المشهد اللبناني خليط من التراجيديا والسوريالية. ونحن في حكومة واحدة و"لبنانين" لم يبق جسر بينهما: واحد في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا ودعم أوروبا والأشقاء العرب. وآخر يطالب الدولة بالوقف الفوري للتفاوض، والتراجع عن قرارات مجلس الوزراء حول سحب السلاح من "حزب الله" واعتبار نشاطاته العسكرية والأمنية خارج القانون. الأول يبحث عن "سلام مستدام"، وهو يعرف أنه لن يحصل على شيئ من دون سحب السلاح وتفكيك البنية التحتية العسكرية فوق الأرض وفي الأنفاق. والثاني جزء من مشروع حرب دائمة مع إسرائيل وأميركا، ولو توقفت أحيانًا، وهو يدرك أن المطلوب منه ليس فقط التخلي عن سلاحه بل أيضًا الخروج من مشروع الحرب.
وليس أكبر من ثمن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل سوى كلفة وقف التفاوض. ثمن المفاوضات ليس مجرد التعثر في بداية الطريق أو منتصفه أو قرب النهاية، وبالتالي عدم الحصول على شيئ بمقدار ما هو فرض الصدام بين "اللبنانيين" أو أقله الانقطاع. وكلفة التوقف تبدأ بمواجهة مخاطر اللعب مع إسرائيل وأميركا ولا تنتهي باستمرار الاحتلال وتأكيد الامتناع العربي والدولي عن المساعدات وإعادة الإعمار وعودة النازحين، وبالتالي تعميق الأزمة الاجتماعية والمالية والاقتصادية وإعادة تكريس سيطرة "حزب الله" على الوضع السياسي وقرار الحرب والسلم.
ذلك أن اللبنانيين ليسوا أكثر وطنية من المصريين والأردنيين والفلسطينيين والسوريين. فهؤلاء دخلوا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وعلى مستويات رفيعة، ولا يزال بعضهم يفاوض أو يطالب بمفاوضات. لكن المشكلة أن "المقاومة الإسلامية" محور في مشروع أكبر من "حزب الله"وبقية الأذرع ومن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الموقت والخطر الإسرائيلي الدائم. فلا قضية تلة علي الطاهر سوى تفصيل في معركة كبيرة مرتبطة بالصراع بين إیران وأميركا وإسرائيل. ولا قائد فيلق القدس الجنرال إسماعیل قاآني الذي له دور مباشر في العراق ولبنان واليمن يكتم القول "إن محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية سيستمر في العمل في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين حتى ظهور الإمام الغائب وتشكيل حكومته العالمية".
وعنوان الصراع حاليًّا، في انتظار مجيئ صاحب الزمان، هو من يطوّع من وماذا ؟ محور "المقاومة الإسلامية" يريد تطويع غرب آسيا لتصبح المنطقة على صورته ومثاله. وأميركا ومعها القوى الإقليمية التي تعمل ليكون السلام المستدام في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن مستقبل المنطقة تجد المهمة الملحة أمامها هي تطويع إیران ومحورها ليصبح كل شيئ على صورة سلام المنطقة ومثاله. وما دامت الحرب "استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى" حسب كلاوزفيتز، فإن المفاوضات يمكن أن تكون أحيانًا استمرارًا للحرب بوسائل أخرى.
أما انتظار لبنان المفاوض لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية في إسرائيل وأميرکا، فإنه مجرد شراء وقت، لأن ما يعرقل المفاوضات مستمر بعد الانتخابات سواء بقي نتنياهو أو وصل إيزنكوت أو سواه. فلا إسرائيل تريد حاليًا الانخراط في سلام مستدام، ولا "حزب الله" يمكن أن يعلن الخروج من الحرب، ولو أعطي كل ما يطلبه. والاتفاق الإطاري محكوم بالدوران حول ترتيب داخلي ضمن ترتيب إقليمي ودولي أوسع. وكلها انتظارات.
والمشكلة هي مع ما يسميه محمد أركون "العقل الأيدي".