انتهى الجزء الأول من هذه السلسلة عند لحظة مفصلية: مناقصة رسمية، شفافة، أشرفت عليها لجنة خبراء بريطانيين، ورست على شركة OSS بعدما قدّمت كلفة تشغيلية بـ%20 فقط، مقابل %33 كانت مرصودة في دراسة سابقة. كان يُفترض أن يكون هذا الإنجاز نهاية الحكاية، أو على الأقل بداية سدّ سوق سوداء كانت تحصّل شهريًا 20 مليون دولار من دون أن تلمسها يد الدولة. لكنّ ما حصل فعليًا كان العكس تمامًا: بداية حرب استمرت عامًا ونصف، واستخدمت فيها السوق السوداء أخطر سلاح متوفر في لبنان، وهو تهمة "العمالة لإسرائيل".
تهمة جاهزة لا أساس لها
منذ اليوم الأول لإعلان فوز OSS بالمناقصة، بدأت حملة منظّمة لمنع الشركة من مباشرة العمل. لم تكن هذه حملة عفوية أو نتيجة قلق مشروع، بل حملة تستهدف مباشرة استمرار تدفّق الأرباح إلى السوق السوداء التي كانت تدرك أن إطلاق منصة رسمية بقدرات تشغيلية عالمية ومحترفة يعني بداية نهايتها.
الادعاء المركزي كان أن مزوّد الخدمة (Provider) الخاص بـOSS مرتبط بإسرائيل. المشكلة في هذا الادعاء أنه يتجاهل حقيقة بسيطة وموثّقة: جميع الشركات الثماني عشرة التي تقدّمت للمناقصة، من دون استثناء، كانت قد حصلت مسبقًا على "Clearance" من مكتب مقاطعة إسرائيل، بصفته شرطًا إلزاميًا للمشاركة أساسًا. بمعنى آخر، الجهة الرسمية اللبنانية المكلّفة بالتأكد من عدم وجود أي علاقة بإسرائيل، كانت قد أعطت موافقتها قبل فوز OSS بوقت طويل.
عام ونصف من التأخير
رغم عدم وجود أي أساس واقعي لهذا الادعاء، نجحت الحملة في تحقيق هدفها المرحلي: تعطيل بدء العمل الفعلي لعام ونصف تقريبًا. وهنا تكمن نقطة أساسية غالبًا ما تُطمس عمدًا في الرواية التي تروّجها السوق السوداء وأزلامها، والتي تحاول تصوير رولان خوري وجاد غاريوس كطرفين متواطئين لتمرير المشروع بأي ثمن. الوقائع تقول عكس ذلك تمامًا: رولان خوري نفسه هو من أوقف تنفيذ المناقصة لعام ونصف، وذهب فعليًا للبحث في خيار بديل، وهو التعاقد مع الشركة التي حلّت في المرتبة الثانية واستخدام مزوّد الخدمة الخاص بها. لو كان هناك أي تواطؤ مسبق لصالح OSS، لما كان هناك أي مبرر لتجميد الملف والذهاب نحو بديل آخر.
مستندات طُلِبت... وادعاءات تهاوت
خلال فترة التعطيل هذه، طلب مكتب مقاطعة إسرائيل من OSS تزويده بكامل المستندات المتعلقة بالشركة ومزوّد الخدمة الخاص بها. وبعد المراجعة، وبعد إضاعة وقت ثمين، تبيّن أن الادعاءات التي بُنيت عليها الحملة كلها كانت مفبركة من أساسها.
لكنّ القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. فبعدما أرسل مكتب مقاطعة إسرائيل الـClearance النهائي إلى المديرية العامة للأمن العام، وهي الجهة المخوّلة إصدار الموافقة الأخيرة، بقي هذا الملف في درج اللواء عباس إبراهيم، مدير عام الأمن العام آنذاك، لمدة عام ونصف كامل، من دون أي حركة.
200 مليون دولار "ضائعة" بلا حسيب
خلال هذا العام ونصف من التعطيل المزدوج، الإداري والأمني، لم تتوقف السوق السوداء عن العمل يومًا واحدًا. بل استمرت بتحصيل عائداتها من دون أي حسيب أو رقيب، وتخطّى مجموع ما جنته خلال هذه الفترة وحدها 200 مليون دولار أميركي، ذهبت بالكامل خارج أي إطار رسمي أو خزينة عامة، بينما كان المشروع الوحيد القادر على منافستها ووضع حدّ لها عالقًا بين تهمة مفبركة ودرج مقفل.
الصفعة الأولى
رغم كل هذه المحاولات المشبوهة، ورغم الوقت والملايين التي خسرتها الدولة اللبنانية بفعل هذا التعطيل المتعمّد، سقطت مؤامرة "العمالة لإسرائيل" في النهاية، وانطلقت Betarabia فعليًا. كان هذا الانطلاق بمثابة الصفعة الأولى للسوق السوداء، التي لم تتوقف منذ تلك اللحظة، ولغاية اليوم، عن كشف أنيابها كل مرة تشعر فيها أن حصتها مهددة.
وفي الجزء الثالث من هذه السلسلة: كيف تمكّنت Betarabia، رغم كل محاولات إجهاضها، من الاستحواذ على %75 من الحصة السوقية لمصلحة الشرعية؟ ولماذا تكشف الأرقام وحدها، بلا حاجة لأي تفسير إضافي، أن السوق السوداء تخسر وتهاجم وتتآمر.
لقراءة الجزء الأول من الملف يرجى الضغط هنا