دانيال ل. لوبتون

بايدن لا يملك وقتاً طويلاً لاسترجاع المصداقية الأميركية

12 شباط 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

أمعن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في إضعاف المصداقية الأميركية على الساحة الدولية. فقد شككت إدارته صراحةً بقيمة التحالفات المهمة، وتخلّت عن الالتزامات الدولية، وأطلقت تهديدات نارية من دون تنفيذها في معظم الحالات. على مر أربع سنوات، شكّك أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها بالتزام واشنطن بعلاقاتها وقِيَمها والمؤسسات الدولية التي شاركت في إنشائها.

تعهد الرئيس جو بايدن باسترجاع سمعة الولايات المتحدة باعتبارها قوة حازمة وجديرة بالثقة، لكن يشعر بعض المحللين والأكاديميين بالقلق من احتمال أن تطول الأضرار التي سببتها السنوات الأربع الأخيرة. قال جوزيف س. ناي جونيور، وهو عالِم سياسي في جامعة "هارفارد"، محذراً: "لا يمكن الإجابة بشكلٍ قاطع على السؤال القديم الذي يطرحه الحلفاء حول احتمال ظهور نسخة جديدة من ترامب في الولايات المتحدة". يواجه بايدن بكل وضوح مهمة شاقة لتحسين العلاقات المتوترة واسترجاع ثقة العالم.

لكن ثمة أسباب وجيهة للتفاؤل. تكشف الأبحاث أن كل زعيم يستطيع ترسيخ سمعته الحسنة من جديد. تختلف سمعة القادة عن إرث أسلافهم والدول التي يقودونها لكنهم يتأثرون حتماً بالمصداقية التي تحظى بها بلدانهم. بعبارة أخرى، لا يتأثر الزعيم الجديد بالسمعة التي يرثها من سلفه، بل إنه يستطيع اكتساب سمعة قادرة على تحديد درجة مصداقية بلده. يملك بايدن إذاً فرصة مناسبة لتجديد المصداقية الأميركية شرط أن يتحرك بسرعة ويتجنب الأخطاء التي يرتكبها القادة عموماً حين يحاولون اكتساب سمعة قوية.

أهمية السمعة القوية

يدرك صانعو السياسة بالفطرة أهمية السمعة التي يكسبونها. لكن يشكك بعض الأكاديميين باحتمال أن تُحدد الأفعال الماضية طبيعة الدول وتنذر بسلوكها المستقبلي. لا تُعبّر خطوات الدولة في الماضي عن حقيقة تصرفاتها في المستقبل برأي هؤلاء المشككين، بل إن المصالح الاستراتيجيـــــــة والقوة النسبية هي التي تُحدد مصداقية الدول. وفق هذا المنطق، ستكون أي محاولة "لاسترجاع" السمعة الأميركيــة الحسنة بعد عهد ترامب محكومة بالفشل.

جذب مفهــوم السياسة المبنية على السمعة القوية انتباهاً كبيراً، وتحديداً بعدما فرض الرئيس السابق باراك أوباما "خطاً أحمر" بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا ثم رفض تنفيذه. اعتبر المشككون بأهمية سمعة البلد حينها أن أوباما يُفترض ألا يرزح تحت الضغوط كي يتحرك للحفاظ على المصداقية الأميركية لأن هذه المصداقية لا تُحددها تحركات الدولة. بل تثبت الأبحاث الأكاديمية أن الأفعال السابقة والسمعة التي تكسبها الدول بسببها تؤثر على المصداقية فعلاً. تكشف الدراسات دوماً أن الدول التي تتنازل بسبب التهديدات الدولية تصبح هدفاً للاعتداءات المستقبلية، وتجد الدول التي تفتقر إلى الصدق أو الحزم صعوبة في إطلاق تهديدات جدّية. كذلك، تكتسب الدول سمعتها كشريكة جديرة بالثقة أو غير موثوق بها لحلفائها ويؤثر هذا العامل بقدرتها على عقد تحالفات جديدة.

تكشف أبحاثي أن السمعة القوية تساعد الدول وحتى القادة الفرديين على تحقيق نتائج إيجابية في مجال السياسة الخارجية. استناداً إلى تحليلات مفصّلة للأرشيف السوفياتي والأميركي من فترة الخمسينات والستينات ونتائج التجارب المبنية على الاستطلاعات، تبيّن أن الزعيم الذي يُعتبر قوياً يستطيع إطلاق تهديدات جدّية ويحصل على تنازلات كبرى من الآخرين ويحقق أهدافه في مجال السياسة الخارجية أكثر من الزعيم الذي يُعتبر متردداً. يكتسب الزعيم الحازم سمعة خاصة به تكون مختلفة عن سمعة أسلافه وبلده وترتكز على أفعاله وخطاباته في السياسة الخارجية. هذه السمعة الشخصية تُحدد مفهوم المصداقية الوطنية عموماً.

تشير أبحاثي أيضاً إلى تراجع الفسحة التي تسمح للقادة باكتساب سمعة قوية بعد استلامهم مناصبهم. قد يظن الزعيم الجديد أنه يملك الوقت الكافي لمعالجة مشاكل السياسة الخارجية. لكنه قد يخسر مصداقيته بنظر قادة العالم الآخرين بسبب إخفاقاته الأولى، أو حتى غياب الوضوح في أهم مسائل السياسة الخارجية. لنأخذ مثلاً واحدة من أوائل المصاعب التي واجهها الرئيس جون ف. كينيدي في مجال السياسة الخارجية. في حزيران 1961، هدّد رئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروتشوف بتوقيع معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية ومنع الغرب من الوصول إلى برلين إذا لم يعترف رسمياً بوجود دولتَين ألمانيتَين منفصلتَين. تكلم كينيدي بلهجة قوية حول ضرورة الدفاع عن المصالح الأميركية في ألمانيا الغربية وبرلين خلال حملته الانتخابية، لكن تراوح موقفه بعد وصوله إلى السلطة بين محاربة موسكو وبذل جهود تصالحية. نتيجةً لذلك، ظن خروتشوف أن كينيدي لا يعرف أفضل طريقة لتحقيق الأهداف الأميركية في برلين وليس مستعداً لتحمّل التكاليف اللازمة. في هذا السياق، كتب الدبلوماسي السوفياتي أركادي شيفتشينكو لاحقاً أن خروتشوف اعتبر كينيدي "متردداً" وغير حازم. بعبارة أخرى، لم يصدّق خروتشوف تهديدات كينيدي ووعوده بشأن برلين ثم كوبا.

يتعارض فشل كينيدي في اكتساب سمعة قوية في بداية عهده الرئاسي مع تجربة سلفه. فقد حاول الرئيس دوايت أيزنهاور أن يكتسب سمعة حازمة عمداً كي يتمكن من اتخاذ التحركات اللازمة ضد السوفيات. لذا حرص منذ بداية عهده الرئاسي على إصدار بيانات واضحة ومدروسة حول أهداف سياسته الخارجية والنتائج التي يريدها وتلك التي يرفضها. ثم دعم هذه المواقف بتحركات مباشرة ومتماسكة، فتمسك مثلاً بموقف متشدد في المفاوضات مع السوفيات وعبّر بكل وضوح عن عدم تخلّيه عن الالتزامات الأميركية في برلين. نتيجةً لذلك، اكتسب أيزنهاور سمعة قوية سمحت له بالمشاركة في جهود دبلوماسية بنّاءة مع السوفيات، حتى أنه منع خروتشوف من تنفيذ تهديد سابق بالتوقيع على معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقيـــــة في العام 1958.

تثبت تجربتا كينيـدي وأيزنهاور نتيجـــــــة أخرى للأبحاث التي قمتُ بها: السمعـة التي يكتسبها الرئيس في بداية عهده لها طابع دائم ويصعب تغييرها. نتيجةً لذلك، يجد الزعيم الذي يفشل في تنفيذ أولى تهديداته ووعوده في مجال السياسة الخارجية صعوبة كبرى في إثبات قوته خلال الفترة المتبقية من ولايته.



الوضوح والتماسك والمصداقية

لا يملك بايدن وقتاً طويلاً لبناء سمعة قوية واسترجاع المصداقية الأميركية بعد الخراب الذي سبّبه عهد ترامب. بل إنه مضطر لتوضيح أهدافه السياسية المرتبطة بأهم المسائل الدولية ثم يتعين عليه أن يعمل على تنفيذها. كذلك، يجب أن يتجنب ارتكاب الإخفاقات في المراحل الأولى لأن قادة العالم الآخرين يميلون دوماً إلى إطلاق أحكام قاسية على الرؤساء الجدد ويتّسمون بذاكرة قوية.

استلم بايدن الرئاسة في مرحلة شائكة جداً. فهو لا يواجه وباءً قاتلاً فحسب بل تستمر العلاقات المتوترة مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية وأطراف أخرى أيضاً. يجب أن يكون الموقف الأميركي من هذه الملفات واضحاً ومتماسكاً ومحدداً. عبّر بايدن عن مواقفه حول جزء من هذه المجالات السياسية، لكن لا تزال أهدافه مبهمة في ملفات أخرى أو تبدو استراتيجيات تنفيذها غامضة. هو لم يوضح مثلاً ما تنوي إدارته فعله للتعامل مع تحسّن القدرات النووية في كوريا الشمالية أو تداعيات تلك القدرات على الجهود الدبلوماسية التي يبذلها مع الحلفاء في المنطقة. قد تقرر بيونغ يانغ أن تضع بايدن تحت الاختبار في بداية عهده الرئاسي عبر استئناف اختبارات الأسلحة أو تصعيد خطاباتها. لكن لم توضح إدارة بايدن بعد ما ستفعله مقابل هذا النوع من التطورات، فقد أغفل أول خطاب بارز يلقيه الرئيس عن السياسة الخارجية في الأسبوع الماضي عن هذه النقطة.

قد يميل القادة إلى إطلاق تهديدات ووعود مفرطة مع أنهم يفتقرون إلى اقتراحات سياسية محددة. لكن لا مفر من أن يواجهوا المشاكل حين يبالغون في وعودهم ويفشلون في تنفيذ مواقفهم بالشكل المناسب. حتى أن التهديد باستعمال القوة قد يضع القادة في مواقف محرجة لأنه يفرض عليهم تطبيق سياسات صارمة قد لا يرغبون فيها أو يعجزون عن تنفيذها.

من الواضح أن ترامب لم يتعلّم هذا الدرس لكن يُفترض أن يتنبه له بايدن الذي يميل إلى الارتجال في خطاباته وتعليقاته العلنية الأخرى. لا يمكن بناء سمعة قوية أو استرجاع المصداقية إلا عبر طرح مواقف سياسية واضحة وإلحاقها بتحركات مباشرة ومتماسكة. ستكون جهود بايدن لتنفيذ وعوده كفيلة برسم معالم سمعته كرئيس وتحديد مصير المصداقية الأميركية عموماً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.