لم تكن زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي الموسّع إلى بيروت مجرّد نشاط بروتوكولي أو جولة لاستطلاع الفرص في اقتصاد أنهكته الأزمات، بل خطوة سياسية–اقتصادية تعيد لبنان إلى دائرة الاهتمام العربي. ففي توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حمل الحضور الإماراتي رسالة تتجاوز الاقتصاد: مستقبل البلد لم يُحسم لمصلحة الانهيار والحروب، وما زال قادرًا على استعادة دوره مركزًا للاستثمار والخدمات، وحلقة وصل بين الخليج وشرق المتوسط.
وترأس وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وفدًا ضم مسؤولين حكوميين وعشرات قادة الأعمال وممثلي الشركات. وتكمن أهمية الزيارة في أنها نقلت العلاقات اللبنانية–الإماراتية من التعبير عن الدعم الأخوي إلى البحث العملي في المصالح والمشاريع والشراكات المستدامة، في وقت لا يزال لبنان يواجه تداعيات انهياره المالي وضغوط التطورات الإقليمية.
سياسيًا، يعكس الحضور الإماراتي انتقالًا عربيًا تدريجيًا من مراقبة الأزمة اللبنانية إلى المساهمة في فتح مسار للخروج منها عبر الاقتصاد. فالاستثمار ليس حركة مالية منفصلة عن السياسة،بل أداة لإعادة تثبيت لبنان داخل محيطه العربي ودعم نموذج الدولة القادرة على حماية مؤسساتها وإدارة مصالحها.ومن شأن نجاح هذا الانفتاح أن يشجع عواصم وشركات أخرى على العودة، بما يحول المبادرة الثنائية إلى مدخل لإعادة بناء الثقة العربية والدولية بالبلاد.
ولم تبقَ الزيارة في حدود الرسائل. فقد استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون الزيودي والوفد في قصر بعبدا، معتبرًا أن الحضور الإماراتي يحمل رسالة أمل وثقة باستقرار لبنان ومستقبله، ومؤكدًا ترابط الأمن والاستثمار. كذلك عقد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط اجتماعًا مع نظيره الإماراتي، قبل توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التبادل التجاري والاستثماري وتطوير الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وبذلك انتقلت الزيارة من استطلاع الفرص إلى تأسيس إطار حكومي قابل للبناء عليه. ويمنح توقيع مذكرة التفاهم هذا التحرك وزنًا إضافيًا،لأنه يؤسس لقنوات متابعة رسمية يمكن عبرها قياس النتائج، بدل بقاء الزيارة محصورة في الانطباعات والوعود العامة غير المرتبطة بجداول تنفيذ أو مساءلة مؤسسية. ووصف الوزير
الزيودي الزيارة بالناجحة، موضحًا أنها أتاحت استكشاف قطاعات وفرص جديدة، تمهيدًا لوضع مسارات عمل بين الجهات الحكومية والقطاع العام والخاص ومجالس الأعمال.وحددت المواقف الرسمية الطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية ضمن المجالات الحيوية المطروحة للتعاون، ما يكشف أن المقاربة لا تنحصر في العقارات والسياحة، بل تتجه نحو قطاعات ترفع إنتاجية الاقتصاد وتربطه بالأسواق الإقليمية والدولية.
وتكشف الزيارة أن عودة لبنان إلى محيطه العربي لم تعد مرتبطة برسائل الدعم وحدها، بل بقدرته على التحول من ساحة تتنازعها الأزمات إلى دولة تُبنى معها المصالح والشراكات. فطبيعة الزيارة تُظهر أن القناة الاقتصادية ليست منفصلة عن المشهد العام، وأن بناء الشراكة يرتبط بمؤسسات قادرة على الالتزام والتنفيذ. ومن هنا، تصبح نتائج الزيارة اختبارًا لجدية الدولة اللبنانية بقدر ما تمثل فرصةً حقيقية لاقتصادها.
الأهم أن الملتقى حمل موقفًا لبنانيًا رسميًا يربط النهوض الاقتصادي باستعادة الدولة. فقد شدد وزير الاقتصاد والتجارة أمام الوفد على سيادة الدولة وحصرية السلاح، وعلى أن يكون قرار الحرب والسلم بيدها وحدها، مؤكدًا أن الاقتصاد لا يزدهر، ولا يستطيع المستثمر التخطيط بثقة، إذا لم تكن هذه القرارات في يد الدولة. وهكذا لم يعد الربط بين الاستقرار والاستثمار استنتاجًا سياسيًا، بل موقفًا حكوميًا معلنًا أمام الشركاء الإماراتيين.
هذا الموقف يضع لبنان أمام مسؤوليته؛ فانتقال الاهتمام العربي من الاستطلاع إلى الاستثمار يتطلب تطبيق القرارات الدولية، ونزع السلاح غير الشرعي، وانتشار الجيش وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، إلى جانب إصلاح الإدارة والقطاع المصرفي. فرأس المال لا تحميه النيات، بل مؤسسات مستقرة وقوانين واضحة وحدود مضبوطة.
وإذا توافرت هذه الشروط، يستطيع لبنان استثمار مرفئه ومطاره وموقعه وخبراته الهندسية والقانونية والمالية واللوجستية، ليصبح قاعدة للشركات الإقليمية والدولية ويستعيد حضوره في التجارة والطاقة والخدمات. وقد يفتح ذلك أمامه دورًا أوسع في المشاريع الإقليمية المقبلة، من دون تقديم هذه الفرص كمسارات محسومة قبل اكتمال شروطها السياسية والاقتصادية.
زيارة الوفد الإماراتي ليست وعدًا بازدهار فوري، لكنها تجاوزت الرمزية بعد توقيع مذكرة التفاهم. فقد فتحت الإمارات باب الانتقال من التضامن إلى الشراكة؛ أما عبور هذا الباب، فيبقى مسؤولية دولة لبنانية مطالبة بإثبات أن الاستثمار في مستقبلها لم يعد رهانًا على بلد الأزمات، بل شراكة مع دولة تستعيد سيادتها ومكانتها العربية.