ريتا عازار

أحبّك يا "حنفيّة" مياه الشرب حتى آخر قطرة!

6 دقائق للقراءة

ثمة نساء يخفن من الظلام، والفئران، والطائرات، والعناكب... ورجال يجيبون: "سنرى"، عندما يُسألون عن مستقبل علاقاتهم. أما أنا، فخوفي أكثر واقعية، وأكثر رطوبة، وقبل كل شيء، هو خوف لبناني بامتياز: أنا أخشى أن تجفّ "الحنفيّة"، وبعدها الخزانات، لا سمح الله!

منذ أيام، قرأت أن عطلا طرأ على قسطل أساسي، وأن المياه ستنقطع عن المنطقة التي أسكن فيها، فأُصبت بهلع عجيب. أنا هنا لا أتحدث عن قلق منزلي بسيط، مثل: "أوه، لا ماء اليوم، ستعود غدًا". كلا، أنا أصنّف انقطاع الماء فورًا على أنه "كارثة وطنية". ولو جلست على أريكة تحليل نفسي، قد يستنتج المحللون أنها "تروما" من الطفولة، جذورها ضاربة في بداية الحرب، عندما كانت تعبئة المياه بالغالونات الزرقاء مهمتنا اليومية نحن الصغار.

وربما لهذا السبب أستطيع سماع ضوضاء في المطبخ في الثالثة صباحًا. أحيانًا أعود إلى النوم، وأقنع نفسي بأنه ربما لا شيء. لكن إذا كان صوت "الحنفيّة" "بف" بدلا من "تششششش"، أستيقظ في غضون ثانيتَين، حافية القدمين، وشعري أشعث، وقلبي يدق بشدة كما لو أن فيروز تغني الآن "فايق يا هوى"!

أفتح "الحنفيّة". قطرة. فأنتظر. قطرة ثانية. أغمض عيني. ثم فجأة "تسعل" الأنابيب. أيها السيدات والسادة، أفراد "الأوركسترا الوطنية"، تعود "الحنفيّة" لتغني من جديد، وأنا أكاد أبكي من الفرح.


فرحة لا توصف

لا بد لي من الاعتراف بأمر قد يبدو غريبًا للشخص العادي: صوت المياه العائدة يمنحني فرحة لا توصف. أنا أفتح "حنفيّة" الشرب لأبدأ نهاري. تلك الغرغرة الخفيفة غير المنتظمة، وارتجاف الأنابيب، وتدفق الماء الخافت العائد بعد اختفائه، كل ذلك يشكّل، بالنسبة لي، سيمفونية حقيقية.

بل إن هناك تفاصيل دقيقة. فصوت "الغرغرة" الخفيف يعلن أن شيئًا ما على وشك الحدوث. و "النفخ" يأمرني بالهدوء. أما "الصمت" المتواصل فيجعلني أرغب في تقبيل السبّاكين كلّهم، ليستعجلوا في إصلاح العطل في أسرع وقت. وعندما يتدفق الماء بضغط كاف لملء دلو في أقل من عشر دقائق، بإمكاني تنظيم حفل موسيقي. على يساري، جهة القلب، فيروز. على يميني، أوركسترا كاملة. في المنتصف، "حنفيّتي". وأنا جالسة في الصف الأمامي، يداي متشابكتان، غارقة في مشاعر جياشة.

أعلم أنّ البعض قد يجد هذا مبالغًا فيه. ربما لأنهم لم يختبروا قط نقصًا حقيقيًّا في المياه.


المحمية الوطنية الكبرى

في منزلنا، الماء ليس مجرد ماء. إنه حدث مميز، وشأن عائلي، واستراتيجية عسكرية. سؤال قد يُطرح أثناء تناول الطعام: "هل عادت المياه؟". وقد يُطرح هذا السؤال حتى قبل كلمة "مرحبا". لا نسأل دائمًا عن الأحوال، بل نسأل إن كانت المياه قد عادت. وإذا أجاب أحدهم بنعم، ينتشر الخبر في أرجاء المنزل كالنار في الهشيم: عادت المياه! نفتح "الحنفيّات"، ونسعد بصوت الخزانات والحياة تدبّ فيها من جديد، ونملأ الزجاجات، والدلاء، وأحواض الاستحمام. ربما نملأ شيئًا نسيه أحد أصلا.

وأنا أراقب كل شيء بيقظة مراقب الحركة الجوية. فمن يدري؟ فقد تختفي المياه مجدّدًا، أو تعود لعشرين دقيقة، متظاهرة بالعودة، ثم تختفي بغطرسة مفرطة! لذا، أغتنم الفرصة. أستمتع بامتلاء الخزان، وأتأكد. أغلقه، ثم أفتحه مجدّدًا، وأتأكد مرة أخرى. أحيانًا أشعر وكأن منزلنا لم يعد بيتًا، بل محطة صغيرة لمعالجة المياه تديرها امرأة متوترة بعض الشيء.

يبدأ الكابوس الحقيقي عندما أفتح الحنفية ولا يحدث شيء! لا شيء، لا قطرة، لا همس، ولا حتى صوت خافت يبعث على الطمأنينة. حينها يبدأ عقلي بالتفكير: "ربما تعود المياه بعد خمس دقائق". تمر خمس دقائق: "ربما بعد عشر دقائق". تمر عشر دقائق: "ربما هناك مشكلة".

عند هذه النقطة، أبدأ بتخيّل أكثر السيناريوهات عبثية: اختفى المصدر. الخزان فارغ. الحيّ بأكمله في خطر. قررت الأنابيب الإضراب. شخص ما، في مكان ما، أغلق صنبورًا ضخمًا ويرفض إخبارنا بالسبب. وأنا هنا، أمام "حنفيّتنا" الصغيرة، كبطلة تراجيدية تنتظر إشارة من القدر. أفتحها مرة أخرى. لا شيء. أديرها في الاتجاه الآخر. لا شيء أيضًا. وكأن تغيير الاتجاه كفيل بحلّ المشكلة فجأة. يا إلهي، كم أكره الحصى والرمل في مياه الصهاريج!


رهاب متجذر

لقد غيّر هذا الخوف سلوكي أيضًا. لا أشعر بالراحة التامة أبدًا. عندما أغادر المنزل، يسألني صوت داخلي إن كان لديّ ما يكفي من الماء. يكفي لأيّ أمر تحديدًا؟ لست أدري. غزو من الزومبي. انقطاع عام للتيار الكهربائي. وباء جفاف. كارثة تصبح فيها المياه فجأة أثمن من الذهب. أنظر إلى مخزوننا وأفكر أنه ربما لا يكفي. فأضيف زجاجة. ثم أخرى، ثم ثالثة، وهكذا "قنانيك"!

يتذمّر البعض عندما يكون ضغط الماء في الدش منخفضًا بعض الشيء. أما عندما يكون ضغط الماء في دشّي جيدًا، فأشكر الله في سرّي. أقف تحت الماء بامتنان قد يجعلكم تظنون أنني فزت للتو برحلة إلى جزر المالديف. أراقب الماء وهو يتدفق. إنه يتدفق حقًّا. بلا توقّف. أكاد أشكره: "استمر يا عزيزي. لا تفعل بي هذا اليوم".

بدأت أنمّي علاقة عاطفية مع نظام السباكة. أعرف صوت أنابيبي. أميّز بعض أصوات الغرغرة. أعرف متى يدخل الماء بتردّد. أعرف متى يكون غاضبًا. أعرف متى يعود بعد غياب طويل وكأنه يعتذر. وعندما يعود بقوّة، أشعر بفخر لا يُفسّر، كما لو أنني تفاوضت شخصيًّا مع السلطات لإعادته.

أعلم تمامًا أن ردّة فعلي مبالغ فيها. أعرف أنّ هناك مشكلات أكثر خطورة. وأعرف أيضًا أنّ المياه ستعود في النهاية. لكن حاولوا أن تشرحوا ذلك لجهازي العصبي. إنه لا يصغي لأحد. جهازي العصبي لبناني، نشأ على فكرة أنه ينبغي اغتنام الفرص الجيدة حين تظهر. تعود الكهرباء، فنشحن كل شيء. تعود المياه، فنملأ كل شيء. يعود الإنترنت، فتتصل العائلة بأكملها في الوقت نفسه.

وعندما يعمل الثلاثة معًا، لا نلمس شيئًا. نتنفس بهدوء. لا نتحدّث بصوت عال. نشكر القديسين جميعهم. نستمتع بهذه المعجزة التكنولوجية.


سعادتي المائية البسيطة

أخيرًا، أدركت أنّ رهابي لم يكن مجرّد خوف، بل كان أيضًا طريقة غريبة لحب الماء. لأنكم عندما تخافون من فقدان الشيء، تتعلمون الإصغاء لعودته. وأنا أصغي. أصغي إلى الأنابيب. أصغي إلى "الحنفيّة". أصغي إلى تلك القطرة الأولى التي تسقط ببطء مسرحي. ثم الثانية. ثم الثالثة. وأخيرًا، العودة العظيمة. يزداد الضجيج. تتدفق المياه، ويضيء وجهي فرحًا. أكاد أتصل بأحبّائي كلهم.

"لقد عادت!"، ولن يسألني أحد عمّن أتحدث. إنهم يعرفون. المياه. يا إلهي. يا فيروزي المائية، يا حبّي المنزلي العظيم.

أجل، لديّ فوبيا. فوبيا حقيقية. أخشى أن أفتح "الحنفيّة" يومًا ما فلا تستجيب. لكن ما دمت أسمع ذلك الخرير الخافت الرائع معلنا عودتها، سأشعر بالاطمئنان، وربما حتى ببعض السعادة.

بعض النساء يحتجن إلى إعلانات حب مدوية. أما أنا، فيكفيني أن أسمع حنفية تقول بهدوء: "لقد عدت". فأذوب!