قبلان: الشيعة دفعوا للبنان ثمنًا يفوق أصل وجوده... والمطلوب إنصافهم

5 دقائق للقراءة
أحمد قبلان

اعتبر المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أن مناسبة ولادة النبي محمد تشكل «أكبر محطات التاريخ الجديد»، المرتبط بجوهر البعثات النبوية التي أسست لولادة التاريخ الإنساني وفق الحقيقة الإلهية القائمة على الرحمة والمحبة والعدل الوجودي.

وقال قبلان، خلال استقباله وفوداً شعبية في مكتبه في دار الإفتاء الجعفري، إن «الجذر الأساسي» للبعثات النبوية يتمثل في «إصرار السماء على أطروحة الحق الضامن كأساس للبيئة وللوظيفة الإنسانية الدنيوية»، معتبراً أن ذلك يتعارض بشدة مع بيئة الظلم المحلي والإقليمي والدولي التي كانت سائدة زمن البعثة النبوية.

وأشار إلى أن النبي محمد، رغم وجود أكبر إمبراطوريتين ظالمتين تتقاسمان العالم آنذاك، «شق طريق الحق وما يلزم لبنية العدالة الوجودية ذات القيمة الإنسانية النوعية»، مؤكداً أن النبي «أكد هرمية الإنسان بمنظومة السماء، ونادى الخليقة أن تؤوب إلى ربها»، وحذّر من «طغيان الأنا ووحشية العقل القبلي والنزعة الكيانية وغابة المال وعالم النفوذ ونماذج الاستبداد المختلفة».

وأضاف أن النبي «نادى طويلاً لمنع تمزيق الإنسان وتحويله إلى كتلة مادية أو غريزية»، وشدد على عالمية الخلق والوظيفة البشرية، وما يلزم لتأكيد الهوية الوجودية ومادة الخطاب العابر للعوالم، ومنع تكوين أسباب الظلم والجبروت والطغيان والفساد المحلي والأممي.

ورأى قبلان أن هذه المعاني «تضعنا اليوم أمام حقيقة أنفسنا نحن العائلة اللبنانية»، التي تعيش، بحسب تعبيره، «محنة التاريخ وظروف النشأة وواقع ما نحن فيه الآن من انقسام وشحن وإدارة سياسية استبدادية»، في وقت «يتسابق فيه العالم على القتل والنهب والإبادة والفظاعات وتنفيذ مشاريع اللوبيات المالية والصناعية وما يلزم لنَهَم المجمّعات العسكرية».

ودعا إلى «تأكيد مشتركاتها التي أسست لقيام هذا البلد»، معتبراً أن «سرطان السياسة التنفيذية وصيّادي اللعنة الطائفية وجماعة التبعية المجنونة يضعون البلد بقلب أسوأ شروطه التاريخية».

وقال قبلان إن لبنان يعيش «وسط شرق يعاني من مخاض ولادة إقليمية دولية جديدة»، ما يفترض، بحسب رأيه، «تأمين شروط التضامن والتكاتف والدفاع والتنسيق والتوظيف الداخلي لضبط مفهوم البلد السيادي على ما يتفق مع صميم المصلحة الوطنية والعقيدة التاريخية لا مصلحة تل أبيب».

واتهم طبقة القرار السياسي في لبنان بأنها «تضع لبنان بقلب أزمة وجود لا سابق لها وتصر على لعب دور يخدم المشروع الأميركي وما يلزم لصهينة البلد»، مؤكداً أن ذلك «لن يمر حتى لو تحوّل الشرق الأوسط إلى رماد».

وانتقد السلطة التنفيذية، معتبراً أنها «ما زالت مذعنة للعبة الأميركية»، وأنها «تخلّت عن صفتها الوطنية فيما خصّ الجنوب وجبهة الدفاع عن مصالح وسيادة لبنان».

وأضاف: «لا شيء اليوم يخدم الجيش الصهيوني أكثر من اتفاق الإطار الصهيوني الذي تحوّل بإمضاء السلطة الحالية إلى صك تنفيذي بيد إسرائيل الإرهابية للمزيد من تجريف وتدمير القرى والمنازل والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه وكل البنى التحتية على طول القرى الحدودية الجنوبية».

واعتبر أن السلطة التنفيذية لا تعتمد، وفق تعبيره، «أي سياسة سيادية سوى سياسة العكس القاتل ومزيد من الخنق والتواطؤ والتجييش ضد أهل الجنوب والضاحية والبقاع»، محذراً من أن هذا المسار «خطير للغاية لأنه يؤسس لمرحلة ونهج وعقل سلطة تنفيذية تريد ضرب صميم مكونات لبنان وتنهي الصيغة الوطنية وتدفع نحو فتنة لا سابق لها بتاريخ التدمير المحلي والإقليمي».

وفي ما خصّ الطائفة الشيعية، قال قبلان: «لأن المناسبة مناسبة أعظم رحمة نبوية، فإن ما تتحمله الطائفة الشيعية منذ ما يقرب من ثمانين عاماً لم يتحمله أحد على الإطلاق، وما سلّفته هذه الطائفة للبنان يفوق أصل وجود لبنان وتضحياته التاريخية، والمطلوب إنصافها».

وأضاف: «لأن الظلم لا يدوم، ولأن واقع الإقليمي وما ستنتهي إليه الأمور لا يساعد مقامرة السلطة التنفيذية، فالحل بالعودة للبنانها والصيغة الوطنية التوافقية والخروج من لعبة تطويب البلد لواشنطن وتل أبيب».

ووجه قبلان خطابه إلى الشعب اللبناني والقوى السياسية، قائلاً إن «لعبة القتل السياسي واضحة ومكشوفة وخطيرة جداً»، وإن «من يتنكر للتضحيات الوطنية وما قدمته المقاومة التي استردت البلد والدولة ومؤسساتها يتنكر للبنان ويلعب لصالح واشنطن وتل أبيب».

وشدد على أن «اللحظة للتلاقي لا الانقسام»، معتبراً أن مناسبة ولادة النبي محمد «تفترض أن ننهض بالحق الوطني لا الطائفي، وأن نكون للبنان لا لواشنطن وتل أبيب».

وقال إن «اللحظة لجرد المسؤوليات التاريخية لا للمجاملة»، محملاً «الجميع مسؤولية الظلم والانتحار السياسي الذي يضع لبنان بقلب أسوأ وضعية منذ تاريخ نشأته».

وختم قبلان بالقول إنه «لا شيء بهذه المناسبة أهم للمنطقة والإقليم من تسوية تجمع الدول العربية والإسلامية على مشروع ينهي بقية الهيمنة الأميركية الصهيونية بالشرق الأوسط بعدما أجهزت طهران على أعمدتها وحصون استبدادها الإقليمي».

وأضاف، «ما تقوله السماء بهذه اللحظة: لا شيء أعظم عند الله من وحدة الأوطان وتضامنها وتكافلها السيادي، ولا وحدة وطنية في لبنان بلا عدالة تمثيلية وسياسية وبلا معاداة سيادية لإسرائيل الإرهابية».