إستال خليل

فيلم من إنتاج "mtv" و"NMPRO"

رفقا الإنسانة والقديسة كما يراها نديم مهنا

8 دقائق للقراءة
نديم مهنا يدير أحد مشاهد الفيلم (الخدمة الصحافية)

بعد أكثر من قرن على رحيلها، تستعيد السينما اللبنانية القديسة رفقا (1832 - 1914) في عمل يقدّم سيرتها بلغة بصرية معاصرة. الفيلم، الذي انتهى تصويره منذ أسابيع قليلة، تتقاسم فيه الممثلتان ستيفاني عطالله ورلى حمادة تجسيد شخصيتها في مرحلتين عمريتين مختلفتين، وإلى جانبهما نخبة من ممثلي الدراما اللبنانية وممثلاتها، بينهم باميلا الكيك، طوني عيسى، بياريت قطريب، وأسعد رشدان. الشريط السينمائي من إنتاج "mtv" و"NMPRO"، ومن كتابة كلوديا مرشليان وإخراج نديم مهنا، وقد صُوّر العمل بتقنيات سينمائية حديثة وعدسات خاصة تُستخدم للمرة الأولى في لبنان.

بالنسبة إلى المخرج نديم مهنا، "الأفلام التي تتناول سِيَر القديسين تتجاوز كونها أعمالا سينمائية تستعيد شخصيات وأحداثًا يعرفها الجمهور، فهي فعل امتنان وتقدير لشخصيات تركت أثرًا روحيًا وإنسانيًا عابرًا للأجيال"، كما يقول مهنا في حديثه مع "نداء الوطن". ويتابع: "هذه الأفلام طريقتي الخاصة لشكر القديسين. صحيح أن سيرة رفقا قد تكون معروفة مسبقًا، لكن ما يصنع الفارق بين عمل وآخر هو الرؤية التي نقدّمها، وطريقة التصوير والموسيقى والبناء الدرامي والإنتاج وحجمه".

مهنا، الذي يصف القديسين بأنهم "أبطال حقيقيون"، يعتبر أن "تقديم سيرهم على الشاشة يختلف عن التعامل مع أي شخصية أخرى. فنحن أمام أبطال روحانيين ارتبطت أسماؤهم بالمعجزات، سواء أكان مار شربل أم القديسة رفقا. لذلك، حين ننجز فيلمًا عن أحد القديسين، تصبح المسؤولية مضاعفة على المخرج والمنتج والممثلين وفريق العمل بأكمله، لأن المطلوب إيصال الرسالة بأمانة ومنح هذه الشخصيات حقها".

يلفت مهنا إلى صعوبة العودة إلى حقبة بعيدة من زمننا الحالي، إذ تدور الأحداث في القرن التاسع عشر، ما فرض تحديات إنتاجية كبيرة على مستوى الديكورات والأزياء واستعادة تفاصيل المرحلة. ويشير إلى أن حساسية الموضوع تضع أي عمل مماثل تحت مجهر الجمهور: "الناس تتعامل مع القديسين بمحبة وإيمان عميقين، وأي تفصيل لا يقنع الجمهور قد يفتح بابًا واسعًا للانتقاد، ولا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

اختيار الممثلتين ستيفاني عطالله ورلى حمادة لتجسيد شخصية القديسة رفقا استند إلى قدراتهما التمثيلية وحضورهما أمام الكاميرا وملامحهما الطبيعية البعيدة عن التغييرات التجميلية، بما ينسجم مع الشخصية والمرحلة التاريخية، يقول مهنا. أما الترتيلة الأساسية للفيلم، فستحمل توقيع صوت السيدة ماجدة الرومي، التي وصفها مهنا بأنها "واحدة من أعظم فنانات الشرق الأوسط، وصديقة عزيزة".


تحدّ استثنائي

ويكشف المخرج نديم مهنا في حديثه أن "بعض المشاهد شكّلت تحديًا استثنائيًا، ولا سيما المشهد المرتبط بالمعجزة التي عانت فيها رفقا كثيرًا لتناول القربان"، معتبرًا أنه "كان من أصعب مشاهد الفيلم لناحية تحويل لحظة روحية شديدة الخصوصية إلى لغة سينمائية مؤثرة من دون أن تفقد صدقها".

ويؤكد مهنا أن فيلم القديسة رفقا وفيلم مار شربل، الذي تبدأ عروضه قريبًا، لا يتوجهان إلى جمهور من دين محدد، بل إلى الإنسان أينما كان: "القديسون، خلال حياتهم، لم يميّزوا بين مسيحي ومسلم، وهم يتخطون اللغات والبلدان والحدود، لذلك سيُترجم الفيلم ويُوزّع في مختلف أنحاء العالم".

لكن هل من علاقة استثنائية تربطه برفقا وشربل دفعته إلى تنفيذ فيلم عن كل منهما؟ يجيب مهنا: "علاقتي بهما عميقة، حتى إنني سمّيت ولديَّ شربل ورفقا في المعمودية. وحين تعمّقت في تفاصيل حياتهما ويومياتهما، ازداد تقديري لهما واقتناعي بعظمة قداستهما".


رفيقتي رفقا

الكاتبة كلوديا مرشليان تتحدث، من جهتها، عن علاقة استثنائية أيضًا جمعتها بالقديسة رفقا منذ أكثر من 25 عامًا، حين جسّدت شخصية الأم أورسلا ضومط (أول رئيسة لدير مار يوسف - جربتا في البترون، وهو الدير الذي انتقلت إليه رفقا سنة 1897) في فيلم "لتكن مشيئتك" الذي يروي سيرة رفقا أيضًا، وكتبه آنذاك كميل سلامة. وتكشف مرشليان في حديثها مع "نداء الوطن" أنها لم تكن تعرف رفقا يومها، وذهبت إلى العمل كممثلة، "لكن بعدما تعرّفت إلى قصتها وأمضيت فترة طويلة في أيطو - شمال لبنان، وصوّرنا في الدير حيث عاشت، اكتشفت عظمة هذه القديسة وأهمية أن نلقي الضوء على حياتها بالصورة الصحيحة".

هذه التجربة شكّلت بداية علاقة شخصية وروحية مع رفقا، تقول مرشليان، وتتابع: "تقرّبت منها كثيرًا وصارت رفيقتي. تحدثت إليها وطلبت منها أن تدلّني إلى ما أحب أن أفعله وما لا يزال بإمكاني تقديمه. ومنذ ذلك الوقت، توالت الأمور وبدأت الكتابة، ولا تزال علاقتي بها استثنائية حتى اليوم، ولا أزال أشعر بمرافقتها لي".

ترفض مرشليان اختصار سيرة القديسة رفقا بالألم والعذاب، بل تعتبر أن الفرح كان جزءًا أساسيًا من تجربتها الروحية. وتقول: "لا يمكن أن نقدّم ألم رفقا على أنه عذاب وتعاسة، لأنها كانت تحمل فرحًا دائمًا، وكان فرحها بيسوع والعذراء أكبر بكثير من ألمها". وتؤكد كاتبة الفيلم المرتقب أنها حرصت، خلال كتابة الفيلم، على ألا يتحول العمل إلى "سلسلة من العذابات والقهر"، موضحة أن "رفقا لم تسعَ إلى الألم، بل مرضت واشتدت أوجاعها، وما منحها إياه يسوع كان الصبر والقوة الإلهية لتحمّلها".

وتتوقف كلوديا مرشليان في حديثها معنا عند جوانب أقل حضورًا في الصورة الشائعة عن القديسة رفقا، اكتشفتها بعد العودة إلى الدراسات والمراجع التي تناولت حياتها، فتلفت إلى أن رفقا "كانت مرحة، تمزح وتضحك، وكان المحيطون بها يفرحون بوجودها. شخصيتها لم تقتصر على البعد الروحي، بل كان لها دور بارز في التعليم. فقد تعلّمت اللغات والرياضيات والجغرافيا، وعلّمت الفتيات في مناطق لبنانية عدة، وأصرّت على أن يتلقين العلم إلى جانب التعليم الديني، وأن يجمعن بين التواضع والقوة ليكن حاضرات وفاعلات في مجتمعهن".


بين الحقيقة والخيال

عن الصعوبات التي واجهتها الكاتبة كلوديا مرشليان في كتابة شخصية عاشت قبل نحو قرنين، تقول إن "التحدي لم يكن تاريخيًا فحسب، بل روحيًا ودراميًا أيضًا"، مؤكدة أهمية ما دوّنته الأم أورسلا ضومط عن حياة رفقا وتفاصيلها. وتشرح أن "الصعوبة تبدأ من فكرة أنك تكتب عن قديس، لأن تفكيره وأحاسيسه وتعبيره لا تشبه بالضرورة أحاسيسنا وحواراتنا. وقد تجنّبت تقديم رفقا كقديسة منذ المشهد الأول، لأن الوقوع في هذا الفخ يفقد الشخصية بعدها الإنساني". وأضافت: "في ذلك الوقت لم تكن رفقا، بالنسبة إلى الناس، قديسة، بل كانت شخصًا مثل الآخرين. لذلك حاولتُ أن تكون القصة في البداية طبيعية جدًا، وكأننا نروي حياة شخص عادي، قبل أن تتكوّن تدريجيًا صورة القديسة في عيون من حولها".

نسأل مرشليان عن المساحة الفاصلة بين الحقيقة التاريخية والخيال الدرامي، فتجيب أنها تعاملت مع الأمر انطلاقًا من الوقائع الموثقة، موضحة أن الأحداث والمواقف الأساسية استندت إلى ما وصل عن حياة رفقا، فيما كان لا بد من كتابة الحوارات وتخيّل بعض التفاصيل التي لم تُنقل حرفيًا. وتابعت: "نعلم أن المواقف حصلت، لكننا بالتأكيد لا نعرف ماذا قيل خلالها. الحوارات كتبتها أنا، وبعض المواقف الدرامية صغتها من خيالي، لكنها نابعة من حقيقة ومن أحداث نعرف أنها وقعت بالفعل".

"نقل رفقا إلى جمهور عامَي 2026 و2027 يطرح تحديًا آخر في ظل الهوة الهائلة بين نمط الحياة في القرن التاسع عشر والعالم المعاصر"، تقول كاتبة الفيلم الجديد عن حياة قديستنا اللبنانية. وتستعيد مرشليان تجربتها السابقة كممثلة في فيلم "لتكن مشيئتك"، حين عاشت خلال التصوير تفاصيل الحياة القديمة، من التنقل بالعربات إلى غسل الملابس والعجن والعمل اليدوي، معتبرة أن عالم رفقا بات يبدو اليوم من "كوكب آخر". لكنها أكدت أن جوهر الشخصية قادر على تجاوز هذه المسافة الزمنية، فرفقا تتوجّه إلى إنسان اليوم بإنسانيتها وقداستها وروحانيتها، وهي أمور لا تستطيع أي تكنولوجيا في العالم أن تلغيها.

وترى مرشليان أن الفيلم، إلى جانب تعريفه بقديسة لبنانية كبيرة، قد يدفع المُشاهد إلى استعادة شيء من البساطة والسكينة، في زمن "أصبح فيه الناس يركضون أكثر، ويخافون ويتوترون أكثر. ولو كانت رفقا أمامي اليوم، لقلت لها: يا رب كون قدرت بهالفيلم خبّر عنّك بصدق، وكون قريبة قدر الإمكان من الحقيقة، وأنقل صورتك الحلوة وتجربتك الغنية واللي تركتيلنا ياه من دروس بالصبر والتواضع والمحبة والعلم والإيمان والمعرفة والتسامح".

تختم الكاتبة كلوديا مرشليان بدعوة الجمهور إلى اكتشاف وجه مختلف للقديسة: "سترون قديسة تعرفونها، لكنكم سترون أيضًا قديسة تشبه لبنان القديم والإنسان العظيم؛ إنسانة موجوعة وتضحك، قوية ومتواضعة في الوقت نفسه. وهذه التناقضات الإنسانية تحمل جوهر رسالة رفقا، لأنها تعلّمنا أن لا شيء في الحياة ذو وجه واحد، وأن الإيمان ووجود الله قادران على أن يحوّلا ما نمر به إلى قوة تساعدنا على إكمال حياتنا بهدوء ومحبة أكبر".

أما المخرج نديم مهنا، فيدعو من جهته الجمهور إلى خوض التجربة، قائلا: "شاهدوا الفيلم، لأن مثل هذه الشخصيات تتخطى الدِّين والجغرافيا والزمن. ومن يشاهده ولا يستمتع به، نحن مستعدون لإعادة ثمن البطاقة إليه".