إيليو معلوف

الدولة التي لا تريد أن تكون دولة

3 دقائق للقراءة

هناك دول تخسر في الحروب، وهناك دول تخسر في الاقتصاد، وهناك دول تخسر فرصها. أما لبنان، فيبدو أنه يتخصص في خسارة اللحظات التاريخية.

المشكلة اليوم لم تعد في غياب الفرصة، على العكس تماماً، لبنان أمام واحدة من أكثر اللحظات السياسية ملاءمة منذ سنوات لإعادة بناء الدولة، وسط تحولات إقليمية عميقة، وانفتاح عربي وأوروبي وأميركي على دعم المؤسسات اللبنانية وتعزيزها، وتبدّل في موازين القوى في المنطقة، ومزاج شعبي لبناني واسع يريد دولة طبيعية، سيدة، قادرة على حماية أبنائها بدل تحويلهم إلى وقود دائم لصراعات الآخرين، ومع ذلك، تبدو الدولة وكأنها تتصرف كمن لا يريد أن يكون دولة. تتحدث عن السيادة لكنها لا تحسم من يملك قرار الحرب والسلم. وتتحدث عن حصرية السلاح لكنها في اليوم التالي تتصرف وكأنها نسيت أنها هي الجهة التي يفترض أن تفرض هذه الحصرية.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح، بعيداً عن الأشخاص والأسماء والحسابات السياسية الضيقة: هل الدولة اللبنانية قادرة فعلاً على أن تكون دولة؟ إذا كانت قادرة، فلتنفذ. وإذا كانت غير قادرة، فلتصارح اللبنانيين بحقيقة عجزها، بدل الاستمرار في إنتاج البيانات والخطابات والزيارات التي لا تغيّر شيئًا في الواقع.

فالسيادة ليست خطاباً، وحصرية السلاح ليست شعاراً، وهيبة الجيش لا تُبنى بالصور ولا بالبيانات ولا بالزيارات، بل بالقدرة الفعلية على فرض القانون على كامل الأراضي اللبنانية.

الخطير في المرحلة الحالية أن لبنان لا يواجه فقط مشكلة سياسية، بل يواجه أيضاً مشكلة في إدارة الفرص. فالمشهد الإقليمي تغيّر، وهناك دعم واضح من دول عربية وخليجية، ومن دول أوروبية، ومن الولايات المتحدة، لإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز الجيش والمؤسسات الشرعية.

لكن الدعم الدولي لا يمكن أن يحل محل الإرادة الوطنية، فلا يمكن للبنان أن يطلب من العالم أن يساعده في بناء دولة، فيما هو نفسه يتردد في تحديد من يملك قرارها.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية: المجتمع الدولي يبدو في بعض اللحظات أكثر استعداداً لمساعدة الدولة اللبنانية من استعداد الدولة نفسها.

فالتحولات الإقليمية لا تنتظر لبنان، وموازين القوى لا تتوقف كي تمنح الدولة اللبنانية فرصة إضافية للتوافق. والدول التي تعجز عن قراءة التحولات المحيطة بها تدفع ثمن أكبر عندما تتغير الظروف من حولها.

‏ليس المطلوب من الدولة إلا أن تنفذ ما وعدت به، ‏بل أن تلتزم بتنفيذ قراراتها الرسمية، بدءًا من خطاب القسم والبيان الوزاري وصولاً إلى القرارات الحكومية التي اتخذتها، وفي مقدمتها نزع سلاح حزب الله ونزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وطرد السفير الإيراني الذي تمرّد على الدولة اللبنانية.

وأي تلكؤ أو مماطلة أو تضييع للوقت لا يشكك فقط في قدرة الدولة على تنفيذ هذه القرارات، بل يشكك في نيتها تنفيذها. فالدولة التي تمتلك اليوم دعمًا خليجيًا وعربيًا وأوروبيًا وأميركيًا ودوليًا شاملاً، إلى جانب دعم شعبي داخلي أوسع من أي وقت مضى، ثم تعجز عن تنفيذ قرارات مصيرية سبق أن اتخذتها، لا يمكن أن تبرر تقاعسها بالعجز وحده. فحين تتوافر الإرادة السياسية العامة، ويتوافر الدعم الداخلي والخارجي، وتصدر القرارات رسمياً، يصبح الامتناع عن تنفيذها قراراً بحد ذاته.

أمام الدولة اليوم فرصة تاريخية، قد تكون فرصتها الأخيرة لإثبات أنها دولة فعلاً، لا مجرد مؤسسات تحمل اسم الدولة. فالتاريخ لن يرحم دولة امتلكت القدرة والقرار والدعم، ثم اختارت التردد حين كان عليها أن تفعل. ولن يرحم دولة أُتيحت لها فرصة أن تكون دولة، لكنها عجزت عن اغتنامها.