ثمة لحظات في التاريخ تُعاد فيها خرائط المصالح قبل أن تُعاد خرائط الحدود. نحن نعيش إحدى هذه اللحظات في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتحول الجغرافيا العسكرية التي هيمنت على عقود من الصراعات، إلى جغرافيا اقتصادية تُقاس فيها قيمة الدول بقدرتها على الاندماج في شبكات الممرات والطاقة والتجارة.
وفي ظل هذا التحول، تتنافس دول المنطقة على حجز مواقعها داخل البنية الاقتصادية الجديدة التي تتشكل تدريجياً، لا باعتبارها ساحات نفوذ، بل باعتبارها عقداً لوجستية ومراكز عبور للطاقة والاستثمار. وفي قلب هذا التحول يقع لبنان، بلداً يملك كثيراً من المقومات، لكنه يعجز حتى الآن عن تحويلها إلى فرص.
شرقٌ يُعاد تشكيله
أزمة مضيق هرمز في مطلع العام الجاري، قد تفرض معادلة استراتيجية جديدة، وهي ايجاد مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز عبر خطوط أنابيب نحو البحر المتوسط. ولبنان، بشواطئه وموانئه ومصافي النفط التي يملكها، يقع حرفياً عند نهاية هذا الممر المحتمل. لكن الحضور الجغرافي وحده لا يُترجَم تلقائياً إلى حضور اقتصادي، فذلك يستلزم دولة قادرة على اثبات وجودها داخل هذه المعادلة الإقليمية المعقدة.
المشهد نفسه يتكرر مع مشروع سكة الحديد العربية الكبرى، تلك الرؤية الطموحة لربط الخليج بأوروبا عبر البر. المسارات المطروحة تتضمن محاذاة الشريط الساحلي الشرقي للبحر المتوسط.
لبنان، نظرياً، مؤهّل لأن يكون محطة عبور محورية تربط هذا الممر بمرافئ الضفة الأوروبية. لكن تقارير الجدوى الإقليمية تُقصيه من حساباتها، ليس بسبب موقعه، بل بسبب غياب الشريك السياسي الموثوق.
السباق نحو المتوسط
إلا أن لبنان لا ينافس وحده على هذا الدور، إذ تسعى دول مثل تركيا وإسرائيل ومصر وحتى سوريا، إلى ترسيخ موقعها كمراكز إقليمية للطاقة والنقل، ما يجعل استعادة لبنان لدوره مشروطة ليس فقط بالإصلاح الداخلي بل أيضاً بقدرته على تقديم ميزة تنافسية واضحة ضمن شبكة الممرات الجديدة.
فالدول التي تتحرك اليوم لحجز مواقعها في الاقتصاد الإقليمي الجديد لا تستند إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى بنى تحتية عاملة، وبيئات قانونية مستقرة، وقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
لبنان خارج الحسابات
وسط هذه اللحظة المفصلية في إعادة هيكلة الشرق الأوسط، يظهر لبنان كدولة مترهلة، يحكمها التفكك السياسي، والانهيار المؤسسي وفقدان الثقة الدولية. فرغم توفر المنشأة النفطية في البداوي والزهراني، والمرافئ التي يمكن أن تتحول إلى منصة لوجستية إقليمية، والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تنتظر استثمارها الكامل، كل هذه الأصول التي تشكل رافعة للاقتصاد اللبناني وبوابة دخوله كلاعب أساسي على الخارطة الاقتصادية المستقبلية، تبقى حبيسة التجاذبات والصفقات وغياب الرؤية الوطنية.
الإصلاحات المطلوبة ليست برنامجاً اقتصادياً تقنياً فحسب، بل هي في جوهرها مشروع استعادة السيادة. استعادة السيادة على القرار المالي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وبناء بيئة تنظيمية تضمن الاستقرار الداخلي الأمني والسياسي والتشريعي، ما يحقق أمن الاستثمار وحماية العقود، هذا الى جانب تفعيل اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.
المفارقة المؤلمة أن لبنان يعيش اللحظات التاريخية الأكثر حساسيةً فيما يخص موقعه الجيوستراتيجي، في الوقت الذي تبلغ فيه قدرته المؤسسية أدنى مستوياتها منذ عقود. الفرص الإقليمية لن تنتظر. والشرق الأوسط الجديد لن يُفصّل على مقاس دولة غائبة.
السؤال ليس إن كان لبنان يملك ما يُقدّمه، فهو يملك. لكن السؤال: هل القيمون على الدولة اللبنانية مستعدون لتغليب المصلحة الوطنية على مصالحهم الخاصة، والدفع بلبنان نحو استعادة دوره قبل أن تُغلق نافذة الفرصة؟ والنوافذ في السياسة الإقليمية لا تبقى مفتوحة طويلاً.