حملت الكلمة التي ألقاها رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال الاحتفال بالعيد الـ81 للأمن العام رسائل سياسية، أثارت عاصفة من الجدل في ظل ما بدا أنه مسحة من الضبابية في الجهة المرسل إليها، لا تنبع من كثرة الرموز، وإنما من الواقع المعقد الذي تشكل في الأسابيع الأخيرة، بعدما وجد الأمن العام نفسه في قلب ضغط سياسي وإعلامي متعدد الاتجاهات والأهداف. بدءًا من تسليم ضابط في جيش الأسد إلى سوريا، مرورًا بمنح السفير الإيراني "غير المعتمد" إقامة مجاملة لـ6 أشهر، وانفجار مسألة جوازات "حزب الله" على مستوى واسع، وصولا إلى الضجة المفتعلة حول نتائج امتحانات التطويع.
أراد الرئيس عون أن يرسل الرسالة الأولى من خلال توظيف المناسبة لدعم مؤسسة الأمن العام، والتأكيد أنها ليست متروكة في مهب الحملات السياسية. فجاء دعمه لمديرها اللواء حسن شقير واضحًا في الصور ورمزيتها كما في الخطاب. فرئيس الجمهورية يرى أن ما أنجزته المؤسسة خلال سنة ونصف، رغم الظروف السياسية والمالية الصعبة، يجعلها نموذجًا يُحتذى به لإدارات الدولة ومؤسساتها الأمنية.
هذه الرسالة توثقت مؤشراتها في العنوان المختار "وضع حجر الأساس لطبابة الأمن العام"، كما في الفيديو الذي عُرض حول الورشة الشاملة، وتأهيل المباني والمراكز الإقليمية والحدودية، وتحديث الأنظمة وقواعد البيانات، وتطوير المكننة، وهو العمل الذي قطع خطوات مقبولة مع إنشاء منصة إلكترونية يُفترض أن يحصل المواطنون على كل الخدمات عبرها خلال الأشهر المقبلة، بما فيها الجواز البيومتري وبطريقة سلسة.
أما مطالبة الرئيس جوزاف عون للعناصر والضباط بـ"عدم التأثر بالإعلام وبما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي"، والتي أخذت الحيز الأكبر من الجدل في ظل تأويلها على صعد متعارضة، فإن المقصود منها كان الحملة الهائلة على نتائج امتحانات المتطوعين لرتبتي مأمور ومفتش.
فإصرار شقير على اعتماد الناجحين وفق علاماتهم، ومواءمة هذا المعيار مع الموازين المناطقية والمذهبية والطوائفية، عرّضه لضغوط سياسية متعددة الأطراف والجهات، لتمرير أسماء وتنجيح راسبين ضمن ثقافة المحاصصة السياسية التقليدية. وضع رئيس الجمهورية إصبعه على جرح النتائج بحديثه عن "أناس لا يريدون مؤسسات دولة"، بل زبائنية، وهو المضمر من رسالته المكثفة سياسيًا. لم تغب المحاصصة بالكامل، لكنها بقيت في حدود ضيقة.
والرسالة نفسها حضرت في مسألة إقامة السفير الإيراني المجمد محمد رضا شيباني لـ6 أشهر، وهي صيغة، وإن بدا شقير فاعلها الرئيسي، إلا أنها حظيت بغطاء سياسي رسمي موسع شمل بعبدا والسراي وعين التينة، تفاديًا لانفجار أزمة في علاقات متوترة مع إيران. والحال نفسه ينسحب على تسليم اللواء في جيش الأسد إلى سلطات بلاده، باعتباره اختبارًا جديًا لمسار إعادة صياغة العلاقات اللبنانية - السورية وفق الاتفاقيات والتفاهمات المعقودة.
أما مسألة التحقيقات التي تنشرها قناة "العربية" حول حصول عناصر "الحرس الثوري" على جوازات سفر لبنانية، فكانت خارج مدار رسائل الخطاب لسبب بسيط، وهو أن شقير كان قد أطلق تحقيقًا داخليًا في القضية غداة تعيينه، وبغطاء كامل من بعبدا، ومتابعة عربية وإقليمية. وكشف حينها عن حصول كبار تجار المخدرات على جوازات مزورة.
غير أن الرسالة الأعمق تتجاوز هذه القضايا. فالتحدي الأكبر للمؤسسة ومديرها يتجاوز المواءمة بين البعد الأمني وتحسين العمل الإداري، ويتصل بتفكيك جيوب النفوذ، ومعالجة هوية سياسية تتجاوز حدود الدولة، وإرث وظيفي كان عونًا لـ"حزب الله" وتسبب في الكثير من التشبيهات والحملات. فالهوية المحفورة في الوعي الجمعي تحتاج إلى مزيد من الجهد، وهذه هي الرسالة الأم في خطاب الرئيس: مؤسسة كانت مثقلة بالأدوار الموازية تستعيد تدريجيًا وظيفتها الوطنية كأداة دولة.