الراعي: نريد للبنان حيادًا فاعلًا يحميه من صراعات المحاور ويصون قراره الحر

6 دقائق للقراءة

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة

في الصرح البطريركي في الديمان.

وبعد الإنجيل المقدس ألقى العظة الآتية:

"غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنّها أحبّت كثيرًا" (لو 7: 47)

1. هذا ما قاله الرب يسوع لسمعان الفريسي، عندما دخلت امرأة معروفة في المدينة أنها خاطئة، حاملة توبتها الكبيرة الصامتة بثلاثة أفعال محبة: بغسل قدمَي يسوع بدموع التوبة، وتقبيل قدميه، ودهنهما بالطيب وتنشيفهما بشعر رأسها. ولهذا قال يسوع لسمعان: "غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبّت كثيرًا" (لو 7: 47). وأضاف: "من يحب قليلًا يُغفر له القليل" (لو 7: 47). وكأن الرب يقول له أن يتمثل بالمرأة، ويحب مثلها، ليُغفر له الكثير. أمّا للشعب الذي تشكك من مغفرة الخطايا قال يسوع ملتفتًا إلى المرأة: "اذهبي، إيمانكِ خلّصكِ" (لو 7: 50).

2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا للاحتفال معًا في هذه الليتورجيا الإلهية. وأرحّب بنوع خاص بجامعة آل كرم التي تأسّست سنة 2018، لتشكّل مساحة طبيعية للتلاقي والتعارف والتعاون. وتهدف إلى توطيد أواصر المحبة والتواصل بين أبناء آل كرم، في مختلف البلدات والقرى اللبنانية، كما بين أبناء العائلة في بلدان الانتشار، بعيدًا عن أي تمييز أو اعتبارات مناطقية أو سياسية، وبما يعزّز روح الأخوّة والتضامن والانتماء. فإنّا نحيّي رئيسها المهندس مارون أسد كرم، وأمين سرها السيد شادي فارس كرم، وسائر أعضائها.

ونرحّب بجمعية فرسان الأرز، الذين يخدمون هذا القداس الإلهي، في الجوقة وعلى المذبح. أسّس الجمعية الأب فادي تابت المرسل اللبناني في عيد العنصرة سنة 2022 في رحاب مزار سيّدة لبنان – حريصا، حيث وُلدت الفكرة من إيمانٍ عميق بدور الشبيبة في الكنيسة والوطن، وبقدرتها على أن تكون قوّة تغيير وتجديد، من دون أن تنفصل عن جذورها وأصالتها وقيمها.

تضمّ الجمعيّة شبيبةً جامعيّين ومتخصّصين في مجالات متعدّدة، من الطبّ والهندسة والمحاماة وسواها، وجمعهم إيمانٌ واحد ورسالةٌ مشتركة، فكرّسوا طاقاتهم ومواهبهم لخدمة الكنيسة والوطن والإنسان. وهم شبيبة يعشقون التجديد والتغيير، من دون أن يتخلّوا عن أصالتهم وجذورهم وقيمهم. كما نرحّب أيضًا بأخويّات طلائع وشبيبة العذراء، الآتين من رعية مار جرجس – داربعشتار العزيزة.

ونحيّي وفد الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، هذه الجامعة الوطنية التي خرّجت أجيالًا من الأطباء والمهندسين والقضاة والأساتذة والضباط والإداريين والمحامين، والتي شكّلت الملاذ الوحيد لعشرات آلاف الطلاب الذين لم يعد بإمكانهم تحمّل أعباء التعليم الخاص. هؤلاء الأساتذة المتعاقدون يجدّدون، ونحن معهم، مطلب بتّ ملف تفرّغهم عملًا بالمرسوم الصادر في شهر شباط 2026 الذي ينصّ على استكمال ملف التفرغ، فإنّا نجدّد معهم هذا المطلب لخير الجامعة وأساتذتها.

3. المشهد الإنجيلي الذي سمعناه يجمع ثلاثة أشخاص، لكن كل واحد منهم يرى بطريقة مختلفة:

سمعان يرى خطيئة المرأة.

المرأة ترى حاجتها إلى الرحمة.

يسوع يرى الإنسان التائب.

هذه المرأة لم تنطق بخطاب. دموعها كانت خطابها. لم تقل إنها نادمة، بل أظهرت ندامتها في الاعمال. لم تقل إنها تحب، بل أحبّت. لم تطلب من المسيح أن يدافع عنها، لكنه هو أعاد إليها كرامتها أمام الجميع.

نحن كثيرًا ما نحفظ للآخر خطأه، بينما يكون الله قد فتح له بابًا جديدًا. نضعه في صورة قديمة، فيما تكون النعمة قد بدأت ترسم فيه إنسانًا جديدًا. المحبة الحقيقية لا تبرر الخطيئة، لكنها تفتح للخاطئ طريق العودة عن خطيئته. ولهذا كانت الكلمة الأخيرة: «اذهبي بسلام». لم يقل لها ابقي حيث أنت بل اذهبي. الغفران الحقيقي يحرر الإنسان لكي يقوم، ويتغير، ويبدأ من جديد. فالذي يلتقي المسيح حقًا لا يخرج من اللقاء كما دخل إليه.

4. "غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبّت كثيرًا" (لو 7: 47). من هذه الكلمة ندخل إلى الشأن الوطني اللبناني، لأن للأوطان أيضًا خلاصًا يبدأ بالمحبة. من أحبّ لبنان حقًا، عمل لخلاصه؛ وبقدر ما نحب لبنان، نقدر أن ننقذه بالمحبة التي تتحول إلى أمانة ومسؤولية وتضحية. فالمرأة في الإنجيل لم تقل ليسوع إنها تحبه، بل عبّرت عن حبهابالأفعال. ولبنان اليوم يريد منا أن يرى محبتنا له.

أن نحب لبنان يعني أن نريده وطنًا كاملًا لا حصة لأحد فيه بل لجميع أبنائه؛ ويعني أن نضع مصلحته قبل مصالحنا الشخصية، وأن نصون مؤسساته وماله العام، ونحترم قوانينه، ونرفض الفساد، ولا نجعل الطائفة أكبر من الوطن، ولا الحزب أقوى من الدولة، ولا المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة. فإذا كانت المحبة في الإنجيل قد فتحت باب الخلاص، فإن محبة لبنان الصادقة قادرة أن تفتح أمامه طريق النجاة.

مسألة حصرية السلاح بيد الدولة ينبغي ألّا تتحوّل إلى مواجهة بين اللبنانيين، ولا إلى عنوان يستعمله فريق ضد آخر، ولا إلى مادة لإثارة الشارع والانقسام الطائفي. إنها مسألة تتصل بقيام الدولة نفسها، وبوحدة مرجعيتها، وبأن يعيش جميع اللبنانيين تحت شرعية واحدة ومؤسسات واحدة. المطلوب أن تُقارب بحكمة ومسؤولية وطنية، فالدولة لا تُبنى بهزيمة شريك، بل باجتماع الشركاء جميعًا تحت سقفها.

ويتطلّع اللبنانيون إلى أن تخرج المفاوضات والمساعي من دائرة الانتظار، وأن تبلغ نتائج تحفظ حقوق لبنان، وتوقف الاعتداءات، وتؤدي إلى الانسحاب من أرضه، وتعيد إليه الأمن والاستقرار.

وإذ يبقى الجيش اللبناني المؤسسة الوطنية الجامعة، حاملًا أعباء حماية الأمن والاستقرار وبسط سلطة الشرعية، فمن واجب الدول تسليحه بما يلزم، لكي يستحق التفاف اللبنانيين حوله، ويبقى حصن الوطن والمؤسسات.

أمّا الجنوب، فلا يجوز أن يبقى أرض انتظار وألم. أهله يريدون العودة إلى قراهم وبيوتهم، الأرض تنادي أبناءها، والمناطق المتضررة تنتظر إعادة الإعمار واستعادة الحياة. فلا قيمة لأي تسوية إذا لم يشعر الإنسان بالأمان فوق أرضه، ولم يستعد لبنان سيادته على كامل ترابه.

ونريد للبنان حيادًا فاعلًا يحميه من صراعات المحاور، ويصون قراره الحر، من دون أن ينتقص من حقه في الدفاع عن أرضه وسيادته؛ ليبقى وطن لقاء لا ساحة مواجهة، وجسر حوار لا ميدانًا لصراعات الآخرين. وحين تصبح محبتنا للبنان فعلًا لا قولًا، عندها نستطيع أن نرجو له الخلاص الذي نريده، والوطن الذي نستحقه.

5. لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، كما فتحتَ لهذه المرأة باب الرحمة والسلام، افتح قلوبنا لمحبتك، وعلّمنا أن نغفر لأننا اختبرنا غفرانك، وأن نحب لأنك أحببتنا أولًا. احفظ لبنان وأهله، واجمع أبناءه على الخير والحق والسلام. ويا رب، أعطنا أن نحب كثيرًا، فنعيش كثيرًا من غفرانك. آمين.