تُعدّ بلدة القليعة، ذات الغالبية المسيحية، في قضاء مرجعيون، واحدة من أبرز البلدات الجنوبية التي اقترن اسمها بالإيمان والصمود. فإلى جانب موقعها الحدودي وما شهدته من محطات تاريخية ووطنية، تحتفظ البلدة بإرث ديني وروحي شكّل، على مدى قرون، ركنًا أساسيًا من هويتها الثقافية والاجتماعية، وجعلها مقصدًا للمؤمنين والزوار من مختلف المناطق.
تبعد القليعة نحو 100 كيلومتر عن العاصمة بيروت، وتتربّع على تلة ترتفع نحو 650 مترًا عن سطح البحر، بين سهل مرجعيون ونهر الليطاني، وتشرف شرقًا على جبل الشيخ وغربًا على قلعة الشقيف. وقد منحها هذا الموقع المميز جمالا طبيعيًا فريدًا، وجعلها حلقة وصل بين أقضية مرجعيون وحاصبيا والنبطية.
وتعود نشأة البلدة إلى عام 1534، حين استقر فيها بركات الهاشم بعد انتقاله من منطقة العاقورة، لتنشأ حول المنازل الأولى نواة البلدة التي حملت اسم "القليعة"، تصغيرًا لكلمة "القلعة". ومع مرور الزمن، توسعت البلدة حتى بلغت مساحتها نحو 35 ألف دونم، ويبلغ عدد أبنائها قرابة ستة آلاف نسمة، يقيم منهم حاليًا نحو 4500 شخص، فيما يزيد عدد المغتربين على ألفي شخص، يساهمون في دعم صمود الأهالي واستمرار ارتباطهم ببلدتهم.
وعرفت القليعة الهجرة منذ عقود، ولا سيما خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم شهدت موجة جديدة خلال تسعينيات القرن الماضي باتجاه السويد ودول الاغتراب الأخرى، نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة. ويُقال إن ثلثي أبناء البلدة يقيمون خارج لبنان، ولا سيما في دول أميركا اللاتينية، وقد تبوأ عدد منهم مناصب رسمية واقتصادية بارزة.
وتُعرف القليعة أيضًا بتاريخها الوطني، إذ دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة الحروب المتعاقبة، وقدّمت أكثر من 150 شهيدًا. وحتى العام 1975، كان أكثر من 400 من أبنائها يخدمون في الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، رافضين إقامة أي مكاتب حزبية داخل البلدة، كما وصل أحد أبنائها، الراحل العماد حنّا سعيد، إلى قيادة الجيش عام 1976.
ويبرز التراث الديني في القليعة من خلال كنيسة مار جرجس، شفيع البلدة، التي تُعدّ من أهم الكنائس التاريخية في جنوب لبنان. فقد بدأ تشييدها الحالي في أواخر القرن التاسع عشر، واكتمل مطلع القرن العشرين، ويُعتقد أنها أُقيمت فوق أنقاض كنيسة أقدم. وتمتاز بطراز معماري يجمع بين الفن الروماني والبيزنطي والماروني واللاتيني، ما يمنحها قيمة دينية وفنية استثنائية.
وتحتفظ الكنيسة بوثيقة عثمانية نادرة مؤرخة في 16 آذار 1901، تتضمن أمرًا صادرًا عن دائرة الشؤون الملكية العثمانية إلى والي بيروت، يقضي بالسماح لأهالي القليعة بإعادة بناء الكنيسة بعد تهدمها، وتشير، في الوقت نفسه، إلى أن عدد سكان البلدة آنذاك بلغ 541 نسمة.
كما تحتضن الكنيسة لوحة القديس مار جرجس التي رسمها الفنان اللبناني داود القرم عام 1912، وهي الأكبر بين اللوحات التي أنجزها للكنائس اللبنانية، وتُعدّ من أبرز الأعمال الفنية الدينية في لبنان.
ويكتسب عيد مار جرجس، الذي يُحتفل به في 23 نيسان من كل عام، مكانة خاصة لدى أبناء البلدة، إذ تتحول القليعة إلى مقصد للمؤمنين من مختلف المناطق، حيث تُقام القداديس والاحتفالات الدينية والشعبية في ساحة الكنيسة، في مشهد يجسد عمق الإيمان والتقاليد المتوارثة.
ولا يقتصر الإرث الروحي على كنيسة مار جرجس، بل يمتد إلى دير القديسة حنّة، والدة السيدة العذراء، الذي شُيّد عام 1886 بتمويل من البابا ليون الثالث عشر، وأشرف على بنائه المطران بطرس جريجيري، الذي أصبح لاحقًا بطريركًا، قبل أن يُدشّن عام 1892. وقد أُنشئ الدير ليكون ملجًأ للأيتام ومركزًا لتعليمهم الزراعة وتربية النحل، مستفيدًا من موقعه الهادئ وسط الأراضي الزراعية. ورغم الأضرار التي لحقت به جراء حريق عام 1926 وزلزال عام 1956، لا تزال كنيسته الصغيرة قائمة بعد ترميمها، وتستقبل المؤمنين، ولا سيما في عيد القديسة حنّة في 25 تموز.
وعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي، شهدت القليعة نهضة لافتة مع تأسيس "نادي المرج الثقافي الاجتماعي" عام 1965، برعاية كاهن الرعية الراحل الخوري منصور الحكيم، وأسهم النادي في تنشيط الحركة الثقافية والاجتماعية في البلدة. كما تضم القليعة ثلاث مدارس، إحداها رسمية، إضافة إلى مستوصفين، ومركز للدفاع المدني، ومؤسسة كاريتاس.
إلا أن هذا الإرث التاريخي والديني يواجه اليوم تحديات قاسية. ففي حديثه إلى "نداء الوطن"، يؤكد رئيس بلدية القليعة، حنّا ظاهر، أن البلدة تعيش "أسوأ مرحلة في تاريخها"، بعدما تكبد المزارعون خسائر فادحة نتيجة احتراق حقول القمح وبساتين الجوز والأفوكادو والأشجار المثمرة في سهل مرجعيون، مشيرًا إلى أن البلدية عاجزة عن تعويض هذه الخسائر في ظل الإمكانات المحدودة، وأن كل المحاولات لتأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم باءت بالفشل.
ويضيف ظاهر أن الأزمة لا تقتصر على القطاع الزراعي، بل تمتد إلى التعليم، في ظل استمرار إقفال الطريق الرئيسي بين مرجعيون والنبطية، ما يهدد مستقبل الطلاب والعملية التعليمية، ويطرح علامات استفهام حول إمكانية افتتاح المدارس مع تراجع عدد الطلاب المقيمين في المنطقة.
ويختم رئيس البلدية بالدعوة إلى تحرك رسمي عاجل لدعم القرى الحدودية، مؤكدًا أن الأهالي يعيشون "في حبس كبير" منذ عام 2023، وأن الخسائر الاقتصادية والزراعية والاجتماعية تتفاقم يومًا بعد يوم، فيما يبقى مطلبهم الأول استعادة السلام والاستقرار والأمن، وتأمين مقومات الصمود والبقاء في أرضهم.
ورغم الحروب والاعتداءات والهجرة، بقي التراث الديني في القليعة الركيزة التي حفظت هوية البلدة ورسّخت ارتباط أبنائها بأرضهم. فمن كنيسة مار جرجس إلى دير القديسة حنّة، لا تزال معالمها الروحية شاهدة على تاريخ طويل من الإيمان والعطاء، لتبقى القليعة نموذجًا لبلدة جنوبية نجحت في صون إرثها الديني والثقافي، وجعلته جزءًا حيًا من حاضرها ومستقبلها.