ"نداء الوطن"، قائلا إنها تعاني حرمانًا إنمائيًا شبه كامل نتيجة غياب المجلس البلدي، ما يحرمها من الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريع البنية التحتية وصيانة المرافق العامة، مشيرًا إلى أن الأهالي يعتمدون على مدينة جديدة مرجعيون لتأمين الخدمات التعليمية والصحية والإدارية، في ظل غياب المدارس والمراكز الصحية داخل البلدة.
وأضاف أن أبرز المشكلات التي تواجه البويضة تتمثل في غياب شبكة للصرف الصحي، وضعف إدارة النفايات، ومشكلات في الكهرباء، والحاجة الدائمة إلى صيانة الطرقات.
وتابع في ظلّ الظروف الراهنة، يواجه أهالي البلدة أوضاعًا اجتماعية ومعيشية صعبة، ولا سيما نتيجة إقفال طريق الخردلي- النبطية، ما يحول دون تمكّنهم من الوصول إلى أراضيهم.
أضاف المختار: "خلال السنوات السبع إلى العشر الأخيرة، لم تصل أي مساعدات تُذكر من الدولة اللبنانية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناة الأهالي.
ويتميّز أهالي البلدة بعلاقات اجتماعية متينة، ومن أبرز مظاهر هذا التعاون، مبادرة الأهالي إلى جمع مبلغ مالي بشكل شهري لتأمين أعمال النظافة والخدمات الضرورية في البلدة.
محبة أهلها تتحدى الحرب
تقول وديعة الزغير إن أبناء البلدة يعيشون كأسرة واحدة، يتشاركون الأفراح والأحزان، إلا أن الحرب تبقى الهاجس الأكبر الذي يعكّر صفو حياتهم، بما تزرعه من خوف وقلق دائمين على المستقبل. وتتمنى أن يعمّ الأمن والسلام، وأن تستعيد العائلات أيامها الجميلة المليئة بالمحبة والعطاء وراحة البال.
وتشير إلى أن أبرز المناسبات التي توحّد أبناء البلدة هي عيد مار الياس، حيث يتوافد أبناء البلدة والمغتربون والزوار من مختلف المناطق للمشاركة في القداس والاحتفالات، والالتقاء حول مائدة محبة تعكس عمق الروابط الاجتماعية التي تجمعهم. أما نجيب الزغير، فيصف البويضة بأنها "كل شيء في حياته".
المجلس الاختياري في البويضة
رغم غياب المجلس البلدي، تميّزت البويضة بانتخاب ألكسندرا مكروس مختارة للبلدة عام 2000، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في منطقة مرجعيون، قبل أن يُعاد انتخابها عامي 2004 و2010، مواصلةً إرثًا عائليًا ورثته عن والدها وجدّها.
وتتسم البويضة بتنوّعها الطائفي، إذ يشكل أبناء الطائفة الأرثوذكسية الغالبية، إلى جانب عائلات من الموارنة والكاثوليك، كما ترتبط بها عائلة سنية هي آل العكاش، وإن كانت لا تقيم فيها بصورة دائمة. ولا تزال البلدة تحافظ على توازنها الاجتماعي، وسط أمل الأهالي بأن يتمسك الجيل الجديد بأرضه ويواصل العيش فيها، حفاظًا على استمرارية الحياة في القرية.