الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (22)

أن تتألّم... وتبقى إنسانًا... هل الألم ما يحدث لنا، أم ما نسمح له أن يصنعه فينا؟

28 دقيقة للقراءة

(هذا المقال أطول قليلًا مما اعتدنا، لأن الألم لا يُختصر بسهولة، ولأن لكل إنسان منه حكاية. أرجو أن تمنحوه بعضًا من وقتكم وتصلوا معي إلى نهايته؛ فلعلّ في الطريق كلمةً نحتاجها نحن، أو يحتاجها إنسانٌ يتألّم بقربنا.)

المقدمة

لا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلّم الألم؛ يتعلّمه الجسد قبل أن يعرف اسمه، ويعرفه القلب قبل أن يجد الكلمات التي تصفه؛ يأتي من جرحٍ نراه، أو مرضٍ يسكن الجسد، أو غياب شخص، أو خيبة، أو ظلم، أو كلمةٍ بقيت في الذاكرة أطول مما بقي صاحبها.

وللألم مفارقة غريبة؛ إنه من أكثر التجارب التي تجمع البشر، ومن أكثرها خصوصيةً في الوقت نفسه؛ كل إنسان سيتألم يومًا، لكن لا أحد يستطيع أن يتألم مكان الآخر. قد يحمل اثنان المرض نفسه، أو يمران بالخسارة نفسها، ومع ذلك لا يكون ألمهُما واحدًا؛ لأن الألم لا يُقاس فقط بما حدث لنا، بل بالمكان الذي أصابه ما حدث في داخلنا. يستطيع الآخر أن يمسك بيدنا، وأن يبقى قربنا، وأن يحبنا، لكنه لا يستطيع أن يأخذ الوجع من جسدنا إلى جسده، ولا الغياب من قلبنا إلى قلبه.

ومع ذلك، نحاول دائمًا تفسيره؛ نسأل: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ ماذا يريد هذا الألم أن يعلّمني؟ كأننا نستطيع احتمال الوجع أكثر إذا فهمناه. لكن بعض الآلام لا تقدّم تفسيرًا، وبعض الخسارات لا تحمل درسًا، وبعض الأمراض لا تأتي برسالة، وبعض الجروح لا تصبح جميلة مهما مرّ عليها الزمن.

وربما ظلمنا المتألّم حين طالبناه بأن يكون قويًا دائمًا، وأن يتجاوز، وأن يتعلّم، وأن يحوّل جرحه إلى حكمة؛ فليس كل ألم امتحانًا يجب أن ننجح فيه، ولا كل خسارةٍ طريقًا إلى شيء أفضل؛ أحيانًا يكون الألم ألمًا فقط، ويكفي الإنسان أنه يحمله.

لكن إذا لم نستطع دائمًا أن نختار الألم الذي يصل إلينا، يبقى السؤال الأكثر التصاقًا برحلتنا "نحو الإنسانية": ماذا يحدث للإنسان بعد أن يتألّم؟

فالألم قد يبدأ في الجسد أو القلب، لكنه يستطيع أن يصل إلى نظرتنا إلى الحياة، وثقتنا بالآخر، وقدرتنا على الحب والرحمة؛ وقد يتحول المجروح إلى جارح، والمظلوم إلى ظالم، والمخذول إلى إنسان يخاف أن يحب، لا لأن الشر كان فيه، بل لأن ألمًا لم يعرف كيف يحمله، بدأ شيئًا فشيئًا يقوده من الداخل.

لذلك، لن يكون سؤالنا كيف نتخلّص من الألم؛ فما يمكن علاجه يجب أن نعالجه، وما يمكن تغييره يجب ألا نستسلم له؛ لكن أمام ما لا نستطيع تغييره، ربما يصبح السؤال الأهم ليس: لماذا حدث لي هذا؟ بل: والآن، بعدما حدث... من سأكون؟

فربما لا يكون الانتصار على الألم أن نتوقف عن الشعور به، بل أن نعبره، مهما طال الطريق، من دون أن نفقد الإنسان الذي فينا.

لماذا الألم؟

ربما يكون هذا أقدم سؤالٍ حمله الإنسان، وأكثره استعصاءً على الجواب: لماذا يمرض جسدٌ لم يختر مرضه؟ لماذا نفقد من نحب؟ لماذا يستطيع إنسان أن يجرح إنسانًا؟ ولماذا لا تحمينا المحبة من الفقد، ولا الطيبة من الظلم، ولا الإيمان من الوجع؟

حاول الإنسان أن يجيب؛ فقال إن الألم عقاب، أو امتحان، أو درس، أو طريقٌ إلى النضج، أو جزءٌ من حكمةٍ أكبر لا نراها. وقد تحمل بعض هذه الإجابات معنىً في بعض التجارب، لكنها لا تستطيع أن تقف أمام كل سرير مريض، وكل فقد، وكل ظلم؛ وأحيانًا يكون أكثر ما نستطيع قوله صدقًا وإنسانيةً: لا أعرف.

لا أعرف لماذا حدث لك هذا، ولماذا الآن، ولماذا بهذه القسوة؛ ولا ينبغي أن نخترع لألم الإنسان معنىً فقط لأن عجزنا عن تفسيره. فليس كل ألم عقابًا، ولا كل مرض رسالةً، ولا كل خسارة درسًا، ولا كل جرح طريقًا كان لا بد منه لكي نصبح أفضل؛ بعض الأشياء، لو أُعطي لنا الخيار، لاخترنا بكل صدق ألا تحدث.

لكن ربما نستطيع أن نفهم لماذا يكون الألم ممكنًا أصلًا؛ فنحن لم نُخلق من حجر؛ خُلقنا أجسادًا تشعر، ولذلك يمكنها أن تتعب وتمرض وتشيخ؛ وخُلقنا بقلوبٍ تستطيع أن تحب، ولذلك تستطيع أن تشتاق وتُخذل وتفقد؛ وبذاكرةٍ تحفظ من نحب، ولذلك يبقى الغائب حاضرًا فيها؛ وبحريةٍ تجعل الإنسان قادرًا على أن يختار المحبة، لكنها تترك له أيضًا إمكان الأذى والوجع.

وربما هنا تكمن المفارقة: الأشياء نفسها التي تجعل الحياة إنسانية تجعل الألم ممكنًا أيضًا؛ لو لم نحب، لما عرفنا وجع الفقد؛ ولو لم نتعلّق، لما عرفنا ألم الرحيل؛ ولو لم نكن أحرارًا، لما استطعنا أن نحب بإرادتنا، لكننا أيضًا لما استطعنا أن نؤذي بعضنا بعضًا؛ ولو لم تكن أجسادنا قادرةً على الإحساس، لما عرفنا الوجع، لكننا لما عرفنا أيضًا اللمسة واللذة والدفء.

لذلك، قد لا يكون الألم دائمًا عقابًا أو رسالةً أو جوابًا عن شيء؛ قد يكون أحيانًا الوجه الآخر لهشاشتنا، ولحريتنا، ولقدرتنا على أن نشعر ونحب ونتعلّق ونفقد؛ وهذا لا يجعل الألم جميلًا، ولا يفسّر لماذا أصاب هذا الإنسان دون غيره؛ لكنه يذكّرنا بأن قابلية الإنسان للألم ليست منفصلة تمامًا عن قابليته للحياة؛ فالإنسان يتألّم، في جزءٍ من معنى ألمه، لأنه كائن يستطيع أن يشعر، وأن يحب، وأن يكون حرًا؛ أي لأنه إنسان.

وهذا يفسّر إمكان الألم، لكنه لا يفسّر ألمك أنت؛ لا يجيب لماذا هذا المرض، أو هذا الفقد، أو هذا الظلم، أو لماذا حدث الآن؛ وستبقى في حياة الإنسان أسئلة "لماذا" قد لا تجد جوابًا كاملًا؛ لكن ربما لا تحتاج حياتنا إلى انتظار كل الأجوبة لكي تستمر؛ فإذا لم نستطع دائمًا أن نجيب عن سؤال: لماذا حدث لي هذا؟ يبقى أمامنا سؤال آخر، وهو السؤال الذي سنحمله معنا في هذه الرحلة:

والآن، بعدما حدث... ماذا سأفعل بما فعله الألم بي؟ وهنا يبدأ موضوعنا الحقيقي، وهنا تبدأ الإنسانية.

حين يتكلم الجسد

ربما يكون الجسد أول مكانٍ نتعرّف فيه إلى الألم؛ قبل الخيبات، وقبل الفقد، وقبل أن نتعلّم أسماء الأحزان، يكفي جرحٌ صغير في طفولتنا لنعرف أن في هذا الجسد شيئًا يستطيع أن يؤلمنا.

لكننا، ما دمنا أصحاء، نكاد ننسى أجسادنا؛ نمشي من دون أن نفكر في أقدامنا، نتنفس من دون أن ننتبه إلى رئتينا، ننام من دون أن نشكر جسدًا استطاع أن يمنحنا ليلةً هادئة؛ ثم يأتي الألم، فيحوّل ما كان صامتًا إلى حضورٍ لا يمكن تجاهله؛ سنٌّ صغير قد يحتلّ الليل كله، ومفصلٌ يؤلم قد يجعل بضعة أمتار مسافةً طويلة، ومرضٌ واحد قد يعيد ترتيب يومٍ كامل، وربما حياةٍ كاملة.

ولعل أقسى ما في ألم الجسد أنه لا يبقى في الجسد وحده، بل يمتد ليغيّر علاقة الإنسان بالعالم. فالدرج الذي يصعده الآخرون من دون أن يروه قد يصبح جبلًا لمن تؤلمه ركبتاه، والليل الذي ينتظره المتعب للراحة قد يصبح أطول ساعات اليوم لمن يمنعه الوجع من النوم، والطعام الذي يجمع الناس حول مائدة قد يتحول إلى شيء يخشاه جسدٌ مريض؛ حتى الزمن نفسه يتغيّر، فالدقيقة التي تمرّ سريعًا في الفرح قد تصبح طويلةً جدًا حين ننتظر أن يهدأ الألم.

والمرض أكثر من ذلك؛ فهو لا يضع الإنسان أمام وجعه فقط، بل أمام هشاشته أيضًا؛ فجسدٌ أمضينا عمرنا نتعامل معه كأنه مضمون، يستطيع في لحظة أن يذكّرنا بأنه ليس كذلك؛ وما كان بالأمس قدرةً عادية يصبح اليوم أمنية: أن يمشي الإنسان وحده، أن ينام بلا ألم، أن يأكل ما يحب، أن يحمل ابنه، أن يصعد درجًا، أو أن يستيقظ صباحًا من دون أن يكون أول ما يشعر به هو جسده.

ولعل من أقسى ما يمكن أن نفعله بالمريض أن نختصره في مرضه، أن يصبح اسمه اسمَ حالة، وحياته ملفًا، وأيامه مواعيد وفحوصًا وأرقامًا؛ أن يدخل الناس غرفته ويسألوا عن ألمه قبل أن يسألوا عنه، وكأن المرض، حين دخل جسده، أخذ مكان الإنسان كله.

لكن الإنسان المريض ليس مرضه؛ والإنسان الذي يتألم ليس الألم الذي يسكنه. ما زال له اسم، وذاكرة، ورغبات، وكرامة، وأشياء يحبها، ونكتة قد تضحكه، وغدٌ ينتظره، حتى لو أصبح جسده أكثر حضورًا في حياته مما كان يريد.

وربما هنا تبدأ الإنسانية أمام ألم الجسد: ألا نطلب من المريض بطولةً إضافية فوق وجعه، ليس عليه أن يبتسم لكي يطمئننا، ولا أن يكون قويًا طوال الوقت، ولا أن يحوّل مرضه إلى قصة ملهمة كي نعترف بشجاعته؛ يحق له أن يتعب، وأن يخاف، وأن يغضب، وأن يقول: يؤلمني.

ان التعايش مع الألم لا يعني الاستسلام له؛ فما يمكن علاجه يجب أن يُعالج، وما يمكن تخفيفه يجب ألا نتركه يؤلم باسم الصبر، وما يحتاج إلى طبيب لا تعوّضه الحكمة ولا الكلمات الجميلة؛ لكن حين يبقى من الألم شيءٌ لا يستطيع الطب أن يأخذه كله، تبدأ معركة أخرى أكثر هدوءًا، ألا نسمح للوجع بأن يحتل من حياتنا أكثر مما احتل من جسدنا.

فقد يؤلم الجسد الإنسان، من دون أن يصبح الإنسان كلّه ألمًا.

امام الوجع

من السهل أن نتحدث عن الألم حين لا يكون ألمنا؛ أن ننصح بالصبر ونحن لا ننتظر نتيجة الفحص، وأن نتحدث عن القوة ونحن لا نستيقظ على الوجع نفسه كل صباح، وأن نقول لمن فقد عزيزًا إن الحياة تستمر، ثم نعود نحن إلى من نحب؛ فالألم الذي نراه من الخارج ليس هو الألم الذي يُعاش من الداخل.

ولعل من أكثر ما يؤذي المتألّم، بعد ألمه، أن يجد من يشرح له كيف يجب أن يشعر به؛ من يخبره أن عليه أن يكون أقوى، أو أن غيره يعاني أكثر، أو أن الزمن كفيل بكل شيء، أو أن ما حدث له سيجعله أفضل؛ قد تكون بعض هذه الكلمات صادقة، وقد تأتي من محبة، لكنها تصبح قاسية حين تُقال من مكانٍ آمن إلى إنسان يقف في قلب العاصفة.

فالذي يأكل يتألم ليس كالذي يراقبه؛ والذي يقضي الليل إلى جانب سرير مريض ليس كالذي يسأل عنه في الصباح؛ والذي ينتظر خلف باب غرفة العمليات لا يعيش الدقائق كما يعيشها من ينظر إلى ساعته في مكان آخر؛ ومن يعود إلى بيتٍ نقص منه شخص، يعرف عن الغياب شيئًا لا تستطيع الكتب كلها أن تشرحه.

ولهذا، لا يحق لنا أن نضع للألم مقياسًا واحدًا؛ قد يبدو ما يؤلم الآخر صغيرًا في أعيننا، لكنه ليس صغيرًا في داخله؛ فالوجع لا يأخذ حجمه من الحادثة وحدها، بل من الإنسان الذي أصابته، ومن قصته، وذاكرته، وما فقده، وما خاف أن يفقده، وما كان ذلك الشيء يعنيه له؛ نحن لا نتألم بقدر ما نفقد فقط، بل بقدر ما كان ما فقدناه يسكن فينا.

وهنا ربما تكون أولى قواعد الإنسانية أمام الألم أن نتواضع؛ أن نعترف بأننا لا نعرف تمامًا ما يشعر به الآخر، حتى لو مررنا بتجربة تشبه تجربته؛ نستطيع أن نقول: أعرف الألم، لكن يصعب أن نقول: أعرف ألمك. فلكل إنسان وجعه الخاص، كما له ذاكرته الخاصة، وحبه الخاص، وخوفه الخاص.

ولهذا، لا يحتاج المتألّم دائمًا إلى جواب؛ أحيانًا يحتاج إلى إنسان لا يخاف من صمته، ولا يستعجل شفاءه، ولا يحاول أن ينتزع منه حزنه كي يشعر هو بالراحة؛ يحتاج إلى يدٍ لا تدّعي أنها تستطيع حمل ألمه عنه، لكنها تقول له، بحضورها: لن أتركك تحمله وحدك.

فالإنسانية أمام الألم لا تبدأ بأن نفهم كل شيء، ولا بأن نجد لكل وجعٍ تفسيرًا؛ تبدأ حين نتوقف عن النظر إلى المتألّم من فوق ألمه، ونجلس، ولو قليلًا، إلى جانبه. فبعض الآلام لا تحتاج إلى من يشرحها، بل إلى من يحترمها.

ما وراء "أنا بخير"

ليس كل الألم جرحًا نستطيع أن نشير إليه، ولا كل وجعٍ يظهر في صورة أشعة أو نتيجة فحص؛ هناك آلام يمشي بها الإنسان بين الناس، يعمل، ويتحدث، ويبتسم، وربما يضحك من قلبه أحيانًا، بينما يحمل في مكانٍ لا يراه أحد شيئًا يؤلمه.

قد يكون فقدًا لم ينتهِ حين انتهى العزاء، أو خذلانًا جاء من المكان الذي كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا، أو حبًا انتهى وبقيت تفاصيله، أو وحدةً وسط بيتٍ ممتلئ، أو خوفًا من غدٍ لا يعرف الإنسان كيف سيواجهه، أو حلمًا عاش سنوات يبنيه ثم شاهده يسقط أمامه؛ وقد يكون وجعًا لا يعرف صاحبه نفسه كيف يشرحه؛ يشعر فقط أن شيئًا في داخله لم يعد كما كان.

ولعل هذا الألم أصعب أحيانًا لأنه لا يحمل دليلًا يقدّمه للآخرين؛ فحين تُكسر اليد، يراها الناس ويسارعون إلى حمايتها؛ أما حين ينكسر شيء في الداخل، قد يطلبون من الإنسان أن يستعمله كأن شيئًا لم يحدث؛ يعود إلى عمله، وإلى مسؤولياته، وإلى الذين يحتاجون إليه، بينما هو نفسه قد يحتاج إلى من يسأله، لا ماذا أنجز اليوم، بل كيف استطعت أن تمرّ به؟

وهنا تصبح المقارنة أكثر ظلمًا. لا نستطيع أن نقول لمن فقد إنسانًا: غيرك فقد أكثر، ولا لمن خُذل: هناك ما هو أسوأ، ولا لمن يعيش خوفًا: لا شيء يستحق كل هذا. فوجود وجعٍ أكبر لا يجعل الوجع الأصغر أقل ألمًا لصاحبه؛ فالألم ليس مسابقةً يفوز بها الأكثر معاناة، ولا يحتاج الإنسان إلى أن يثبت أن جرحه عميق بما يكفي كي يُسمح له بأن يتألم.

لكن هناك شيء آخر يفعله الألم الخفي؛ إنه قد يجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه. يسأل: لماذا لم أتجاوز بعد؟ لماذا ما زالت هذه الكلمة تؤلمني؟ لماذا أشتاق إلى من آذاني؟ لماذا أشعر بالحزن بينما يبدو أن لدي كل أسباب الفرح؟ وهكذا، بدل أن يحمل ألمه فقط، يبدأ بمحاكمة نفسه لأنه يتألم.

وربما هنا يجب أن نعيد للإنسان حقًا بسيطًا ننساه كثيرًا: أن يشعر بما يشعر به، قبل أن نطالبه بأن يبرره؛ فليس الاعتراف بالألم ضعفًا، كما أن إخفاءه ليس قوةً بالضرورة؛ والشجاعة ليست أن نقول دائمًا "أنا بخير"، بل ربما أن نستطيع، حين لا نكون بخير، أن نعترف بذلك من دون أن نشعر أننا أصبحنا أقل قيمة أو أقل كرامة أو أقل إنسانية.

ومع ذلك، لا يعني احترام الألم أن نبني له بيتًا داخلنا ونقيم فيه إلى الأبد؛ هناك فرق بين أن نعطي الجرح حقه في أن يؤلم، وبين أن نعطيه حقه في أن يقرر بقية حياتنا؛ فالألم جزءٌ من قصتنا، لكنه ليس القصة كلها؛ وما حدث لنا أصبح جزءًا منا، لكنه لا يملك وحده أن يقرر من سنصبح.

الشفاء لا يعني دائمًا أن يختفي الألم؛ أحيانًا يعني فقط أن يبقى الجرح في مكانه من الذاكرة، من دون أن يبقى هو المكان الذي نعيش فيه.

عبور الألم

ليس كل من تألّم أصبح أرحم؛ فالألم لا يحمل في داخله فضيلةً جاهزة، ولا يمنح الإنسان الحكمة لمجرد أنه مرّ به؛ قد يخرج إنسان من ألمه أكثر فهمًا للآخرين، وقد يخرج آخر أكثر غضبًا منهم؛ قد تجعلنا التجربة القاسية ألين أمام ضعف الناس، وقد تجعلنا أقسى لأن أحدًا لم يكن لينًا معنا.

وهنا ربما تكمن أخطر لحظات الألم: حين لا يعود يؤلمنا فقط، بل يبدأ بالكلام والتصرف من خلالنا.

فالطفل الذي جُرح قد يكبر وهو يجرح، ومن تعرّض للإهانة قد يجد نفسه يهين من هو أضعف منه، ومن خُذل قد يدخل كل علاقة جديدة متهمًا الآخر قبل أن يعرفه، ومن عاش ظلمًا قد يقنع نفسه يومًا بأن ظلمه للآخرين ليس إلا استردادًا متأخرًا لحقه. ولعل كثيرًا من القسوة التي نراها في البشر ليست دائمًا شرًا وُلد معهم؛ قد تكون، أحيانًا، ألمًا قديمًا لم يجد طريقًا آخر للخروج؛ وهذا لا يبرر القسوة، ولا يعفي الإنسان من مسؤولية ما يفعله، لكنه يجعلنا نفهم شيئًا مهمًا: أن الجرح الذي لا نلتفت إليه قد لا يبقى جرحًا فقط؛ قد يصبح طريقةً في النظر، ثم طريقةً في التعامل، ثم طبعًا نظنه جزءًا منا.

وهنا يعود الألم إلى قلب مشروع الإنسانية؛ لأن السؤال لا يعود فقط: كيف أحتمل ما يؤلمني؟ بل: كيف أمنع ما يؤلمني من أن يؤلم غيري؟

وهذه ليست دعوةً إلى كبت الغضب، ولا إلى مسامحة من آذانا قبل أن نكون قادرين عليها، ولا إلى التظاهر بأن شيئًا لم يحدث. فالظلم يحتاج إلى مواجهة، والحدود أحيانًا ضرورة، والابتعاد قد يكون حمايةً، والغضب نفسه قد يكون صوتًا يخبرنا بأن شيئًا فينا قد انتُهك. لكن هناك فرقًا بين أن نحمي أنفسنا من الجرح، وبين أن نجعل الجرح مبررًا لجرح الآخرين.

ربما لا نستطيع أن نختار كل ما يدخل حياتنا، لكننا نملك مسؤوليةً تجاه ما يخرج منا بعدها.

وهنا قد يكون أحد أصعب أشكال الشجاعة الإنسانية: أن يصل الألم إلينا ويتوقف عندنا؛ أن أُهان ولا أتعلم الإهانة. أن أُخذل ولا أجعل الخذلان طريقتي في الحب. أن أُظلَم ولا أحتاج إلى مظلومٍ آخر كي أشعر أنني استعدت عدالتي. أن أفقد، ولا أعاقب من بقي لأن أحدًا رحل. أن أتألم، ولا أجعل إنسانًا آخر يدفع ثمن ألمٍ لم يصنعه.

فربما لا يكون أعظم انتصار على الألم أن نمحوه من ذاكرتنا، ولا أن نخرج منه بلا ندبة؛ بل أن ننظر يومًا إلى ما أصابنا، ثم إلى الإنسان الذي أصبحناه، ونكتشف أن الجرح ترك أثره، لكنه لم ينجح في أن يختار إنسانيتنا بدلًا منا.

لأننا قد لا نملك دائمًا أن نمنع الألم من الوصول إلينا، لكن من أعمق مسؤولياتنا الإنسانية أن نحاول ألا نسمح له بأن يعبر من خلالنا إلى إنسانٍ آخر.

أبعد من التفسير

منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن وجوده، حاول أن يفهم الألم؛ لكن الفلسفة، على كثرة ما قالت، لم تستطع أن تمنحه جوابًا واحدًا، وربما لأن الفلسفة تستطيع أن تضيء على الألم، لكنها لا تستطيع أن يتألّم مكاننا.

رأى بوذا (Buddha) في التعلّق أحد جذور المعاناة، ووضع شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) الرغبة التي لا تنتهي في قلبها، بينما سأل نيتشه (Friedrich Nietzsche) عمّا يستطيع الإنسان أن يصنع من ألمه، لا كيف يلغيه؛ أما كامو (Albert Camus) فواجه احتمال ألا نجد لكل ألم تفسيرًا، ورأت سيمون فايل (Simone Weil) أن أمام وجع الآخر قد يكون حضورنا وانتباهنا إليه أصدق من تفسيره، فيما رأى فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) أن الإنسان، أمام معاناة لا يستطيع تغييرها، يبقى قادرًا على اختيار موقفه منها.

وربما بعد كل هؤلاء، تبقى حقيقة أبسط: لا توجد فلسفة تلغي الوجع، ولا فكرة تجعل المرض أقل مرضًا، ولا حكمة تعيد من رحل. وليس كل ألم درسًا، ولا كل جرح هديةً متنكرة؛ فماذا نقول لأم فقدت طفلها؟ أي درس يمكن أن يساوي طفلًا؟

لعلنا أخطأنا حين خلطنا بين معنى الألم والمعنى الذي نستطيع أن نبنيه بعده؛ قد لا يجد المريض معنى في مرضه، لكنه يستطيع أن يجد معنى في حياة يعيشها رغم المرض؛ وقد لا يجد من فقد حبيبًا معنى في موته، لكنه يستطيع أن يحمل الحب الذي تركه معه؛ وقد لا يستطيع المظلوم أن يمنح الظلم معنى، لكنه يستطيع أن يرفض أن يجعله ظالمًا.

وهنا ربما يبدأ التعايش: لا حين نحب الألم، ولا حين نفهمه، بل حين نتوقف عن اشتراط زواله لكي نسمح لأنفسنا بأن نعيش؛ فالتعايش لا يعني أن نقول للألم: ابقَ؛ بل أن نقول للحياة: لن أنتظر رحيله كله لكي أعود إليك.

وقد يكون هذا كل ما تستطيع الفلسفة أن تتركه لنا في النهاية: الألم قد يكون جزءًا من حياتنا، لكنه ليس الحياة كلها.

وعندها لا يعود السؤال: متى سينتهي ألمي؟ بل يصبح أكثر إنسانية: هل أستطيع أن أفسح للحياة مكانًا إلى جانب ألمي؟

فالألم قد يفرض نفسه على حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يحصل، مع الألم، على حق كتابة بقيتها. وحين نصل إلى ذلك، لا نكون قد هزمنا الألم ولا نسيناه؛ نكون فقط قد أعدناه إلى حجمه: جزءًا من حياتنا، لا الحياة كلها.

لا ينتهي حين ينتهي

نقول عن الألم إنه مرّ، وكأن له بدايةً واضحة ونهايةً واضحة؛ وقع الحادث وانتهى، أُجريت العملية، شُفي الجرح، انتهت العلاقة، دُفن من رحل، مضت السنوات. لكن الزمن يعرف متى انتهى الحدث، ولا يعرف دائمًا متى انتهى الألم.

فبعض الأوجاع لا تبقى بالقوة نفسها، لكنها تغيّر شكلها؛ ألمٌ كان يومًا صراخًا يصبح صمتًا، وغيابٌ كان يملأ اليوم كله يصبح لحظةً مفاجئة أمام كرسي فارغ، أو أغنية، أو رائحة، أو تاريخٍ على الروزنامة؛ ومرضٌ انتهى علاجه قد يترك خوفًا من عودته، وحادثٌ شُفي منه الجسد قد يجعل صوتًا صغيرًا يعيد القلب، للحظة، إلى المكان نفسه. وهذا لا يعني أن الإنسان لم يشفَ؛ ربما لأننا أخطأنا أصلًا حين تخيلنا الشفاء نسيانًا.

فالجرح في الجسد، حين يلتئم، لا يعود الجلد دائمًا كما كان؛ تبقى ندبة؛ لا تنزف، ولا تحتاج إلى ضماد، وربما لا تؤلم، لكنها تقول إن شيئًا حدث هنا. ولعل في داخل الإنسان ندوبًا تشبهها؛ ليست أمراضًا، ولا هزائم، ولا دليلًا على أننا عالقون في الماضي، بل آثارًا لأشياء عبرت حياتنا ولم تمرّ من دون أن تترك فيها شيئًا.

ولذلك، ليس من العدل أن نحدد للآخر موعدًا لانتهاء حزنه؛ نقول: مرّت سنة، أو خمس، أو عشر؛ كأن السنوات ممحاة؛ الزمن لا يشفي وحده؛ الزمن يمرّ فقط؛ وما يحدث خلاله هو الذي قد يغيّر علاقتنا بالألم: حبٌ جديد لا يلغي حبًا قديمًا، يدٌ أمسكت بنا، كلمةٌ فهمناها متأخرين، مصالحةٌ مع ما لا يمكن إصلاحه، أو ربما مجرد أيام كثيرة تعلّمنا خلالها كيف نحمل ما لم نستطع أن نضعه أرضًا.

لكن التعايش مع الألم يحمل خوفًا آخر لا نتحدث عنه كثيرًا: الخوف من أن نخون ألمنا إذا عدنا إلى الحياة، فقد يشعر من فقد إنسانًا بالذنب في أول مرة يضحك فيها من قلبه، وقد يخاف المريض، بعد فترة طويلة من العلاج، أن يثق بجسده من جديد، وقد يتردد من جُرح في الحب أمام حبٍ جديد، كأن فتح الباب مرةً أخرى يعني أن ما حدث لم يكن مهمًا؛ أحيانًا نتمسك بالألم، لا لأننا نحب أن نتألم، بل لأننا نخشى أن يكون شفاؤنا نوعًا من النسيان.

لكن من رحل لا يصبح أقل حبًا لأننا ضحكنا بعده، وما عانيناه لا يصبح أقل حقيقةً لأننا عدنا إلى الحياة، والندبة لا تحتاج إلى أن تبقى جرحًا مفتوحًا لكي تثبت أن الجرح كان موجودًا.

فالوفاء لما فقدناه لا يكون بأن نفقد أنفسنا معه؛ وربما لهذا لا تكون المصالحة مع الألم أن نغلق بابه ونرمي المفتاح، بل أن نعرف متى نزوره ومتى نغادره؛ أن نستطيع أن نتذكر من دون أن نغرق، وأن نحزن من دون أن يصبح الحزن هويتنا، وأن نحمل الندبة من دون أن نقضي العمر كله نلمسها لنتأكد أنها ما زالت هناك.

فالألم قد يبقى في الذاكرة، وقد يعود أحيانًا من دون موعد، وقد يرافق الإنسان بطريقةٍ ما حتى آخر عمره؛ لكن هناك فرقًا هائلًا بين ألمٍ يسكن في حياتنا، وحياةٍ تسكن داخل الألم.

والتعايش ربما يبدأ عندما نستعيد هذه الحدود؛ عندما نستطيع أن نقول لما حدث: لن أنكر أنك غيّرتني، ولن أدّعي أنني نسيتك؛ لكنني لن أعطيك كل ما بقي من عمري أيضًا.

لأن بعض الألم لا يحتاج إلى أن يموت لكي نعيش؛ يحتاج فقط إلى أن يجد مكانه الصحيح فينا، ثم يفسح مكانًا للحياة.

الكوخ الذي لم يغادره

في رواية The Shack لويليام بول يونغ (William P. Young)، يفقد ماك ابنته الصغيرة ميسي بعد اختطافها وقتلها، ويرتبط موتها بكوخ مهجور؛ تمر السنوات، لكنه لا يغادر ذلك الكوخ حقًا؛ يعيش حياته فيما يبقى شيءٌ منه هناك، عالقًا أمام سؤال واحد: أين كان الله حين حدث كل هذا؟

وحين يعود إلى الكوخ، يلتقي، في عالم الرواية الرمزي، بالله؛ لم يجد تفسيرًا يجعل موت ابنته مقبولًا، ولم يتحول الشر إلى خير؛ بل بدأ يفهم أن الله لم يكن يطلب منه أن يحب ما حدث أو أن يفهمه، بل ألا يسمح لما حدث بأن يأخذ منه كل ما بقي.

كان الغفران أصعب ما واجهه؛ كيف يغفر لمن قتل ابنته؟ لكنه يكتشف أن الغفران ليس نسيانًا ولا تبرئةً للمجرم، بل تحريرٌ لنفسه من أن يبقى مربوطًا بمن آلمه؛ فجرحنا قد يأخذ منا شيئًا مرة، لكن الكراهية قد تسمح له بأن يأخذ منا شيئًا كل يوم.

ثم يرى ميسي، وهنا يتغير معنى الرحلة؛ فبعدما حملها سنوات في صورة موتها، يستعيدها طفلةً ضحكت ولعبت وأحبّت؛ فحين نفقد من نحب، قد يسرق الألم من ذاكرتنا حياته، ويترك لنا موته فقط؛ لكن الإنسان الذي أحببناه أكبر من ذكرى فقدناه بها. حين يغادر ماك الكوخ، لم يكن ألمه قد انتهى، ولم تكن أسئلته كلها قد أُجيبت؛ لكنه خرج حاملًا ميسي، لا موت ميسي فقط؛ والذاكرة، لا السجن.

وهنا يصبح الكوخ صورةً لكل إنسان؛ فلكل منا كوخٌ ما، قد يكون غرفة مستشفى، أو سريرًا فارغًا، أو نتيجة فحص، أو خيانة، أو لحظةً قسمت العمر إلى ما قبلها وما بعدها. وقد لا نستطيع تغيير ما حدث هناك، لكننا نستطيع يومًا أن نفتح الباب ونخرج؛ لا لأننا نسينا، بل لأن حياتنا أكبر من المكان الذي تألّمنا فيه.

رغم الألم

ربما لا يجعل الألم الإنسان أفضل، ومن الظلم أن نطلب من كل جرحٍ أن يتحول إلى حكمة؛ لكنه قد يعرّفنا، إن لم نغلق قلوبنا بسببه، إلى وجع الآخرين بطريقة لم نعرفها من قبل؛ فمن انتظر يومًا خبرًا عن شخص يحبه، لن ينظر بالطريقة نفسها إلى من يجلس في ممر مستشفى؛ ومن عرف ألم الجسد يفهم أن الابتسامة ليست سهلة كل يوم؛ ومن فقد عزيزًا يعرف أن سؤال "كيف حالك؟" قد يكون أكبر بكثير مما يبدو.

لا يعني ذلك أننا نعرف ألم الآخر؛ فلا أحد يستطيع أن يقول: أعرف تمامًا ما تشعر به؛ لكن الألم قد يجعلنا أقل استعجالًا في الحكم وأكثر انتباهًا لما لا يُقال؛ فنفهم أن خلف وجهٍ قاسٍ ربما وجعًا لا نراه، وخلف صمتٍ طويل معركةً لا نعرفها، وهذا لا يبرر الخطأ، فالجرح لا يمنح صاحبه حق جرح الآخرين، لكن الفهم يضيف إلى العدالة شيئًا تحتاجه الإنسانية دائمًا: الرحمة.

والرحمة ليست شفقة؛ إنها ألا نختصر المريض بمرضه، ولا من فقد بحزنه، ولا من أخطأ بخطئه، ولا من انكسر بانكساره. فنحن لا نستطيع أن نحمل ألم إنسانٍ عنه، لكننا نستطيع أن نحمل معه شيئًا من ثقله؛ يدٌ تمسك بيد، كرسيٌّ قرب سرير، صمتٌ يعرف متى لا يتكلم، وإنسانٌ يبقى حين لا يملك شيئًا يقوله.

لا تشفي هذه الأشياء المرض، ولا تعيد الغائب، ولا تمحو الماضي؛ لكنها تقول للمتألّم ما قد يحتاج إليه أكثر من كل التفسيرات: ألمك لك، نعم؛ لكنك لست وحدك فيه. وربما هنا يقترب الألم من الإنسانية؛ لا لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان يستطيع، أمام ألم إنسانٍ آخر، أن يكون جميلًا.

هنا نحتاج إلى التخلي عن فكرة الانتصار على الألم؛ فليس كل ألم حربًا يجب أن نهزمها، وبعضه لا يرحل، بل نتعلّم كيف نعيش من دون أن نسلّمه مفاتيح الحياة كلها. فالتعايش مع الألم لا يعني أن نحب ما حدث، أو نستسلم لما يمكن تغييره؛ بل أن نتوقف عن مطالبة الماضي بأن يعود إلى الوراء ونسمح للحاضر بأن يبدأ، أن نقبل جسدًا تغيّر من دون أن نحتقره، وقلبًا لم يعد كما كان من دون أن نطالبه بالعودة إلى نسخته القديمة؛ وأن نسأل، بدلًا من: ماذا فقدت؟ ماذا بقي؟

ولعل الحياة بعد الألم لا تعود دفعةً واحدة؛ تعود بالتراكم، في فنجان قهوة، أو نافذة نفتحها، أو خطوة نستطيع أن نمشيها، أو ضحكة لا نشعر بعدها بالذنب، أو موعد نضعه للأسبوع المقبل؛ وفي كل مرة نفعل شيئًا للمستقبل، نقول للألم من دون كلمات: أعرف أنك هنا، لكنني ما زلت هنا أيضًا.

هذه هي المصالحة: ألا ننتظر اختفاء الألم لكي نستعيد الحياة، بل أن نستعيد الحياة وهو لم يختفِ تمامًا. ويبقى السؤال الأصعب: هل يمكن للألم، من دون أن يصبح خيرًا في ذاته، أن يأخذ معنى يتجاوز الألم نفسه؟

هنا نصل إلى يسوع.

ليست النهاية

ربما كان أسهل أن يأتي يسوع بجواب؛ أن يقف أمام الإنسان الذي يتألّم ويشرح له لماذا يوجد المرض، ولماذا يموت من نحب، ولماذا يصيب الظلم البريء، ولماذا يُترك الإنسان أحيانًا أمام وجعٍ لا يجد له سببًا؛ كان يمكن أن يترك لنا تفسيرًا كاملًا للألم، فنعود إليه كلما عجزنا عن الفهم، لكنه فعل شيئًا آخر، تألّم؛ وهنا تغيّر السؤال.

لم يعد يسوع واقفًا خارج الألم يشرح للإنسان كيف يحتمله؛ دخل إليه من الباب نفسه الذي ندخله نحن: جسدٌ يتعب، قلبٌ يحزن، صديقٌ يموت، خيانةٌ تأتي من قريب، خوفٌ من الآتي، وحدةٌ في أصعب اللحظات، وجسدٌ يعرف أخيرًا ماذا يعني أن يُنحر؛ وقبل الصليب، هناك مشهد ربما يقول عن الألم أكثر مما تقوله كتب كثيرة، مات لعازر، وجاء يسوع إلى حيث كانت أختاه والذين أحبوه يبكون، كان يستطيع أن يتكلم عن القيامة، وكان يعرف، بحسب الرواية الإنجيلية، أن القبر لن يبقى مغلقًا طويلًا، ومع ذلك، قبل كل شيء: "بكى يسوع"؛ كلمتان فقط، لكنهما تعيدان للدمعة كرامتها.

فإذا كان يسوع قد بكى، فالبكاء ليس ضعفًا، وإذا حزن، فالحزن ليس نقصًا في الإيمان، وإذا وقف أمام ألم من يحب ولم يستعجل تجاوزه، فربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يكون أقوى من وجعه؛ ربما يحتاج أحيانًا فقط إلى أن يكون إنسانًا أمامه.

والأجمل أن يسوع لم يقل لمريم: لا تبكي لأنني سأعيد أخاك؛ لم يجعل معرفة الغد تلغي وجع اليوم؛ بكى معها، وكأن هناك آلامًا لا يكون أول جوابٍ عليها تفسيرًا، ولا حتى وعدًا، بل حضورًا.

في بستان الزيتون، لم نرَ إنسانًا يبحث عن الألم أو يمجّده؛ رأينا يسوع يقول: "نفسي حزينة حتى الموت"؛ ويطلب، إن أمكن، أن تعبر عنه الكأس؛ لم يكن يريد الألم لأنه ألم، ولم يجعل الرغبة في تجنبه جبنًا، كان يعرف ما ينتظره، وكان جسده ونفسه يرفضان الوجع كما يرفضه كل إنسان. وهذا مهم؛ لأننا، عبر التاريخ، جعلنا من الألم أحيانًا طريقًا مقدسًا في ذاته، حتى كدنا ننسى أن يسوع نفسه لم يحب الألم؛ أحب الإنسان إلى درجة أنه قبل أن يتألم من أجله. والفرق هائل.

فالمسامير ليست مقدسة لأنها تؤلم، والجلد ليس جميلًا لأنه يجرح، والخيانة ليست خيرًا، والظلم لا يصبح عدلًا لأن البريء احتمله؛ ليس الألم هو الذي أعطى الصليب معناه؛ المحبة هي التي أعطت معنىً لألم الصليب.

وهنا قدّم يسوع شيئًا لم تستطع الفلسفة وحدها أن تقدمه للمتألّم: لم يعطه نظريةً عن الألم، بل أعطاه رفيقًا فيه؛ فحين يقول المريض: جسدي يؤلمني، لا يقف أمام إلهٍ لم يعرف الجسد؛ وحين يقول الإنسان: خذلني من أحب، يجد أمامه من عرف قبلة يهوذا؛ وحين يقول: تركني الجميع، يجد من نام أقرب الناس إليه في ساعة حاجته، ثم هربوا؛ وحين يقول: أشعر أن الله بعيد، يجد على الصليب صرخة: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟"

كأن يسوع لم يترك مكانًا في الألم الإنساني إلا ومرّ بالقرب منه، لكن ربما أعظم ما فعله لم يكن أنه تألّم، بل ما لم يسمح للألم أن يفعله به؛ لم تجعل الخيانة منه خائنًا؛ ولا الظلم ظالمًا؛ ولا الإهانة مهينًا؛ ولا القسوة أقسى؛ ولا أي ألم قادرًا على أن ينتزع منه المحبة. حتى في اللحظة التي كان فيها الألم يصل إلى أقصى الجسد، لم يتحول إلى ألمٍ يُلقى على الآخرين. وهنا نعود إلى قلب رحلتنا كلها: أن يصل الألم إليك، ولا تسمح له بأن يعبر منك إلى إنسانٍ آخر.

لكن المسيحية لم تتوقف عند الصليب، ولو انتهت الحكاية هناك، لأصبح الألم بطلها الأخير، أما القيامة فتقول شيئًا مختلفًا: الجراح لم تُمحَ، لكنها لم تعد تنزف؛ بقيت في الجسد القائم، وكأن الشفاء نفسه لم يحتج إلى إنكار ما حدث؛ وهذه ربما إحدى أجمل الصور التي يمكن أن يحملها الإنسان معه من الألم: أن تقوم، ولا تحتاج إلى أن تمحو ندوبك لكي تكون قد قمت، فالقيامة لم تجعل الصليب شيئًا لم يحدث؛ جعلته شيئًا حدث، لكنه لم ينتصر.

وهنا أعطى يسوع للألم معنىً آخر؛ لم يقل للإنسان إن كل ألم خير، ولا إن عليه أن يبحث عنه، ولا إن كل مرض سيُشفى كما يريد، ولا إن كل خسارة ستُعوّض بالطريقة التي ينتظرها؛ بل عاش الألم حتى نهايته، وأظهر أن الإنسان يستطيع أن يتألم من دون أن يفقد محبته، وأن يُجرح من دون أن يصبح جرحًا، وأن يسقط ثم يقوم، وأن يحمل آثار ما حدث له من دون أن يجعلها نهاية حكايته. وربما لهذا، حين نقف أمام إنسانٍ يتألّم، لا تكون أجمل عبارة نستطيع أن نقولها له: "ستفهم يومًا لماذا حدث هذا"، فنحن لا نعرف، وقد لا يفهم؛ ربما تكون العبارة الأكثر إنسانية: لا أعرف لماذا حدث لك هذا، ولا أستطيع أن أتألّم مكانك؛ لكنني أستطيع أن أبقى إلى جانبك، وألا أترك الألم يقنعك بأن حياتك انتهت عنده. فيسوع لم يَعِد الإنسان بطريقٍ بلا ألم، لكنه سار الطريق معه؛ ولم يجعل آخر صورةٍ للإنسان جسدًا معلّقًا على صليب، بل إنسانًا قام وما زالت جراحه فيه.

وكأن الرسالة الأخيرة للألم لم تكن: لن تُجرح، بل: جراحك ليست كلّك؛ ولم تكن: لن تسقط؛ بل: تستطيع أن تقوم؛ ولم تكن: لن تموت أشياء في حياتك، بل: ليس كل موتٍ هو الكلمة الأخيرة؛ ومن هنا، بعد الألم، يبدأ شيء آخر؛ يبدأ الأمل.

الخاتمة

بعد كل ما قيل، ربما لا نخرج من الألم بجوابٍ عن كل أسئلتنا؛ فبعض "لماذا" ستبقى معلّقة، وبعض الجراح ستبقى ظاهرة، وبعض الغياب لن يملأ مكانه شيء؛ لكن الإنسان لا يحتاج إلى أن يفهم كل ما حدث له لكي يستمر، ولا إلى أن يشفى من كل شيء لكي يعود إلى الحياة.

فالذي يتألم ليس مطالبًا بأن يشكر ألمه، ولا أن يكون قويًا كل يوم، ولا أن يحوّل كل جرحٍ إلى حكمة، ولا أن يعود كما كان؛ أنت لست مرضك، ولست خسارتك، ولست جرحك، ولست أسوأ ما حدث لك.

قد يغيّرك الألم، وقد يأخذ منك أشياء كثيرة، لكنه لا يملك وحده أن يقرر من ستصبح؛ قد يكتب صفحةً من حياتك، وربما صفحات، لكن لا تسلّمه القلم ليكتب القصة كلها.

دع للندبة مكانها، لكن لا تعطها مكانك؛ دع للغائب ذكراه، لكن لا تختصر حياته في رحيله؛ دع للدمعة حقها، لكن لا تخجل من الضحكة حين تعود؛ وحين تصبح الحياة ثقيلة، لا تطلب منها كلها دفعةً واحدة، يكفي أحيانًا يومٌ آخر، ويدٌ تمسك بيدك، وخطوةٌ تستطيع أن تخطوها، وسببٌ صغير يجعلك تريد أن ترى الغد.

وهنا ربما تكون الخلاصة الإنسانية الأعمق: ليس الألم ما يجعل الإنسان أكثر إنسانية، بل ما يرفض الإنسان أن يسمح للألم بأن ينتزعه منه. أن يتألّم ولا يصبح قاسيًا؛ أن ينكسر ولا يكسر؛ أن يعرف الوجع فيصبح أرحم بوجع الآخرين؛ أن يُخذل ويبقى قادرًا على الحب؛ وأن يحمل جراحه من دون أن يحملها إلى الآخرين.

فليس الانتصار على الألم أن تخرج منه كما دخلت إليه، ولا أن تخرج بلا جراح؛ بل أن تخرج وما زال فيك، رغم كل ما حدث، إنسانٌ قادرٌ على أن يحب.

وعندها لا يكون الألم قد أصبح جميلًا، ولا يصبح ما حدث مستحقًا لأن يحدث؛ لكنه يفقد شيئًا من سلطته عليك.

فقد جرَحَك، لكنه لم يصبح أنت.

أخذ منك، لكنه لم يأخذ كل ما بقي.

غيّرك، لكنه لم يكتب نهايتك.

وربما هذه هي الإجابة التي يستطيع الإنسان أن يحملها حين لا يجد إجابةً لكل أسئلته: أن الألم قد يكون جزءًا من حياته، لكنه ليس الحياة كلها.

تبقى للإنسان كلمة.

ويبقى للحب كلمة.

وتبقى للحياة كلمة.

ومن بين كل ما بقي، يولد الأمل.