سجّلت "الأوركسترا الوطنية للشباب - لبنان" (NYO - Lebanon)، في خطوتها الثانية نحو الضوء العالمي، حضورًا لافتًا في الدورة الرابعة لـ "مهرجان أوركسترا الشباب العالمي" في روسيا، مؤكدةً قدرة المؤسسة الأم، "الكونسرفتوار الوطني اللبناني"، على نحت طاقات إبداعية قادرة على الوقوف بندّية على منصات دولية وازنة، حاملةً ملامح هويتها إلى رحاب الموسيقى الأوسع وإلى مسارح تتسع لكل تجارب الأمم.
فخلال مشاركتها للسنة الثانية ضمن مهرجان "Festival World Youth Orchestra" في موسكو وسوتشي، تحت إدارة وقيادة المايسترو العالمي البارز يوري باشميت، أثبت شباب لبنان أن لغة الإبداع هي الجسر الأبقى نحو العالم.
وبعد المحطات الناجحة العام الماضي في روسيا وإيطاليا، تجدد الموعد هذا العام بانطلاق العازفين نحو موسكو وسوتشي، وقسم منهم قبل ذلك إلى إيطاليا، فضلا عن محطات أخرى تحط رحالها في إيطاليا مجددًا هذا العام.
شارك نخبة من طلاب "أوركسترا الشباب"، وهم: غاييل عماد، جوي سعد، مارينا سراج باشي، جورجيو بو شعيا، أندريا ديميرجيان، وكريس فرح، إلى جانب وفد رسمي من "الكونسرفتوار الوطني اللبناني". وأمضى الوفد عشرة أيام في روسيا، وكانت ورشة عمل مكثفة وصارمة تخللتها تدريبات وتحضيرات يومية شاقة ومضنية، بإشراف المايسترو باشميت، ومشاركة المايسترو القدير أناطولي سيميينوف، اللذين قادا الحفلتين بروعة واقتدار.
بين العاصمة الروسية موسكو ومسارح الضوء على شواطئ البحر الأسود، تألّق العازفون الشباب اللبنانيون في حفلتين كبيرتين لا تُنسيان، إلى جانب بلدان عديدة من العالم. وأقيمت حفلة موسكو على "مسرح زاريادي"، أما الحفلة الثانية فأقيمت في مدينة سوتشي على خشبة مسرح "Sirius Concert Center"، حيث أبدع الشباب اللبناني في عزف مقطوعات تتطلب مهارة فائقة، متناغمين تمامًا مع عصا القيادة المبهرة وبقية العازفين الدوليين، ليؤكدوا أن الموسيقى اللبنانية قادرة على الوقوف بندّية وإبهار على أضخم المسارح الدولية، إلى جانب بلدان عديدة من العالم.
وشمل البرنامج الموسيقي الذي عزفه طلاب "أوركسترا الشباب اللبنانية"، إلى جانب زملائهم في الأوركسترا، مقطوعات خالدة عكست تباين المدارس الكلاسيكية والرومانسية والحديثة، أبرزها:
*السمفونية الأربعون لموتسارت (Symphony No. 40, Mozart) التي تجلّت فيها رهافة الخطوط الكلاسيكية وشفافيتها، وتطلّب أداؤها توازنًا دقيقًا بين الأقسام الوترية وقوة التعبير الهادئ.
*كونسرتينو لآلة الباسون لـ ف. دافيد (Concertino, F. David, Op. 4)، وهو عمل رومانسي مبكر، حيث أبرز العزف المنفرد طاقات تعبيرية عميقة وتقنيات أداء متقدمة تُظهر قدرات آلة الباسون ومساحتها الصوتية الفسيحة ومرونتها التحررية.
*كونسيرتو الباسون والأوركسترا لفيبر (Concerto for Bassoon and Orchestra, Op. 75, Weber)، الذي تطلّب براعة استثنائية وسرعة مذهلة في التنقل بين المقامات والتيمات اللحنية المليئة بالحيوية والعمق الرومانسي.
*دليل الأوركسترا لبودروف (Orchestra Guide, Bodrov)، وهو عمل معاصر استنفر قدرات الأوركسترا في التلوين الصوتي البارع واستكشاف أبعاد جديدة في التوزيع الأوركسترالي الحديث.
*بوليرو موريس رافيل (Bolero, M. Ravel)، العمل الذي يُعد اختبارًا حقيقيًا ومضنيًا للانضباط الإيقاعي والثبات الصوتي، حيث تدرّج العزف اللبناني ببراعة مع التصاعد الهائل والمتواصل في الكثافة الأوركسترالية والنبض الإيقاعي الثابت حتى بلوغ الذروة الكبرى المهيبة.
ولم تكن هذه الرحلة الكبيرة لتكتمل من دون الدعم المعنوي والوطني، فقد حرص وفد من السفارة اللبنانية في موسكو على حضور الحفل ومشاركة الطلاب فرحة النجاح والتألق. وترأس الوفد سفير لبنان في كازاخستان جورج أبي زيد، الذي يحل في موسكو موقتًا مكان سفير لبنان، نظرًا إلى غيابه عن البلاد. وقد وجّه السفير تهنئة حارة ودافئة للوفد اللبناني، معبّرًا عن فخر لبنان العارم واعتزازه العميق بأن يحل شبابه وموسيقيوه في محافل دولية بهذا الحجم، ليكونوا سفراء حقيقيين للثقافة والحضارة والسلام، ويثبتوا أن اسم لبنان يظل مقرونًا بالإبداع والتميز.