مروان الأمين

مين "فَرعَنَك" يا شيباني؟

3 دقائق للقراءة
مقر السفارة الإيرانية في بيروت (وكالات)

مرّة جديدة، تطلق السلطة السياسية النار على سيادتها وهيبتها، وتحوّل قرارًا كان يمكن أن يشكّل محطة مهمة في مسار استعادة الدولة سلطتها إلى دليل إضافي على عجزها عن فرض هذه السلطة.

في 24 آذار، بدا قرار اعتبار السفير الإيراني في لبنان محمد رضا الشيباني شخصًا غير مرغوب فيه خطوة سياسية وسيادية بالغة الأهمية. فالقرار، في جوهره، لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل رسالة واضحة برفض التسلّط الإيراني على القرار اللبناني، ووضع حدّ لاستباحة لبنان والتدخّل في شؤونه على مستويات عدة.

لكن ما جرى بعد ذلك أفرغ القرار من جزء كبير من مضمونه. فالسفير الإيراني رفض احترام القرار اللبناني، وضرب بعرض الحائط الأعراف الدبلوماسية، ولم يغادر الأراضي اللبنانية ضمن المهلة التي حدّدتها السلطات اللبنانية في 29 آذار.

هنا لا تعود المسألة مرتبطة بشخص السفير أو بخلاف دبلوماسي عابر، بل تصبح مسألة هيبة دولة. فبقاء الشيباني في لبنان بعد انتهاء المهلة التي حددتها السلطة يعني عمليًّا التعامل مع القرار اللبناني وكأنه غير موجود، ومع الدولة هزيلة وضعيفة ولا تحترم قراراتها قبل أن تسأل عن احترام الأخرين لها.

والجزء الآخر الخطير في هذا المشهد، هو أن الجهات الأمنية المعنية بتنفيذ القرار لم تتخذ أي خطوة عملية تضعه موضع التنفيذ. وفي المقابل، استمر السفير الإيراني في التنقل في شوارع بيروت، والمشاركة في لقاءات سياسية واجتماعية، وكأن القرار الصادر بحقه غير موجود أصلاً.

ما حصل بين 29 آذار و24 آب، تاريخ انتهاء تأشيرة الشيباني وتجديد السلطة السياسية لإقامته، ليس تفصيلا إداريًّا عابرًا، بل مسار متراكم من الإهانات التي ارتضت السلطة اللبنانية أن تلحقها بهيبتها، وبلغ ذروته بمنحه إقامة لمدة ستة أشهر.

لنصف المشهد بدقة: اتخذت الدولة اللبنانية قرارًا بحق السفير الشيباني، لكنه رفض الامتثال لقرارها، رفض يشكّل بحد ذاته عدم احترام للدولة واستخفافاً بهيبتها. كان يفترض أن يكون الرد واضحًا: تطبيق القانون وتنفيذ القرار، أيًّا يكن الشخص المعني به ومهما كانت الجهة التي يمثلها.

لكن ما حصل كان العكس تمامًا. فبدلا من أن تتعامل الدولة مع رفض الشيباني لقرارها باعتباره إهانة للبنان تستوجب رد حازم، انتهت إلى الخضوع مع الأمر الواقع الذي فرضه هو، من خلال تجديد إقامته على الأراضي اللبنانية.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد. فالدولة لم تكتفِ بعدم تنفيذ قرارها، بل ذهبت أبعد من ذلك: منحت، عمليًّا، شرعية إدارية لبقاء شخص استخف بقراراتها وأهانة هيبتها. أي أن من رفض قرار الدولة استطاع، في نهاية المطاف، أن يفرض على الدولة التراجع عن قرارها، وشرعنة بقاءه على الأراضي اللبنانية.

إذا كانت الدولة تريد إقناع اللبنانيين والمجتمع الدولي بأنها جادة في استعادة احتكارها للقرار الأمني والعسكري، فعليها أولا أن تثبت أنها قادرة على تنفيذ قراراتها السيادية، أيًّا يكن الطرف المعني بها.

إن رفض الشيباني قرار الشرعية اللبنانية، وفرضه بقاءه في لبنان، ثم خضوع السلطة لهذا الأمر الواقع، ليس سوى وجه آخر لاستمرار نفوذ "حزب الله" وإيران على القرار اللبناني. فالدولة التي تعجز عن تنفيذ قرارها باعتبار سفير شخصًا غير مرغوب فيه، كيف يمكن أن تكون عنوان ثقة في تنفيذ قرار أكثر حساسية، كحصر السلاح بيدها؟