ماذا سيحدث في العراق عندما يستيقظ في الأوّل من تشرين الأوّل؟ قبل أسابيع، كان السؤال يبدو مباشرًا: هل ستسلّم الفصائل المسلّحة سلاحها للدولة، أم سترفض فتجد بغداد نفسها أمام خيار المواجهة؟ أمّا اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا. فالموعد الذي كان يُقدَّم باعتباره نهاية مهلة حصر السلاح بيد الدولة، لم يعد بهذه البساطة؛ إذ أوضح مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي أن 30 أيلول هو موعد انتهاء مهمّة التحالف الدولي ومغادرته العراق، وليس بالضرورة موعدًا نهائيًا لتسليم الفصائل أسلحتها، فيما تستمرّ المفاوضات.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. فالعراق لا يواجه استحقاقًا أمنيًا فحسب، بل اختبارًا لمفهوم الدولة نفسه: من يملك القوّة؟ ومن يملك قرار استخدامها؟ ومن يملك، في النهاية، قرار الحرب والسلم؟ تعهّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، وكان الربط بين نهاية أيلول وملف السلاح يحمل دلالة واضحة: مع خروج القوّات الأجنبية، يفترض أن تدخل الدولة العراقية مرحلة يكون فيها القرار الأمني عراقيًا بالكامل.
لكن المفارقة أن خروج القوّة الأجنبية لا يعني تلقائيًا أن الدولة أصبحت أقوى، بل ربّما يبدأ الاختبار الحقيقي لحظة خروجها. فالوجود الأميركي كان، بالنسبة إلى بعض الفصائل، أحد المبرّرات لاستمرار ما تسمّيه "سلاح المقاومة". لكن انسحاب الأميركيين يزيل هذه الذريعة من جهة، ويضع بغداد أمام مسؤولية أكبر من جهة أخرى: إذا كانت الدولة تطلب من الفصائل التخلّي عن السلاح، فعليها أن تكون قادرة على ضمان الأمن ومنع الفراغ.
هنا يظهر السيناريو الأوّل، وهو السيناريو الوردي: أن تنجح الحكومة في إقناع الفصائل بالانتقال التدريجي من القوّة المستقلّة إلى المؤسّسة الرسمية، وأن يصبح السلاح جزءًا من منظومة تخضع فعلًا للدولة. وقد أبدت بعض الفصائل استعدادًا للاندماج، فيما لا تزال أخرى، وفي مقدّمتها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء"، ترفض التخلّي عن سلاحها أو تربط ذلك بشروط سياسية وأمنية.
إذا تحقّق هذا السيناريو، فلن يكون العراق قد أنجز مجرّد عملية نزع سلاح، بل يكون قد بدأ باستعادة احتكار الدولة للقوّة. وهنا تدخل السياسة في صميم المسألة. فالدولة، وفق المفهوم الفيبري، ليست الجهة التي تملك السلاح فقط، بل صاحبة الاحتكار المشروع لاستخدام القوّة. لكن الحالة العراقية تطرح سؤالًا أكثر دقة: هل يكفي أن يكون السلاح موجودًا داخل مؤسّسة رسمية حتى يصبح قرار استخدامه قرارًا للدولة؟
فالدولة قد تمتلك السلاح ماديًا، لكنّها لا تمتلك بالضرورة القرار السياسي باستخدامه. وهذا هو الفارق بين امتلاك السلاح واحتكار القوّة. قد تُسلّم جماعة أسلحتها الثقيلة أو تُسجّلها ضمن مؤسّسة رسمية، لكن الاختبار الحقيقي يبقى: عندما تتعارض مصالح الدولة مع مصالح الجماعة، من يملك الكلمة الأخيرة؟
من هنا يأتي السيناريو الثاني، وهو الكابوس. إذا رفضت الفصائل الأقوى تسليم سلاحها، وقرّرت بغداد تطبيق القانون بالقوّة، فإنّها لن تواجه مجموعة مسلّحة معزولة، بل قوى لها حضور سياسي وشبكات اجتماعية وقدرات عسكرية وامتدادات إقليمية. وعندها قد يتحوّل شعار "حصر السلاح بيد الدولة" من مشروع لبناء الدولة إلى شرارة لصدام داخل الدولة. ولهذا، لا تبدو رغبة الزيدي في تجنّب المواجهة العسكرية تفصيلًا عابرًا. فالحكومة تدرك أن قوّة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار القرار، بل بقدرتها على تنفيذه بأقلّ كلفة ممكنة.
وهنا يظهر السيناريو الثالث، وربّما الأكثر واقعية: لا تسليم كاملًا ولا حرب. قد تختار بغداد طريقًا تدريجيًا: تسجيل الأسلحة، نقل بعضها إلى مؤسّسات الدولة، إعادة تنظيم وحدات، دمج مقاتلين وتسوية أوضاع بعض الفصائل، مع استمرار الحوار. لكن هذا يفتح السؤال الأخطر: هل نحن أمام نزع حقيقي للسلاح، أم أمام إعادة إنتاج السلاح داخل الدولة؟
ولعلّ ما يجري في سوريا يُقدّم للعراق درسًا يستحقّ التوقّف عنده. ففي 25 آب، أعلنت "قسد" حلّ نفسها كقوّة عسكرية مستقلّة مع استكمال مسار دمج قوّاتها في الجيش السوري. ولم يكن الأمر مجرّد وضع السلاح في مستودعات الدولة، بل كان جزءًا من مسار أوسع شمل دمج القوّات وإعادة إدخال البنى العسكرية والأمنية والإدارية في مؤسّسات الدولة. الدرس السوري ليس أن التجربتين متطابقتان، بل أن السؤال في الحالتين يتجاوز السلاح نفسه: ماذا يحدث للهيكل الذي كان يحمل السلاح؟ هل تتفكّك سلسلة القيادة المستقلّة؟ هل ينتقل القرار العسكري إلى الدولة؟ وهنا تُختصر المسألة العراقية كلّها في سؤال واحد: هل ستندمج الفصائل في الدولة، أم ستدخل الدولة في الفصائل؟
التاريخ اللبناني يُقدّم درسًا آخر. فقد نصّ اتفاق الطائف على حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، لكن التجربة أثبتت أن صدور القرار السياسي لا يعني بالضرورة امتلاك الدولة القدرة الفعلية على فرض احتكار القوّة. أمّا التجربة الكولومبية، فأظهرت أن نزع السلاح الناجح يحتاج إلى تسوية سياسية وإعادة دمج وآليات تحقّق ومراقبة. الدرس المشترك أن نزع السلاح ليس لحظة، بل عملية لإعادة بناء علاقة القوّة بالدولة.
والعراق لا يواجه هذه المسألة بمعزل عن القوى المؤثرة. فهناك إيران والولايات المتحدة، ولكلّ منهما حساباته، فيما يضع خروج التحالف الدولي بغداد أمام مسؤولية أكبر في ضبط أراضيها ومنع تحوّلها إلى ساحة لصراعات إقليمية. ومن هنا تظهر حنكة بغداد. فالقرار الذكي ليس بالضرورة القرار الأسرع. قد يكون من السهل القول: "من لا يُسلّم سلاحه سيواجه الدولة". لكن الدولة الذكية تسأل أوّلًا: هل أملك القدرة على تنفيذ التهديد؟ وما كلفته؟ وهل سيقوّي الدولة أم يضعفها؟
في السياسة، ليست القوّة في إطلاق التهديد، بل في امتلاك القدرة على تنفيذه واختيار اللحظة المناسبة، وربّما في تحقيق الهدف من دون استخدام القوّة أصلًا. لذلك، لن يكون الأوّل من تشرين الأوّل يومًا عاديًا في العراق. قد يستيقظ العراقيون على دولة قطعت خطوة حقيقية نحو احتكار القوّة، وقد يستيقظون على تمديد جديد وحوار جديد وتسوية جديدة، أو على السيناريو الأخطر: مواجهة بين قوى يفترض أنها جميعًا جزء من الدولة.
لكن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان السلاح سيختفي في ليلة واحدة. الاختبار هو ما إذا كان العراق سينتقل من تعدّد مراكز القوّة إلى مركز واحد للقرار. فالدولة لا تصبح قوية عندما تجمع البنادق تحت سقف واحد، بل عندما يُصبح القرار الذي يوجّه هذه البنادق قرارًا واحدًا. وعندها فقط يمكن القول إن العراق لم يستعد السلاح فحسب، بل استعاد الدولة. أمّا إذا بقي السلاح متعدّد الولاءات، حتى ولو أصبح رسميًا على الورق، فإنّ المشكلة ستبقى قائمة، ولكن بصورة أكثر أناقة وأقلّ وضوحًا. وهنا تكمن معركة الأوّل من تشرين الأوّل: من يملك الدولة عندما تختلف الدولة مع السلاح؟
أستاذة جامعية