في إطار تغطيتها للقرى والبلدات اللبنانية والإضاءة على واقعها وحياتها اليومية، تحطّ "نداء الوطن" رحالها في بلدة الشيخ محمد العكارية، في زيارة صباح أحد إلى بلدة حملت اسمها من وليّ قديم كان يُعرف بـ"الشيخ محمد"، كان يقيم عند مدخلها قبل مئات السنين، فارتبط اسمه بتاريخ المكان وذاكرة أهله. ومن هذه البلدة التي ترتفع نحو 200 متر عن سطح البحر، تبدأ حكاية عكارية تختصر الكثير من ملامح المنطقة، من التنوع والعيش الواحد، إلى الزراعة والعلم والاغتراب، مرورًا بعلاقات الأخوة التي تجمعها بالبلدات المحيطة، وصولا إلى طموحات إنمائية تسعى إلى تطوير البلدة وتعزيز صمود أهلها، وتشجيع أبنائها المغتربين على العودة والاستثمار في أرضهم.
يبلغ عدد سكان الشيخ محمد نحو 6500 نسمة، يقيم منهم حوالى 3500 نسمة بشكل دائم، فيما ينتشر أبناؤها في بلدان الاغتراب، ولا سيما أستراليا وفرنسا وكندا وفنزويلا والولايات المتحدة والبرازيل، إضافة إلى عدد من الدول العربية. وقد ترك هذا الانتشار الواسع أثرًا واضحًا في حياة البلدة، التي بقيت على تواصل دائم مع أبنائها المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، فيما يشكل المغتربون رافدًا أساسيًّا لعائلاتهم وبلدتهم.
وتتميز بلدة الشيخ محمد بوجود عدد كبير من المثقفين وحملة الشهادات العليا في مختلف الاختصاصات، إلى جانب حضور لافت لأبنائها في المؤسسات والإدارات العامة، فضلا عن وجود عدد من أصحاب الرتب العالية في المؤسسة العسكرية، ما يعكس المستوى العلمي والوظيفي الذي يتمتع به أبناء البلدة.
إداريًّا، يتألف المجلس البلدي من 12 عضوًا، فيما تضم البلدة مختارين، وتتميز بتنوعها الطائفي والاجتماعي، حيث يعيش فيها أبناء من الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، في أجواء من التآخي والتواصل، بما يعكس صورة العيش المشترك التي تتميز بها عكار.
وفي الجانب الديني والتراثي، تحتضن البلدة كنيسة مار جرجس التي يعود تاريخها إلى نحو عام 1740، إضافة إلى كنيسة سيدة النجاة للروم الكاثوليك التي تأسست عام 1952. كما تضم ديرًا للراهبات، ومدرسة رسمية وثلاث مدارس خاصة، ما يجعلها مركزًا تربويًا وتعليميًّا لأبنائها ولعدد من أبناء البلدات المجاورة.
ويشكّل القطاع الزراعي أحد أبرز مقومات الحياة الاقتصادية في الشيخ محمد، إلى جانب الوظائف العامة. وتشتهر البلدة بزراعة الزيتون، كما تنتج مختلف أنواع الخضار والفواكه، وتنتشر فيها البيوت البلاستيكية، إلى جانب زراعة التبغ التي شكّلت في مراحل سابقة موردًا أساسيًّا لعدد من العائلات.
وفي إطار العمل الإنمائي، يوضح رئيس البلدية الدكتور ياسر طعوم أن البلدية تولي اهتمامًا خاصًّا بالبنى التحتية والخدمات اليومية، حيث تعمل على تعبيد الطرق وتحسينها، إلى جانب تنفيذ أعمال النظافة بشكل يومي، حفاظًا على نظافة البلدة ومظهرها العام. كما تعمل على تشييد حديقة عامة تكون متنفسًا لأبناء البلدة والعائلات، وتسعى إلى استكمال أعمال القصر البلدي وتجهيزه، وإقامة مسرح يحتضن الفعاليات الثقافية والفنية، إضافة إلى العمل على إنشاء دار للعجزة تؤمّن الرعاية والاهتمام لكبار السن.
وترتبط الشيخ محمد بعلاقات أخوية ومتينة مع البلدات الأقرب إليها، ولا سيما كروم عرب وحلبا ومشحا والنفيسة، حيث تجمع بينها علاقات اجتماعية وإنسانية راسخة، وتواصل دائم بين الأهالي، إلى جانب التعاون في مختلف المناسبات والاستحقاقات. ويؤكد طعوم أن هذه العلاقات تتجاوز حدود الجغرافيا، وتشكل نموذجًا للتلاقي والتعاون بين أبناء عكار، وتعزز وحدة المجتمع العكاري وترابط بلداته.
ويوجّه رئيس البلدية رسالة إلى أبناء الشيخ محمد في الاغتراب، داعيًا إياهم إلى الحفاظ على صلتهم ببلدتهم والوقوف إلى جانب أهلها، وتشجيعهم على العودة والاستثمار فيها، كلٌّ بحسب إمكاناته، لما لذلك من أهمية في تنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز التنمية المحلية وخلق فرص عمل جديدة. ويؤكد أن البلدة بحاجة إلى أبنائها في الداخل والاغتراب، وأن الاستثمار فيها يشكل مساهمة مباشرة في مستقبلها واستمراريتها.
وتبقى الشيخ محمد، بعلاقاتها المتينة مع محيطها وتنوعها الاجتماعي والديني، وبأبنائها المثقفين والمنتشرين في مختلف أنحاء العالم، بلدة تتمسك بأرضها وتاريخها، وتتطلع إلى مستقبل أفضل يقوم على الإنماء والتعاون والعيش الواحد. وكما يقول رئيس بلديتها الدكتور ياسر طعوم: "إن عكار كلها صورة عن لبنان الذي نحب".