خاص - نداء الوطن

ملف كازينو لبنان: حرب المليارات الرقمية

كيف نجحت Betarabia عبر الـAgents من انتزاع الحصة الأكبر من السوق السوداء؟ (3 من 5)

5 دقائق للقراءة
المشكلة لم تكن يومًا في توزيع الحصص بل في حجم الكعكة نفسها

انتهى الجزء الثاني من هذه السلسلة عند لحظة انتصار: سقطت مؤامرة "العمالة لإسرائيل"، وانطلقت Betarabia فعليًا بعد عام ونصف من التعطيل المتعمّد. لكنّ الانطلاق شيء، والنجاح شيء آخر تمامًا. فما كشفته الأشهر الأولى من عمر المنصة لم يكن انتصارًا، بل صدمة: فالدولة التي لم توقف السوق السوداء.

أطلقت النار على قدميها وبقيت المافيات تحصّل 20 مليون دولار شهريًا فيما منصة رسمية شرعية بالكاد تُدخل بضعة آلاف الدولارات. هذا الجزء يروي كيف تحوّلت هذه المعادلة، خلال أشهر قليلة، إلى نقيضها تمامًا: والسبب: الـAgents.


بداية متواضعة إلى حدّ الإحراج

عند إطلاق Betarabia، وُزّعت الحصص على الشكل التالي: %5 لـOSS، و%15 لمزوّد الخدمة (Provider)، و%40 للدولة، و%40 للكازينو. من الناحية النظرية، هذا توزيع عادل ومتوازن. لكنّ المشكلة لم تكن يومًا في توزيع الحصص، بل في حجم الكعكة نفسها. ففي الشهر الأول، لم يتجاوز مردود المنصة 13.8 آلاف دولار، أي 5.5 آلاف دولار فقط لحصة الدولة. في الشهر الثاني، ارتفع الرقم قليلا إلى 23 ألف دولار، أي 9.2 آلاف دولار للدولة. وفي الشهر الثالث، وصل المردود إلى 80 ألف دولار، منها نحو 32 ألف دولار لخزينة الدولة.

أرقام متواضعة بكل المقاييس، خصوصًا عند مقارنتها بحجم السوق الفعلي: 20 مليون دولار شهريًّا، معظمها الساحق لا يزال في جيب السوق السوداء التي لم تتأثر عمليًّا بإطلاق المنصة الرسمية.


حين طلب الفريق من الدولة أن تقوم بدورها

أمام هذه الأرقام المخيبة، طلب جاد غاريوس وOSS اجتماعًا عاجلا مع إدارة الكازينو، وأبلغوها بوضوح أنهم لن يستمروا في المشروع طالما أن السوق السوداء لا تزال "تسرح وتمرح" من دون أي رادع. توجّهت إدارة الكازينو بدورها إلى الدولة، مطالبة إياها بالقيام بدورها الطبيعي في إقفال هذه السوق، عبر ثلاث أدوات كانت، ولا تزال، متاحة وممكنة تقنيًا وقانونيًا:

• استحصال جهاز DPI من شركة أوجيرو، يتيح حجب المواقع المخالفة تقنيًا.

• تفعيل القضاء والأجهزة الأمنية لاستصدار مذكرات توقيف وملاحقات قضائية بحق العاملين في السوق السوداء.

• مراسلة الشركات العالمية المزوّدة للبرامج، لوقف تزويد السوق السوداء بها.

لم تتجاوب الدولة مع أي من هذه المطالب. عادت إدارة الكازينو إلى OSS لتبلغهم بغياب أي جدية رسمية في إقفال السوق السوداء، وطلبت منهم البحث عن حلّ بديل يمكن تقديمه لوزارة المالية، بدل انتظار حسم لن يأتي.


الحل: كسر احتكار السوق السوداء عبر Agents

بعد بحث ودراسة، تبيّن أن مفتاح المعركة ليس في مواجهة السوق السوداء بأدوات الدولة الغائبة، بل في مواجهتها بأدواتها هي: الـAgents، أي الوسطاء الذين يجلبون الزبائن. كانت السوق السوداء تعرض عليهم عادة نسبة تتراوح بين %60 و.%70 ومع ذلك، تمكنت Betarabia من استقطاب عدد كبير منهم بنسبة أقل بكثير، %40 فقط، ووافقوا عليها. الأسباب التي دفعتهم لذلك لم تكن مالية بل كانت متعلقة بشرعية المنصة، وسهولة الدفع والقبض، وأمان الأموال، والشفافية العالية، أي بالضبط المعايير التي يحتاجها لاعبوهم لإكمال المعاملة بثقة.

هنا، وافقت الدولة اللبنانية عبر وزارة المالية على إعادة هيكلة الحصص: أن تقتطع من نسبتها %20، وأن يقتطع الكازينو أيضًا %20، على أن تُدفع نسبة %40 لـAgents الذين يدفعون بدورهم حصة منها لزبائنهم وفق المعايير الدولية المعتمدة في هذا النوع من الأعمال. فهؤلاء الوسطاء يشكلون، في ظل استمرار وجود سوق سوداء، أساس هذا النشاط وقسم المبيع فيه بنسبة تقارب .%80 أصبحت الحصص الجديدة على الشكل التالي:

OSS: 5% •

Provider: 15% •

Agents: 40% •

• الدولة: %20

• الكازينو: %20


الانقلاب: من 80 ألفًا إلى 3،1 مليون دولار

النتيجة كانت فورية وصادمة بالمقاييس نفسها التي كانت مخيّبة قبل أشهر قليلة فقط. في اليوم التالي لهذا القرار، قفز مدخول Betarabia إلى 3،1 مليون دولار خلال شهر واحد، بعدما كان لا يتجاوز 80 ألف دولار. أما حصة الدولة، التي كانت قد بلغت 32 ألف دولار وفق النسبة القديمة (%40)، فارتفعت إلى 250 ألف دولار، رغم أن نسبتها الجديدة انخفضت إلى %20 فقط. السبب بسيط ومباشر: المتغيرّ الحقيقي لم يكن في النسبة، بل في استقطاب الـAgents باتفاق مكتوب ورسمي مع الدولة اللبنانية.


شيئًا فشيئًا، سطع نجم Betarabia، التي وصلت إلى إدخال ما بين 4 و5 ملايين دولار شهريًا لخزينة الدولة، بشكل مباشر وغير مباشر، بعد اعتماد سياسة الـAgents التي جاءت أصلا كردّة فعل على تمنّع الدولة نفسها عن القيام بواجبها في إقفال السوق السوداء.

في المقابل، وجدت السوق السوداء، التي كانت تحصّل 20 مليون دولار شهريًا، أي نحو 240 مليون دولار سنويًّا، نفسها تتراجع إلى ما لا يتعدى 5 ملايين دولار فقط شهريًّا، علمًا أن مدخولها، من الناحية القانونية والمبدئية، كان يجب أن يكون صفرًا منذ اليوم الأول.


حين خسرت السوق السوداء "حصة الملك"

خسارة بهذا الحجم لم تكن لتمرّ من دون ردّة فعل. فحين شعرت السوق السوداء أنها فقدت حصة الأسد من سوق كانت تعتبرها ملكًا خالصًا لها، وظّفت كامل قدراتها المالية لضرب Betarabia، عبر شبكة من أزلامها الممتدة بين سياسيين، وضباط أمن، وأشخاص داخل الجسم القضائي، ووسائل إعلام. بلغت هذه المؤامرة ذروتها العام الفائت، في عملية موصوفة أدت إلى توقيف رئيس الكازينو، ومسؤولين في OSS، وعدد من الـAgents، قبل أن تظهر براءتهم جميعًا بعد عام كامل، في تقرير كشف الحجم الحقيقي للمؤامرة، والرؤوس الكبيرة المتورطة فيها.


وهذا عنوان الجزء الرابع من هذه السلسلة: من دبّر عملية التوقيف الموصوفة؟ وما الذي كشفه تقرير البراءة عن الأسماء التي وقفت خلف أكبر عملية تشويه في تاريخ هذا الملف؟