جوزيف حبيب

النسر المتأهّب

3 دقائق للقراءة
تحوّلت بولندا إلى قلعة حصينة على الجناح الشرقي لحلف "الناتو" (أ ف ب)

تراقب بولندا مجريات الحرب الروسية - الأوكرانية بتمعّن ويقظة، فتدوّن ملاحظاتها، وتستخلص العبر، وتتدرّب للأسوأ. استطاعت وارسو بناء جيش حديث يُصنّف من بين الأكثر جاهزية في أوروبا، وتمضي في تطوير قدراته وتوسيعها، ليغدو قوة رادعة حاضرة دومًا للمعركة. ولم تتوانَ عن رفع سقف إنفاقها الدفاعي، إذ خصّصت لهذه الغاية نحو 5 في المئة من ناتجها المحلّي الإجمالي. وهكذا، تحوّلت بولندا إلى قلعة حصينة على الجناح الشرقي لحلف "الناتو"، وباتت تحظى بثقة حليفتها الكبرى، أميركا. إن استعدادها الدائم وتأهّبها المتواصل كفيلان بجعل روسيا تفكّر مليًّا قبل الإقدام على أي مغامرة عسكرية ضدها؛ فمن استنزفته وحول أوكرانيا يعجز عن مجابهة مخالب النسر البولندي.

حين قرّر "قيصر" الكرملين غزو غريمته اللدودة، رجّح كثير من الخبراء أن تهزم روسيا أوكرانيا سريعًا، وتعيّن دمية تابعة لها في كييف. لكنّ تلك الحسابات أغفلت الروح القتالية العالية لدى الأوكرانيين، الذين كانوا قد أعدّوا العدّة لليوم الأسود. لا تخوض الجيوش الحروب وحدها، بل تنخرط فيها المجتمعات المعنية بأسرها. وعندما ينهض شعب للتصدّي لأعدائه، ويتمسّك بإيمانه بقدرته على المقاومة والصمود، تكون إرادته القتالية على مستوى التحدّي. هذا ما أثبته الأوكرانيون لحظة فُتحت أبواب الجحيم، وما تَجهّز له البولنديون جيّدًا.

تُعزّز بولندا التلاحم بين جيشها وشعبها، وتعدّ قواها العسكرية والمدنية نفسيًّا ولوجستيًّا للحرب. كما تضع خططًا استباقية لمواجهة كلّ السيناريوات التي يمكن تصوّرها، خصوصًا أنّها تتشارك حدودًا برّية مع مقاطعة كالينينغراد الروسية في الشمال الشرقي، ومع بيلاروسيا، حليفة موسكو، في الشرق. فماذا لو قرّرت روسيا، في توقيت يلائمها، عبور الحدود من كالينينغراد وبيلاروسيا إلى بولندا، أو اختبار صلابة "الناتو" على أقلّ تقدير؟ وماذا لو لم ترَ أميركا مصلحة استراتيجية في الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف إذا تعرّض لهجوم مستقبلًا؟ وماذا لو كانت واشنطن منهمكة في حرب ضارية في ساحة أخرى، كمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وعجزت عن نجدة حلفائها الأوروبيين؟ وماذا لو انسحبت أميركا من "الناتو" بعد عقد أو أكثر مثلًا؟

تطرح وارسو كلّ الأسئلة الضرورية للإعداد لأيّ احتمال وارد. تتميّز بولندا بأنّها مجتمع متجانس إلى حدّ بعيد، ما يُصعّب على موسكو التغلغل فيها. حاول الكرملين استخدام ورقة الهجرة غير الشرعية لزعزعة استقرار البلاد، غير أن وارسو كانت لهذه المحاولة بالمرصاد، وحيّدت التهديدات الحدودية بكفاءة قلّ نظيرها. تُحكم بولندا سيطرتها على حدودها وتنتهج سياسة هجرة حازمة؛ فالوقاية المسبقة خير من العلاج المكلف. أنشأت وارسو برنامج "الجاهزية" لتهيئة المجتمع لمختلف الحالات، من الحروب الهجينة وصولًا إلى الحرب الشاملة. تدرك أنها تتموضع فوق فالق جيوسياسي خطر، وأنه لا مجال للتهاون ولا مكان للضعفاء. لذلك، تبني منظومة متكاملة ومرنة لترسيخ الردع، والتكيّف مع المتغيّرات، وردّ الصاع صاعين إن تجرّأ أي معتدٍ؛ ولسان حالها يقول: "قف، هنا بولندا!".