ريشار حرفوش

الإدارة الأميركية تستدعي برّاك في الأيام المقبلة

5 دقائق للقراءة
المبعوث الأميركي كشف جانبًا من مضمون لقاء عون - أردوغان

لم تكن العاصفة التي أثارها توم برّاك في بيروت الأولى من نوعها، لكنّها بدت هذه المرة أوسع من أن تختصر بتوضيح لاحق أو بتفسير لغوي لعبارة أخرجت من سياقها، فالرجل القريب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجح، خلال أيام قليلة، في إثارة حساسيات لبنانية وإسرائيلية في آن واحد، بعدما تحدث عن صعوبة معالجة الملف اللبناني من دون "حزب الله" وإيران، قبل أن يدخل في سجال آخر حول الجولان، ما أعاد طرح السؤال داخل الأوساط الدبلوماسية: هل كان برّاك يعبّر عن سياسة أميركية جديدة، أم أن اندفاعه الإعلامي تجاوز الخطوط التي رسمتها واشنطن؟

مصادر قريبة من الإدارة الأميركية أكدت ألا تغيير طرأ على الثوابت الأميركية في الملف اللبناني، وأن "حزب الله" بقي بالنسبة إلى واشنطن منظمة مصنفة إرهابية، فيما لم تتبنّ الإدارة أي صيغة لإشراكه كطرف سياسي في مفاوضات تقودها الولايات المتحدة.

ولفتت المصادر إلى أن ما حاول برّاك التعبير عنه انطلق، على الأرجح، من مفهوم "البراغماتية الأميركية"، أي ترك كيفية معالجة وجود الفصائل المسلحة للدولة المعنية، من دون أن يعني ذلك منح هذه الفصائل شرعية تفاوضية أميركية. واستعادت في هذا السياق ما قاله ترامب للرئيس جوزاف عون، لجهة استعداد واشنطن للمساعدة أو فتح قنوات إذا طلبت الدولة اللبنانية ذلك، معتبرةً أن الشرط هنا كان أساسيًا: المبادرة تعود إلى الدولة اللبنانية، لا إلى "الحزب".

لكنّ المشكلة، وفق المصادر نفسها، لم تكن في الخلفية بقدر ما كانت في طريقة التعبير عنها، فقد أشارت إلى أن الولاية الثانية لترامب شهدت توسعًا في إسناد ملفات دبلوماسية شديدة الحساسية إلى شخصيات آتية من عالم الأعمال أو من الدائرة السياسية والشخصية للرئيس، لا من السلك الدبلوماسي التقليدي.

واعتبرت أن هذا الواقع أثار ملاحظات داخل وزارة الخارجية وبين دبلوماسيين محترفين، بسبب الفارق في أسلوب إدارة الرسائل السياسية وفي آليات التنسيق مع المؤسسات الأميركية.

وفي هذا الإطار، تحدثت مصادر دبلوماسية غربية عن تداول احتمال استدعاء وزير الخارجية ماركو روبيو لبرّاك خلال الأيام المقبلة إلى واشنطن لمراجعة سلسلة المواقف الأخيرة، من دون أن تجزم حتى الآن بما إذا كان الأمر سيؤدي إلى تغيير في مهمته أو في صلاحياته، مؤكدةً أن قرب برّاك الشخصي من ترامب بقي عاملا أساسيًا يحول دون القفز سريعًا إلى استنتاجات عن إبعاده.

أما التصحيح الذي أصدره برّاك لاحقًا، فاعتبرته المصادر دليلا إضافيًا على حجم الضجة، فقد عاد وشدد على أن الولايات المتحدة تتعامل مع الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية، وأن "حزب الله" منظمة إرهابية لا تفاوضها واشنطن، مؤكدًا أن حديثه السابق كان توصيفًا لتعقيدات الواقع وليس اقتراحًا لطاولة تفاوض جديدة.

المشهد نفسه تكرر في الملف السوري – الإسرائيلي، فبعد كلامه عن الجولان وما أثاره من رد إسرائيلي حاد، اضطر برّاك إلى توضيح أن موقف واشنطن من الجولان، الذي حدده ترامب عام 2019، لم يتغير، فبذلك وجد المبعوث الأميركي نفسه، خلال فترة قصيرة، أمام ضرورة تفسير موقفين أحدثا سجالا مع حليفين أساسيين لواشنطن، وفي لبنان، حملت القضية بعدًا أكثر حساسية.

مصادر دبلوماسية غربية ربطت جانبًا من كلام برّاك بالمضمون الذي سمعه خلال الاتصالات اللبنانية - التركية، ولا سيما في أعقاب لقاء عون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحيث اعتبرت أن برّاك، المعروف بعلاقته الوثيقة بأنقرة، أعاد في تصريحاته عرض جزء من المقاربة التي نقلها الجانب اللبناني حول صعوبة معالجة ملف السلاح في ظل الاختلال الكبير في الإمكانات بين الدولة و"حزب الله".

وبهذا المعنى، قالت المصادر إن كلامه لم يكن رسالة أميركية جديدة إلى بيروت ولا عرضًا تفاوضيًا لطهران، بقدر ما كان إعادة إنتاج لمناقشات دارت خلف الأبواب المغلقة، غير أن إخراج هذه المناقشات إلى العلن وضع الرئاسة اللبنانية في موقف حساس، لأنه كشف جانبًا من مضمون اللقاءات أو الاتصالات التي كان يفترض أن تبقى ضمن القنوات الدبلوماسية.

وفي المقابل، شددت مصادر قريبة من الإدارة الأميركية على أن واشنطن لم تتراجع عن دعم مسار حصر السلاح بيد الدولة، ولم تبلغ بيروت بأي تعديل في موقفها، كما أكدت أن الاتجاه القائم ظل يقوم على التعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الشريك، وعلى إبقاء معالجة "حزب الله" ضمن مسؤولية المؤسسات اللبنانية، مهما كانت صعوبة المهمة.

وفي موازاة ذلك، توقعت المصادر أن تشهد المرحلة التي تلي الانتخابات النصفية الأميركية مراجعة أوسع لبعض المواقع والتعيينات الدبلوماسية، وأن تبدأ ملامح هذه التشكيلات بالظهور مع مطلع العام الجديد، خصوصًا إذا حافظ الجمهوريون على موقع قوي داخل الكونغرس.

إذًا، بين "براغماتية" برّاك وثوابت الخارجية الأميركية، بدا أن المشكلة لم تكن في انقلاب واشنطن على سياستها بقدر ما كانت في رجل يملك هامشًا واسعًا في الحركة والكلام.