المحامي رفيق اورى غريزي

الدولةُ تُجدِّد إقامةَ عام 2006

7 دقائق للقراءة

ليس أخطرَ ما يصيب الدولَ أن تُهزَم؛ فالهزيمة حادثة، والحوادث تُعالَج ويُبنى عليها. الأخطر أن تكتشف الدولة أنها قادرة على أن تقول الشيء ونقيضه في الجملة الواحدة، من دون أن يرفّ لها جفن، ومن دون أن يسألها أحد. عندها لا تسقط الدولة، بل يسقط معناها. تبقى المباني والأختام والرواتب والمواكب وأعلامٌ تُرفع في الأعياد، ويُنزع منها الشيء الوحيد الذي يجعل الدولة دولةً: قدرتها على أن تعني ما تقول. ولأن اللبنانيين تمرّسوا طويلاً في قراءة ما بين السطور، فقد صاروا يعرفون أن كل قرار سيادي يُعلَن في بيروت إنما يُولَد ومعه تاريخُ وفاته، وأن المسافة بين إعلانه ودفنه لا تقاس بالحقّ بل بالصبر.

في الرابع والعشرين من آب، وبينما كان اللبنانيون ينتظرون أن يعرفوا أخيراً إن كانت دولتهم ستفعل في آب ما قالته في آذار، جاءهم الجواب من حيث لم يحتسبوا. فبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، جدّدت المديرية العامة للأمن العام إقامة محمد رضا شيباني ستة أشهر، لا بصفته سفيراً معيّناً، ولا بصفته شخصاً غير مرغوب فيه، بل بصفته دبلوماسياً سابقاً... عام ٢٠٠٦.

عشرون عاماً إلى الوراء. عادت الدولة بالزمن إلى السنة التي احترق فيها الجنوب والضاحية والجسور، والتي خرج منها لبنان بلا كهرباء وبلا موازنة وبلا رواية واحدة يتفق عليها اثنان، لتستخرج من أرشيفها صفةً منتهية الصلاحية وتلبسها رجلاً رفضت هي نفسها اعتماده قبل خمسة أشهر. لم تجد الدولة في حاضرها ما تتذرّع به، فذهبت تفتّش عن ذريعة في ماضيها. وهذا وحده يكفي لتوصيف حالها: دولة تستدين من ٢٠٠٦ لتسدّد فاتورة ٢٠٢٦.

صار في رجل واحد ثلاثة أشخاص: سفيرٌ سابق تعترف الدولة بماضيه، وسفيرٌ معيَّن ترفض حاضره، وسفير لم يقدم اعتماده ولم يقبل أصلا بعد، وشخصٌ غير مرغوب فيه تطالبه بالرحيل. وقد اختارت الدولة أن تخاطب الأول، وأن تتظاهر بأن الثاني والثالث والرابع يقيمان في بلد آخر. أما من الزاوية القانونية فالمسألة أبسط من كل هذا التعقيد المفتعل: الصفة الدبلوماسية ليست معاشاً تقاعدياً ولا شهادة شرف تُعلَّق على الجدار، بل مركزٌ قانوني ينشأ بقبول الدولة المضيفة وينتهي بانتهاء المهمة. ومن كان سفيراً عام ٢٠٠٦ فقد انتهت صفته عام ٢٠٠٩ ولم تعد تُنتج أثراً، لا في اتفاقية فيينا ولا في أي قانون على وجه الأرض. والاستناد إليها اليوم ليس تفسيراً موسّعاً للنص، بل اختراعٌ لمركز قانوني لا وجود له.

ثم إن الدولة الواحدة لا يستقيم أن تقرّر بيدٍ أن وجود شخص على أرضها غير مرغوب فيه، ثم تمنحه بيدها الأخرى سنداً يبيح هذا الوجود. هذا في علم القانون الإداري تناقضٌ في الأسباب وانعدامٌ في السبب، وهو من أوجه تجاوز حدّ السلطة الخاضعة لرقابة القضاء. ويضاف إليه مبدأ توازي الصيغ: قرارٌ صادر عن أعلى سلطة سياسية في البلاد لا يُنقَض بمعاملة إدارية تُنجَز على شبّاك. وقد قال وزير الخارجية بلغة لا تحتمل التأويل إن أي تأشيرة أو إذن سابق لم يعد له أثر يجيز البقاء، وإن الحديث عن التجديد هرطقة قانونية. فليشرح لنا أحدٌ كيف تصير الهرطقة، في أربعة أيام، معاملةً رسمية مختومة.

والأدهى من التناقض في المضمون، التناقض في الجهة. فوزارة الخارجية تقول شيئاً، والأمن العام يفعل نقيضه، وكلاهما يوقّع باسم الجمهورية اللبنانية ذاتها. نحن إذاً لسنا أمام خلافٍ في تفسير نص، بل أمام دولتين تسكنان جسداً واحداً: دولة تُصدر القرارات، ودولة تُبطلها بالتطبيق. وهذا أخطر بكثير من ملف سفير، لأنه يعني عملياً أن القرار السيادي في لبنان لم يعد يُصنع في مكانٍ واحد، وأن من يملك الشبّاك الأخير في نهاية السلسلة الإدارية يملك أن يمحو ما قرّره مجلس الوزراء أو الوزير المختصّ. الدساتير كلها تعرف مبدأ وحدة الدولة، حتى إن القانون الدولي لا يعترف أصلاً بهذا التوزيع الداخلي: فالدولة الموفِدة لا تخاطب خارجيتنا ولا أمننا العام، بل تخاطب لبنان كوحدة واحدة، وتحمّله نتيجة ما يصدر عن أي جهاز من أجهزته. أي أن التخريجة التي ظُنّ أنها تحفظ ماء الوجه في الداخل هي بالضبط ما يفضح الدولة في الخارج.

لكن السؤال الحقيقي ليس كيف. السؤال هو: لماذا تجد الدولة اللبنانية تخريجة مع إيران في كل مرة؟ ولماذا يبدو أن هذه هي الفريضة الوحيدة التي لا تُترك أبداً؟ الجواب أن التخريجة ليست حادثاً عارضاً في تاريخنا، بل هي المدرسة الوطنية الوحيدة التي لم تُغلق أبوابها يوماً. في تشرين الثاني ١٩٦٩، وحين عجزت الدولة عن ضبط السلاح الفلسطيني على أرضها، لم تعترف بعجزها ولم تواجهه؛ ذهبت إلى القاهرة ووقّعت اتفاقاً يمنح ذلك السلاح غطاءً قانونياً. سمّت العجز تنظيماً، وسمّت التنازل سيادةً، وعادت مرتاحة. ودفعت البلاد الثمن خمس عشرة سنة، إلى أن أُبطل الاتفاق عام ١٩٨٧ بعدما لم يبقَ ما يُبطَل. ثم تكرّرت المدرسة نفسها في بياناتٍ وزارية شرّعت ما لم تستطع منعه، وفي تسوياتٍ سُمّيت حكمةً وهي تأجيل، وفي صيغٍ لغوية بارعة أُنفق عليها من العبقرية أضعافُ ما أُنفق على الكهرباء. التخريجة عندنا ليست حلاً وسطاً؛ إنها الطريقة التي يتعلّم بها العجز أن يكتب نفسه بلغة القانون.

ويسأل سائل: هل هُدِّدت الدولة؟ والحقيقة أن الدولة التي اعتادت الخوف لا تحتاج إلى تهديد. التهديد الأكثر فعالية هو الذي لا يُنطق به، والذي لا يحتاج إلى بيان ولا إلى مؤتمر صحافي، لأنه محفوظ في الذاكرة كما تُحفظ الأمثال الشعبية. نحن نعرف ما جرى: الثنائي الشيعي رفض القرار منذ لحظته الأولى وطالب ببقاء الرجل في السفارة، وتعثّرت جلسات، واقتُرحت تسوية رئاسية عبر قناة أمنية فأفسدها تسريبٌ في اللحظة الأخيرة. لم يكن أحد بحاجة إلى أن يرفع صوته؛ يكفي أن يتذكّر الجميع أن رفع الصوت في هذا البلد له تاريخٌ من الفواتير. وهكذا تُنتَج التخريجة: لا بقرارٍ يُملى، بل بصمتٍ يُفهَم.

أما اللون الرمادي الذي تظن الدولة أنها تحتمي به، فهو أخطر الألوان على الإطلاق، لأنه اللون الوحيد الذي يقنع كل طرف بأن له الحقّ في أن يتصرّف بدلاً منك. واشنطن، وهي تضغط في ملف حصرية السلاح وتشدّ الخناق على طهران، لن تقرأ هذا التجديد بوصفه معاملة إدارية بل بوصفه جواباً سياسياً على سؤال طرحته. وتل أبيب، التي لا تنتظر أصلاً أكثر من ذريعة، ستقرأه ذريعةً جاهزة مغلّفة بختم الجمهورية. والدولة تظن أنها اشترت ستة أشهر من الهدوء، وهي في الحقيقة اشترت وقتاً بعملة لا تملك منها شيئاً: مصداقيتها. الحياد الحقيقي موقفٌ يُدافَع عنه؛ أما الرمادي فليس حياداً، بل هو اسمٌ مهذّب للتردّد، والتردّد في الجغرافيا التي نسكنها لا يُكافأ، بل يُستثمر.

وقد بحثتُ في تاريخ الدبلوماسية عن سابقة لما جرى، فلم أجدها. طُرد دبلوماسيون بالآلاف عبر قرن كامل ومضوا. ولاذ أشخاص بالسفارات فطالت إقامتهم: هايا دي لا توري خمس سنوات في سفارة كولومبيا بليما، والكاردينال مندسنتي خمس عشرة سنة في المفوضية الأميركية ببودابست، وجوليان أسانج سبع سنوات في سفارة الإكوادور بلندن. وفي عام ٢٠٠٠ رفض دبلوماسي كوبي أُعلن غير مرغوب فيه أن يغادر مقرّ بعثته في واشنطن وأضرب عن الطعام، فأُبعد قسراً بعد أيام. عجزت دول كثيرة عن التنفيذ، وتعايشت مع عجزها، وابتلعت مرارته صامتة. لكنني لم أعثر على حالة واحدة قامت فيها دولةٌ أعلنت شخصاً غير مرغوب فيه بأن ذهبت هي بنفسها فمنحته إقامة نظامية موقّعة ومختومة. الدول التي عجزت سكتت. لبنان وحده وقّع. وهذه ليست سابقة يُفاخَر بها، بل هي أول مرّة في تاريخ القانون الدبلوماسي تتحوّل فيها الدولة المضيفة إلى محامي الخصم أمام قرارها هي.

في بلدٍ يقف أبناؤه منذ الفجر في طوابير أمام أسوار السفارات، يحملون أوراقاً ثبوتية وشهادات ولادة ودفاتر عائلية وصوراً شمسية بخلفية بيضاء، ويتوسّلون تأشيرةً إلى أي مكان، أي مكان، وجدَ رجلٌ واحدٌ دولةً تركض إليه بالإقامة إلى داخل السفارة.

جدّدوا له إقامة عام ٢٠٠٦.

فجدّدوا لنا معها الحرب التي كانت فيه، والجسور التي سقطت، والصناديق التي فرغت، والمواعيد التي أُجّلت، والوعود التي قيلت في المآتم.

ونحن، الذين وُلدنا في هذا البلد بلا تأشيرة وسنموت فيه بلا براءة ذمّة، ما زلنا ننتظر منذ خمسين سنة ختماً واحداً، ختماً صغيراً بحبر رخيص، على ورقة واحدة مكتوب في أعلاها: وطن.