روجيه نهرا

دير ميماس... إرث ديني عريق يجمع أبناء البلدة رغم المحن

6 دقائق للقراءة
يحضر البعد الديني بقوة في تاريخ دير ميماس إذ ارتبط اسمها بدير القديس ماما

تُعدّ بلدة دير ميماس، في قضاء مرجعيون، واحدة من أبرز البلدات الجنوبية التي تختزن إرثاً دينياً وتاريخياً عريقاً، إذ شكّل هذا التراث على مدى قرون ركيزة لهويتها وسبباً في تماسك أهلها على اختلاف انتماءاتهم. ومن هنا استحقت لقب "منارة الجنوب" لما لعبته من دور في النهضة العلمية والثقافية التي شهدتها المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر.

دير ميماس بلدة حدودية تقع في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، إذ تشرف غربًا على نهر الليطاني وقلعة الشقيف، ويحدّها شرقًا بلدة كفركلا، ما يجعلها في قلب التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة. هي واقفة على كتف تلة ترتفع نحو 500 متر عن سطح البحر، وتبعد حوالى 90 كيلومتراً عن بيروت، فيما تحدّها القليعة شمالاً، وبرج الملوك شرقاً، والطيبة جنوباً. ويضفي موقعها الطبيعي، الممتد وسط أكثر من 130 ألف شجرة زيتون، طابعاً مميزاً على البلدة التي تشتهر بإنتاج أحد أجود أنواع زيت الزيتون البكر في لبنان.

ويحضر البعد الديني بقوة في تاريخ دير ميماس، إذ ارتبط اسمها بدير القديس ماما، الذي تُرجّح إحدى الروايات أن البلدة استمدت اسمها منه بعد تحريف لفظ "دير ماما" إلى "دير ميماس". ويُعد هذا الدير من أبرز المعالم الروحية في الجنوب، إذ شُيّد عام 1404، وتعرّض لأضرار جسيمة خلال حرب تموز 2006 قبل أن يُعاد ترميمه بدعم من دولة قطر، ويُعاد افتتاحه عام 2010 بحضور رئيس الجمهورية آنذاك العماد ميشال سليمان وأمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وكذلك أصيب الدير خلال حربي الاسناد عامي 2024 و2026 باضرار مادية جسيمة.

ولا يقتصر الغنى الديني في دير ميماس على دير القديس ماما، بل يتجلى أيضاً في وجود ست كنائس تعود إلى طوائف الروم الأرثوذكس، والروم الملكيين الكاثوليك، واللاتين، والبروتستانت، والإنجيليين، إضافة إلى كنيسة الدير التابعة لوقف الروم الأرثوذكس، ما يجعل البلدة نموذجاً فريداً للتنوع المسيحي في لبنان.

ويجتمع أبناء البلدة سنوياً، على اختلاف مذاهبهم، للاحتفال بعيد القديس ماما في السادس عشر من أيلول، في مناسبة تحولت إلى محطة جامعة تؤكد أن الإرث الروحي في دير ميماس يتجاوز الانتماءات المذهبية ويعزز قيم العيش المشترك.

كما تنتشر في البلدة عشرات الينابيع والمنازل الحجرية القديمة والأزقة التراثية ومعصرة الزيتون الاثرية، لتشكّل مع الكنائس والدير لوحة تاريخية تعكس عراقة المكان وعمق حضوره في ذاكرة الجنوب اللبناني.

وفي قطاع التعليم، تفتقر دير ميماس إلى مدرسة رسمية عاملة، بعدما توقفت المدرسة التي كانت موجودة سابقًا عن استقبال التلامذة، وأصبح أبناء البلدة يعتمدون على مدارس منطقة مرجعيون. ومن هنا تبرز أهمية ضمان استمرار العملية التعليمية، لأن وجود المدارس والخدمات الأساسية يشكل أحد أبرز عوامل صمود العائلات واستمرارها في القرى الحدودية.

يعيش في البلدة حاليا نحو 250 شخصًا من كل الفئات العمرية، وذلك بسبب الأوضاع الأمنية لكن هذا العدد يرتفع كثيرا كلما تحسن الوضع الامني وغابت اسباب النزوح، وكذلك تمتاز دير ميماس بعدد المهاجرين الى مختلف دول العالم والذين يساهمون في دعم صمود وبقاء الاهالي.

يواجه الإرث الديني اليوم تحديات كبيرة نتيجة الظروف الأمنية التي تعيشها المنطقة الحدودية. وتؤكد نائبة رئيس بلدية دير ميماس، السيدة تانيا برنابا، لـ"نداء الوطن"، أن البلدة تمر بمرحلة استثنائية دفعت عدداً من العائلات إلى مغادرتها، فيما اختار آخرون البقاء في أرضهم رغم المخاطر.

اليوم، يبقى الهاجس الأول لأهالي البلدة هو الوضع الأمني. ويؤدي القصف في كثير من الأحيان إلى اندلاع حرائق في الحقول والبساتين، ولا سيما خلال موسم الصيف، فيما تعيق الظروف الأمنية وصول فرق الإطفاء والأهالي إلى مواقع النيران لإخمادها بالسرعة المطلوبة، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع رقعة الأضرار.

وتضيف نائبة الرئيس:" تزداد المخاوف مع اقتراب موسم الزيتون، الذي يشكل مصدر رزق أساسياً لأبناء البلدة. فمنذ نحو ثلاث سنوات لم يتمكن المزارعون من استثمار هذا الموسم بصورة طبيعية، وهم يعوّلون عليه هذا العام لتعويض جزء من خسائرهم. أما في ملف الخدمات، فأشارت برنابا إلى أن البلدة تواجه تحديات كبيرة في تأمين المياه، نتيجة عدم انتظام وصول مياه مرج الخوخ، الأمر الذي يفرض الاعتماد بشكل أكبر على الكهرباء لضخ المياه. كما تعرضت محطة الضخ للقصف في وقت سابق، ما فاقم أزمة المياه. وعلى صعيد الكهرباء، ورغم تحسن التغذية مؤخرًا عبر شبكة برج الملوك، إلا أنها لا تزال غير مستقرة، ما يفرض تشغيل المولدات وتحمل أعباء مالية إضافية لتأمين الحد الأدنى من الخدمات. وكذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى تأمين الأدوية، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة، إلى جانب المستلزمات الصحية الأساسية التي يحتاجها السكان بصورة دائمة.

وشددت نائبة الرئيس على انه لا يمكن إغفال الدور الذي يؤديه أبناء دير ميماس المغتربون، الذين يواصلون دعم عائلاتهم وبلدتهم بكل الإمكانات المتاحة، ما يشكل ركيزة أساسية لتعزيز صمود الأهالي في هذه الظروف الصعبة.

وفي المحصلة، فاحتياجات دير ميماس اليوم تتجاوز المساعدات الإغاثية التقليدية، لتشمل تأمين الأمن، وضمان الوصول إلى الأراضي الزراعية وحماية الموسم الزراعي، وتعزيز القدرة على مواجهة الحرائق، وتحسين شبكة الطرق، وتأمين المياه والكهرباء بصورة مستقرة، وضمان التعليم والرعاية الصحية، وخلق فرص عمل تحفظ كرامة الأهالي. فهذه المقومات مجتمعة هي الأساس لبقاء السكان في أرضهم، والحفاظ على حياة البلدة واستمرارها رغم التحديات.

وتختم برنابا بالتأكيد أن دير ميماس تحتاج اليوم إلى الأمن والاستقرار، بما يتيح لأبنائها العودة إلى بيوتهم وحقولهم وكنائسهم، والحفاظ على إرثها الديني والتاريخي الذي شكّل على الدوام عنواناً للوحدة والصمود في الجنوب.

وبين إرث ديني يمتد لقرون وتحديات تفرضها الحرب، تتمسك دير ميماس بحقها في البقاء. فالأمن، وحماية الموسم الزراعي، وتأمين الخدمات الأساسية، ليست مجرد مطالب إنمائية، بل شروط أساسية للحفاظ على قرية شكّلت عبر تاريخها نموذجاً للعيش المشترك والتنوع الديني في الجنوب اللبناني. ويبقى الأمل بأن تعود الحياة إلى بيوت البلدة وكنائسها وحقولها، ليبقى إرثها الروحي والتاريخي شاهداً على صمود أبنائها وتمسكهم بأرضهم.