تقول العميدة المتقاعدة دلال الرحباني إنّ التنصّت كان في الأمن العام وفي الشعبة الثانية وحتى في شركات خاصة وإن معظم أجهزة مخابرات العالم كانت تنشط في لبنان. مع انقسام الأمن العام بعد رئاسة العماد ميشال عون للحكومة العسكرية، صار اللواء نديم لطيف مديرًا عامًا ولكنّه عمل بعقلية المفتّش الذي يبحث عن غلط ويريد أن يصحّحه ولكنّه لم ينجح. المهندس ريمون روفايل اختاره الرئيس الياس الهراوي وهو ابن خالته، لكنّه بحسب الرحباني لم يحقّق إنجازات وعلى أيامه تمّ نقلها من المعلومات إلى مركز الأمن العام في وزارة الخارجية بسبب خلاف بينها وبين المفوض شوقي خليفة وقف فيه روفايل إلى جانب الثاني. العميدة الرحباني تروي أيضا لـ"نداء السنين" في هذه الحلقة الثانية قصة الصندوق الأسود والمصاريف السرّية في الأمن العام والفرق بينهما.
- كنتِ تتفاجئين بمعلومات تصل إليك عن ناس تعرفينهم؟
أكيد. كنت أتفاجأ أيضًا أنهم ما كانوا يعرفون أننا نعرف.
- مثلا؟
مثلا شخص عامل شي شغلة نحن نعرفها ونكون موجودين في مؤتمر مثلا ويأتي هذا الشخص ويشرح مطوّلا ويحكي عكس ما هو فاعله وبعكس ما نعرف عنه. هذا هو لبنان. كنت مثلا أمثِّل المدير العام في مناسبات ولا مرّة كنت أقدر زقّف. بكون عم خون حالي. أنت اللي الناس عم تزقّفلك على الشي اللي عم تقولو مش هيدا الحقيقة. مش هيدا المظبوط.
- كنتم تجمعون معلومات عن كل الشخصيات السياسية؟
كلّ الناس. سياسي وغير سياسي.
- كانت هناك أهداف محدّدة؟ كانت هناك استثناءات؟
كل العالم. استثناءات ما في.
- يمين ويسار؟
نعم. أبدًا أبدًا لا توجد استثناءات.
- من هم مع الدولة ومن هم ضدّ الدولة؟
كلّ الناس. بدّك تحمي ظهرك. أكيد كانت الخطوط مفتوحة في تلك الأيام وكل الناس تعرف. لم تكن المسألة سرّية.
- التنصّت الأساسي كان في الأمن العام؟
عندنا وعند غيرنا. ليش الشعبة الثانية لم يكن عندهم تنصّت؟ أكيد عندهم. هناك مؤسسات خاصة كان عندها تنصّت وهؤلاء ما كان حدا يعرف فيهم.
- مثل من؟
لا أعرف. كانوا يجوا مخابرات الدول. إذا أنا مواطن عادي ما فكّرت أنّهم عم يعملوا هيك يكونون هم غلطانين وعم يشتغلوا غلط. ما فيك تشتغل مخابرات على الظاهر. أبدًا. بدّك تشتغل على الشي اللي ممكن تعملو وما حدا بيحكي عنّو. إلا إذا بالصدفة طلع شخص مناسب لتطبيق القانون ويحاول أن يظهر يا لطيف مدري شو عملنا. يعملون منها فضيحة أو يكونون يريدون منه شيئًا ما. بتطلع الفضيحة مرّة. شوي بتنطفي وتنسى الناس. بيعملوا شغلة ثانية أقوى منها بينسوها. مرّت فترة عندما كنا لا نزال نتمرّن اشتغلت في الرقابة على الصحف. كانت الجريدة نجيبها ونقراها قبل ما تطلع. نشطِّب منها.
- أيام الرئيس الجميل؟
قبل. كانت تطلع جريدة "النهار" مثلا فيها محلات فاضية.
- كانوا يطلبون من الصحف إحضار أخبار إضافية معهم لوضعها محلّ الأخبار التي يتمّ حذفها حتى لا تكون هناك مساحات بيضاء.
أنا ما كنت. كنت من اللي عم يشطّبوا. ماذا كانوا يفعلون غير ذلك؟ لا أعرف.
- مع الجنرال ميشال عون سنة 1988، حصل أيضًا انقسام في الأمن العام. صار اللواء نديم لطيف مديرًا عامًّا والعميد أسعد الطقش في الغربية. ما الجديد الذي أضافه اللواء لطيف على الأمن العام؟ صار كل الجهاز يتبع للجنرال عون؟ هل تبدّلت طريقة عملكم؟
هذا الانقسام يختلف كثيرًا عن انقسام 1976 الذي تعاطينا معه كأمر واقع. هنا صار ضغط. كنّا على المتحف وكان يحصل قصف ووضع أمني ثقيل. حصل الانقسام وأتى نديم لطيف. كنّا مع جميل نعمة الشغل مرحرح، ليس شغل سترس (STRESS) كلّ الناس تشتغل وماشي الحال. أتى اللواء نديم لطيف وكان في قوى الأمن الداخلي مفتّشًا عامًّا. أتى بعقلية المفتّش الذي يبحث عن أمر مش مظبوط وغلط وبدّي ظبطو. هذه خلفيته. جابو الجنرال عون. شخص آدمي وأثق به أضعه في الأمن العام. انقسم الأمن العام. ناس راحوا لهونيك ونحن بقينا هنا. في أيام نديم لطيف انضرب مكتبي بصاروخ من الأشرفية.
- في حرب الإلغاء؟
نعم. الإلغاء والتحرير. كانت توجد خزانة في مكتبي وهو يطلّ على أوتيل ديو. وكنت أفتح الخزانة وأقفلها وأعود وأجلس. لم أكن عالمة بما يحصل. وصلت في أحد الأيام فقالوا لي إن صاروخًا أصاب مكتبي.
- اشتغلتم وقتها معلومات عن "القوات اللبنانية"؟
لا. كانوا يرونني أفتح الخزانة وأغلقها كل يوم. ربّما اعتقدوا أنّ فيها شيء. ولكن ما كان فيها شي.
- بقيتِ في المعلومات؟
نعم.
- بَقِيَتْ متابعة المعلومات كما كانت؟ المصادر نفسها؟
لم يتغيّر شيء. ممنوع حدا يفوت. ممنوع ورقة تطلع. طالما أنّ هذا المُخبر يقبض يظلّ يعطي معلومات.
- الصندوق الأسود كان في الأمن العام؟
ليس في ذلك الوقت.
- المصاريف السرية مع من كانت؟
المصاريف السرية غير الصندوق الأسود. تأتي عبر موازنة من الدولة معروفة بالتحديد. ولكن ما حدا بيسألك كيف صرفتها. تأتي كل شهر إلى المدير العام وهو حرّ أن يتصرّف بها كما يريد للمصلحة العامة. مصلحة الدولة والأمن العام. الصندوق الأسود مثل كل الصناديق السوداء، كما كان في الكازينو.
- كانت هناك إيرادات خاصة بالأمن العام؟ من أين كانت تأتي؟
مثلا إذا شركة مهمة تريد أن تنجز معاملاتها تطلب أن تتبرّع بمساعدة. مكيّف هواء مثلا. مثل المعاملات المعجّلة. ما كنت شوفها غلط. الغلط عندما أنت تفرض شيئًا على العالم. هم لوحدهم يقدّمون. عندما أقول لك لا أعمل لك هذه المعاملة إلا مقابل مبلغ معيّن أكون أُسَمسِر وهذا غلط. إذا أنا ساعدتك هذه ليست سمسرة. هناك تعامل إنساني وهناك استغلال. الاستغلال يتطلّب المحاسبة.
- كانت تأتي أموال؟
الأموال كانت تأتي من محلات معيّنة. مش مين ما كان بيعطي مصاري للأمن العام. تأتي إلى مكتب المدير العام لأنّه هو الذي عليه أن يتصرّف. لا تأتي إلى المكاتب. عندما تصل إلى المكاتب بتصير غلط.
- كيف توحّد الأمن العام مع عهد الرئيس الياس الهراوي بعد حكومة العماد ميشال عون؟ لم تأخذ العملية وقتًا كما عام 1976؟
لا لأنّه صار هناك أمر واقع. انكسار وخسارة. الأمن العام بقي يشتغل أمن عام وأتاه مدير من برّا. نبقى قاعدين بالمكتب وما نشوفو إلا واقف. يوقف حدّي.
- اللواء لطيف؟
نعم. جايي ليشوف إذا كنّا نشتغل أم لا. هذه ليست طريقة ولكن هو كان يرى أنّ هذا الأمر صحيح. كان كأنّه عم يعمل كبسة. كل واحد معروف من هو وكيف يشتغل. عندما كان يأتي مرة ثانية كنت أكمل العمل. أقف وأقدّم له التحية احترامًا وأعود وأجلس. يقول لي: كفّي كفّي. وكنت كفّي. ما كنّا معتادين على هذه الطريقة.
- بعده أتى ريمون روفايل؟
نعم. ريمون روفايل أتى ولم يكن عنده خبر بشيء.
- كان مدنيًّا أيضًا
مهندس. إبن خالة الرئيس الهراوي. تعا بحطّك مدير أمن عام. كان يضلّ قاعد يدخّن. توصل رائحة الدخان في مكتبه إلى المدخل. كان يدخّن كثيرًا. لم تكن عنده خبرة في الإدارة وكانت المرحلة صعبة لتوحّد الجهاز. ضباط الأمن العام كل واحد منهم يعرف ماذا يعمل. أتوا وقلّعوا بالشغل. ولكن هو كمدير لم يكن ذلك المدير الذي أضاء في عمله. كلّ مدير أضاء بناحية معينة. هو لم يضوِّ. ما صار في شي في أيامه. ما صار تغيير. مذكّرة ما تغيّرت على رغم تغيّر الأحوال. في قضية صارت معي. رئيس المعلومات طلب منّي بعتيلي ملف فلان.
- من كان؟
شوقي خليفة. مخابراتي رقم واحد. كلّ عمره في الأمن العام. قال لي: بعتيلي ملفّ فلان. قلت له: لا. أنت تعرف. أعمل لك ملخّصًا وأُرسِله لك. الملف بيطلع لعند المدير العام فقط. هذه هي التعليمات ولم تصلني تعليمات غيرها. لم يعجبه ذلك. عملت له ملخّصًا عن الملف. طلبت من الموظّف أن يعمله. كتبه وأحضره لي وجبت الملف ووضعته عندي. وأرسلت له الملخّص في فايل خصوصي. دقّلي. وقال لي: طلعي لعندي. طلعت. قال لي: هيدا شو؟ أنا بدّي شوف شو في عليه. قلت له: هيدا اللي عليه. أنا مسؤولة والملف تحت مسؤوليتي. وهذا الموجود وما في شي تاني. أصرّ: طلّعيلي الملف. أمر عسكري.
- كان أعلى منك رتبة؟
نعم. نزلت. أمر عسكري لم أنفّذه. حكيت مع المدير وقلت له تعليماتي هيك هيك وهو يريد الملف. قال لي: بعتيلي ياه. أرسلته. عرفت أنّه سيعطيه إيّاه. الملف صار عنده. وعاد خليفة وأرسله إليّ مع موظف من عنده ليفرجيني شو صار. عرفت أنّ المشكل وقع. طلعت تشكيلاتي. شالوني من المعلومات حطّوني في شعبة الأجانب وهي مهمّة جدًّا استلمتُها. كان فيها أكثر وقت سمسرة في تلك الأيام. إقامات. عندك واحد مخالف تدفع عليه وتعمل له تسوية وضع. حكيت مع رئيس الدائرة وقلت له سأوقّع البريد الذي يأتي من المناطق ولا شبهة عليه. البريد المباشر فلينجزه موظّف من عندك مباشرة. ينجز المعاملات ويرسلها لك، أنا لا أوقّع عليها. كان يعرفني ويعرف طريقة عملي. وافق. بعد فترة أرادوا أن يعملوا تسوية أوضاع. كان العامل الأجنبي يكلّف 300 دولار على كلّ معاملة.
- رسم؟
سمسرة. عرفت. كيف بدّها تصير معي؟ ذهبت يوم اثنين إلى العمل وجدت على المكتب برقية بنقلي إلى وزارة الخارجية. مركز الأمن العام في وزارة الخارجية. فرحت بهذا التكليف. طلعت استلمت فوق وكانت أجمل فترة خدمة لي. دبلوماسيون لا يتعاملون إلا بدبلوماسية. معوّدين عسكر.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
يتبع السبت 29 آب 2026
اللواء جميل السيّد: أنا مرْجَعُكم الأعلى. أنا الآمر الناهي
بعد اغتيال الحريري انتظرنا توقيفه، في شي بدّو يصير