مايز عبيد

من عكار إلى بيروت: رحلة في عتمة الطريق

5 دقائق للقراءة
أهم شريان حيوي مروري في لبنان بلا إنارة

في بدايات تموز الماضي، وخلال زيارة إلى دولة خليجية، لفتني مشهدٌ قد يبدو عاديًا في بلد آخر، لكنه يتحوّل في لبنان إلى سؤال كبير: شوارع رئيسية وغير رئيسية مضاءة ليلا إلى درجةٍ يصعب معها أن تميّز الليل من النهار. شبكة طرق تمتدُّ تحت أضواء متواصلة، تجعل القيادة ليلا أكثر وضوحًا وأمانًا، ولا تترك السائق أسير مصابيح سيارته.

بعد العودة إلى لبنان، يكفي أن تقود ليلا من عكار باتجاه بيروت، أو أن ترافق مسافرًا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، حتى تصطدم بالمشهد المعاكس تمامًا. من عكار إلى طرابلس، ومن طرابلس باتجاه بيروت، وصولا إلى ضبية تقريبًا، مسافات طويلة من الطريق العام تغرق في العتمة. لا إنارة عامة تواكب السائق، ولا شريط من الضوء يفتح له الطريق. ولولا أضواء السيارات المارّة، لبدت الطريق في كثير من مقاطعها أشبه بمنطقة أشباح. حتى إنك قد تقود عشرات الكيلومترات ولا ترى بصيصًا من الضوء، وكأن الطريق التي تربط الشمال بالعاصمة والمطار ليست طريقًا دولية تسلكها آلاف السيارات والشاحنات يوميًّا. والصورة في عكار وطرابلس لا تتوقف عند الطريق العام. من المدخل عند المحمرة إلى حلبا، ومن حلبا باتجاه الجومة أو الدريب فوادي خالد، وباقي الطرق في القرى والمناطق، تتكرر الحكاية نفسها. طرقات يعيش عليها الناس يوميًا، لكنها ما إن يحلّ الليل حتى تغيب عنها الإنارة، فيضطرّ السائق إلى الاعتماد على أضواء سيارته وحدها لعبور الطريق. وهنا لا تعود القضية مسألة إنارة مفقودة أو أعمدة لا تعمل. إنها مسألة سلامة عامة.

فالسائق ليلا لا يحتاج إلى الضوء لكي يرى الطريق فقط، بل لكي يتمكن من رؤية الحفر والمطبات والتعرّجات، والمُشاة والدرّاجات النارية، والسيارات المتوقّفة بمحاذاة الطريق، والمداخل الفرعية والتقاطعات. وفي ظل العتمة، يصبح ظهور أي عائق مفاجئ أمام السائق اختبارًا حقيقيًّا لردّ فعله، وقد لا يكون الوقت متاحًا دائمًا لتدارك الخطر.


مشوار التعب: الأخطر أن هذه الرحلة ليست قصيرة

المواطن العكاري أو الشمالي الذي يقصد بيروت ليلا قد يضع نفسه أمام مسيرة تقارب الساعتين أو تزيد، بحسب حركة السير، يقضي خلالها مسافات طويلة في طرق غير مضاءة. أما من يرافق مسافرًا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، فليس أمامه سوى قطع الطريق نفسها ليلا، بكل ما تحمله من مخاطر ومعاناة. تلك هي المفارقة التي تفرض نفسها بقوة. في الدولة الخليجية، التي زرتها في بدايات تموز، كانت الإنارة حاضرة في الشوارع الرئيسية وغير الرئيسية، إلى درجة أن الليل لا يبدو ليلا في كثير من المناطق. وفي لبنان، وعلى الطريق الممتدة من الشمال إلى العاصمة، لا يكاد يظهر سوى ضوء السيارات. ليست المقارنة هنا بين إمكانات دولتين أو بين بلدين مختلفين في الموارد. المقارنة هي في أبسط مقومات الحياة اليومية: أن يرى المواطن الطريق التي يسلكها. فالإنارة العامة ليست ترفًا ولا مشروعًا تجميليًا. وهي ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى حين تحسّن الوضع الاقتصادي. عندما نتحدّث عن طريق دولية تصل العاصمة بالشمال، فإن الإنارة تصبح جزءًا من السلامة المرورية ومن مسؤولية الدولة تجاه مستخدمي هذه الطريق. وهنا تُطرح مجددًا مسؤولية وزارة الأشغال العامة والنقل، المعنية بالطرق العامة وصيانتها وتجهيزها، في وضع ملف الإنارة ضمن أولوياتها، لا باعتباره تفصيلا ثانويًا، بل جزءًا من الحدّ الأدنى المطلوب لجعل الطريق أكثر أمانًا. في المقابل، تُطرح مسؤولية وزارة الداخلية والبلديات في السعي إلى تأمين السلامة المرورية للمواطنين، ومواكبة واقع الطرق، ولا سيما المقاطع التي تغيب عنها الإنارة لمسافات طويلة. فالسلامة المرورية لا تبدأ فقط من ضبط السرعة وتنظيم السير وتحرير المخالفات، بل تبدأ أيضًا من تأمين طريق واضحة وآمنة يستطيع السائق أن يرى معالمها.

ولعلّ أفضل ما يمكن أن يفعله وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وكل معني بهذا الملف، هو القيام برحلة ليلية من بيروت باتجاه الشمال، وصولا إلى عكار، بالسيارة لا بالطوافة، ليشاهد بأمّ العين حجم المعاناة التي يتكبّدها أي مواطن يقصد بيروت ليلا، وليختبر الطريق كما يختبرها المواطن، من دون حواجز أو مواكب أو استثناءات، وفي العتمة نفسها التي يعيشها السائقون كل ليلة.


رحلة ساعتين من القلق

رحلة تقارب الساعتين أو تزيد، يضع فيها المواطن حياته على كفّه، ويعتمد على أضواء سيارته وحدها لكي يرى ما ينتظره على الطريق. فربما تكون رحلة واحدة ليلا على الأرض، من بيروت إلى الشمال، أكثر فائدة من عشرات التقارير والمراسلات والاجتماعات. فالمواطن لا يطلب طريقًا مضاءة للترف، ولا يريد واجهة حضارية لالتقاط الصور.

هو يريد فقط أن يرى الطريق أمامه، وأن يصل إلى وجهته سالمًا. أما أن تبقى الطريق بين العاصمة والشمال غارقة في العتمة، فلا يضيئها إلا عابر أو مصباح سيارة، فهذه ليست مشكلة ليلية عابرة. إنها عتمة طريق ومسؤولية دولة وغياب مسؤول.