خاص - نداء الوطن

ملف كازينو لبنان: حرب المليارات الرقمية

بعد البراءة... "أمل" السوق السوداء ببعض النواب بعد فشلهم قضائيًا (5 من 5)

6 دقائق للقراءة

انتهى الجزء الرابع من هذه السلسلة بقرار قضائي حاسم: لا تبييض أموال، لا إثراء غير مشروع، لا سرقة مال عام، لا جناية. أنصف القضاء اللبناني جاد غاريوس ورولان خوري وBetarabia، وسقطت أكبر مؤامرة تشويه سمعة وافتراء عرفها هذا الملف. لكن سقوط المؤامرة أمام القضاء لم يعن نهايتها، بل انتقالها إلى ساحة جديدة. فبعد أن فشلت السوق السوداء في تركيب ملفات جنائية، وتلقّت صفعة البراءة، لجأت، بشكل واضح ومفضوح هذه المرة، إلى بعض أعضاء مجلس النواب.


مرسوم من خارج جدول الأعمال

بدأ هذا الفصل الجديد من المؤامرة في التوقيت نفسه الذي كان فيه جاد غاريوس ورولان خوري موقوفَين. إذ أُدخل، من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء، مرسوم يجبر كازينو لبنان على دفع نسبة 35% من مداخيل Betarabia. المشكلة الجوهرية في هذا المرسوم أن النسبة نفسها مغلوطة ومجزأة، وتعود أساسًا إلى عام 2019، أي إلى فترة سابقة للمناقصة، وسابقة لمباشرة العمل الفعلي، وسابقة للتعديلات التي أُقرّت لاحقا في العقود الموقّعة بعد المناقصة. راسلت وزارة المالية الكازينو مطالبة إياه بالبدء في التنفيذ اعتبارًا من تاريخ صدور هذا المرسوم، فطعن الكازينو به أمام مجلس شورى الدولة، مستندًا إلى مجموعة من الأسباب الموجبة توضّح عدم صوابيته وضرره البالغ، الذي قد يصل إلى حدّ إفلاس المؤسسة بكاملها.


مجلس شورى الدولة: تجميد يعيد الاعتبار للمنطق

بعد اطلاعه على المعطيات، جمّد مجلس شورى الدولة تطبيق هذا المرسوم، في تأكيد جديد على أن القضاء اللبناني، رغم كل ما يعصف بالبلاد من استشراء للفساد، لا يزال حريصًا على تطبيق العدالة حين تُعرض عليه الوقائع كاملة. فما هي هذه المعطيات التي دفعت المجلس إلى هذا القرار؟


35% تعني إفلاسًا لا مزيدًا من العائدات

المعطى الأول، والأخطر، أن نسبة الـ35% التي تطالب بها الدولة ستُقتطع عمليا من حصة الـAgents، وهم، كما أوضحنا في تقرير سابق من هذه السلسلة، العمود الفقري لنجاح هذه المنصة الشرعية الوحيدة في السوق. فإذا اقتُطعت هذه النسبة من حصتهم، سيتوجهون هم وزبائنهم مباشرة إلى السوق السوداء، طالما أن هذه السوق لا تزال قائمة، ولم تطبّق الدولة بعد ما طُلب منها لإقفالها. بالأرقام: تحصّل الدولة اليوم ما بين 4 و5 ملايين دولار شهريًا، بين حصتها المباشرة والضرائب غير المباشرة. أما إذا رفعت نسبتها إلى 35%، فسيأخذ الـAgents، الذين يشكلون وحدهم 80% من مداخيل المنصة، عملاءهم نحو السوق السوداء، وبالتالي، وحتى لو حصّلت الدولة نظريًا نسبة 35%، فإن مردودها الفعلي سينخفض إلى أقل من مليون دولار شهريًا فقط، مع تراجع مداخيل الكازينو بالكامل لمصلحة السوق السوداء من جديد.


17 مليون دولار بأثر رجعي وأكثر من ألف عائلة

المعطى الثاني لا يقل خطورة: فإقرار نسبة الـ35% يعني ترتّب مبلغ يصل إلى 17 مليون دولار على كازينو لبنان، بأثر رجعي، وهو مبلغ كفيل وحده بدفع الكازينو نحو الإفلاس والإقفال، وقطع أرزاق أكثر من ألف عائلة تعمل فيه، إضافة إلى قطع مصدر دخل أساسي عن خزينة الدولة نفسها. المفارقة المؤلمة هنا أن كازينو لبنان كان أساسًا على أبواب الإفلاس، بعدما تراكمت عليه الأزمة الاقتصادية، وجائحة كورونا، والحروب المتكررة، وأن مشروع الأونلاين تحديدًا هو ما جاء لدعمه، ولدعم الدولة معه، في ظروف معروفة للجميع. فكيف يُعقل أن يتحوّل المشروع الذي أنقذ الكازينو إلى أداة لإفلاسه؟


من القضاء إلى قبة البرلمان

بعد تبرئة Betarabia قضائيًا، انتقلت السوق السوداء إلى الساحة النيابية. فحاول بعض أعضاء اللجنة النيابية لتكنولوجيا المعلومات وضع Betarabia والسوق السوداء في السلة نفسها، عبر الحديث عن ضرورة الوقف الفوري لـ"القمار الإلكتروني" ككل، قبل إصدار أي تشريعات ناظمة له، وهو خلط متعمّد بين مشروع رسمي مرخّص وخاضع للرقابة، وبين نشاط غير شرعي بالكامل يعمل خارج أي إطار قانوني.


حالة نائب "مثيرة للجدل"

اللافت في هذا السياق كان انضمام أحد النواب إلى هذا الاجتماع، وهو غير معنيّ به أساسًا، فيما كشفت مصادر مطلعة أنه كان "مدسوسًا" للمشاركة فيه، تحديدًا كي يصرّح بعده بما صرّح به حول امتلاكه معلومات ضد Betarabia، يُقال إنه حصل عليها من ضابط أمني في جبيل، في محاولة تشويه سمعة مدروسة، وفي توقيت مشبوه، لأسباب أقلّها سياسية. وتتساءل المصادر نفسها: لو كان النائب يملك فعلا هذه المعطيات التي وصفها بـ"الخطيرة"، فلماذا لم يتقدّم بها أمام القضاء طوال كل هذه الفترة، ضمن تحقيق مطوّل خلص، رغم كل محاولات التسييس والتضليل، إلى تبرئة Betarabia بالكامل من المؤامرة التي حيكت ضدها؟


الهدف نفسه، بأدوات مختلفة

من هنا يمكن فهم استثمار السوق السوداء عشرات، بل مئات آلاف الدولارات، إعلاميًا وسياسيًا، حول ملف الـ35% تحديدًا. الهدف واحد لا يتغيّر منذ اليوم الأول لهذه السلسلة: إفلاس الكازينو، وإقفال Betarabia، لتخلو الساحة أمام السوق السوداء لاستعادة احتكارها الكامل لقمار إلكتروني غير مضبوط، ولا مراقب، لا يدفع ضرائب للدولة، ويتيح تبييض الأموال، ولعب القاصرين، ويؤمّن في الوقت نفسه دعمًا ماليًا مباشرًا للحزب وشركائه.


خلاصة خمسة أجزاء

من عقد امتياز وُقّع عام 1996، إلى مناقصة شفافة أشرف عليها خبراء بريطانيون عام 2020، مرورًا بتهمة عمالة مفبركة، ودرج أمني بقي مقفلا عامًا ونصف، وصولا إلى توقيف ظالم دام ثلاثة أشهر، وتقرير "خبير" منتحل الصفة، ثم مرسوم حكومي حاول تحقيق، بالتقسيط، ما فشلت المؤامرة القضائية في تحقيقه دفعة واحدة، يتكرر في هذا الملف نمط واحد لا يتغيّر: سوق سوداء لا تدفع ضرائب، تراهن في كل مرة على أدوات جديدة، سياسية أو قضائية أو نيابية، لحماية احتكارها. وفي المقابل، مشروع رسمي وحيد أثبت، بالأرقام لا بالشعارات، أنه قادر على تحويل سوق كانت بالكامل خارج الدولة إلى مصدر دخل يقارب خمسة ملايين دولار شهريًا لخزينتها.

المعادلة، في النهاية، بسيطة وواضحة: إذا كانت الدولة اللبنانية جادة فعلا في تحسين مداخيلها وحماية حصتها، فإن الخطوة الأولى، وربما الوحيدة، ليست في زيادة نسبة مفروضة على مشروع شرعي أثبت جدواه، بل في إقفال السوق السوداء التي لا تزال، حتى تاريخ هذا التقرير، "تسرح وتمرح" بلا حسيب ولا رقيب.