بري يحرّم على بيروت ما يحلّله لطهران

عون يفتح باب إنهاء العداء مع إسرائيل

6 دقائق للقراءة

لم تعد التطورات المتسارعة في الجنوب، وما يواكبها من حركة دبلوماسية مكثفة، تسمح للبنان بتضييع الوقت في الدوران داخل الحلقة نفسها. من هنا تحديدًا تكتسب مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من أثينا أهمية تتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي التقليدي. حين يقول رئيس الجمهورية إن الشعب اللبناني «تعب من الحروب»، وإن الحل العسكري «لم ينجح ولن ينجح»، وإن الطريق الأفضل لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل هو الدبلوماسية، فهو يضع، وبوضوح شديد، معادلة يفترض أن تكون بديهية في أي دولة: الدولة تفاوض، والدولة تقرر، والدولة وحدها تتحمل مسؤولية الحرب والسلم.

والأهم أن عون لم يتحدث عن هدنة موقتة ولا عن إدارة أزمة مفتوحة إلى ما لا نهاية، بل عن إنهاء حالة العداء وبناء علاقات أفضل مع الجوار. وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها، لأنها تنقل النقاش من سؤال «كيف نمنع الحرب المقبلة؟» إلى سؤال أكثر جذرية: كيف ننهي العصر الذي تصبح فيه الحرب قدرًا دائمًا للبنان؟

إذًا، قال الرئيس عون، في خلال لقائه الرئيس اليوناني في أثينا، إن لبنان من دعاة السلام والشعب اللبناني تعب من الحروب، وهدف التفاوض مع إسرائيل هو إنهاء حالة العداء، وأن الدبلوماسية هي الطريق لإنهاء حالة العداء، مشيرًا إلى أن لبنان توصّل، برعاية أميركية، إلى توقيع اتفاق الإطار. وشدد على أنه لا يمكن تطبيق اتفاق الإطار من جهة واحدة، بل يجب على الجهتين تطبيقه كاملا ومن دون انتقائية، طالبًا مساعدة اليونان في هذا الإطار. وأكد عون أن حل المشكلة بالطرق العسكرية لم ينجح ولن ينجح، وأن أفضل الحلول هي الدبلوماسية.

كما أكد رئيس الجمهورية، في خلال لقائه رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، تطلّع لبنان إلى دعم اليونان في شتى المجالات، وأوضح أن لبنان قرر معالجة مشكلتيه بالتلازم والتزامن والتوازي، من خلال انسحاب الاحتلال الإسرائيلي كاملا، وبسط القوات المسلحة اللبنانية وحدها سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية.

وخلال القمة المشتركة، أكد الرئيس اليوناني قسطنطين تاسولاس أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل تساعد على أن يتمتع لبنان بالاستقلالية والرفاهية، وكذلك على تطبيق القرار 1701.

تناقض في خطاب بري

وفي الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، نستعيد ما قاله قبل اندلاع الحرب اللبنانية: «حمل السلاح في الداخل خيانة. من يريد حماية طائفته فليعمل لبناء دولة عادلة، لأن الطوائف لا يحميها إلا العدل». لقد كان الصدر يدرك أن حماية الوطن لا تكون فقط بالبندقية، وأن الطائفة لا تُحمى بتسليم قرارها إلى السلاح، بل بالدولة والعدالة والسيادة.

من هنا يصبح كلام الرئيس نبيه بري، في ذكرى تغييب الصدر، عن التشكيك بالمفاوضات باهتًا، وكأنه يسلّم بأمر الحرس الثوري الإيراني. فالسؤال الذي يُطرح على بري، وعلى كل من يرفض المسار التفاوضي، بسيط وواضح: ما البديل؟ فالمفاوضات لم تكن هي التي جلبت الحرب إلى لبنان، بل كانت، ولا تزال، واحدة من الأدوات القليلة التي جنّبت لبنان اتساعها. ولولا الرعاية الأميركية المباشرة والاتصالات التي أبقت خيط التفاوض قائمًا، لكان الجنوب اليوم أمام واقع أشد اشتعالا. ربما لا تكون الجولات السبع قد أنتجت التسوية النهائية التي يريدها لبنان، لكن اختزالها بأنها «لم تأتِ بأي نتيجة» هو قراءة سياسية مبتورة. فالنتيجة الأولى لأي تفاوض في زمن الحرب هي منع الحرب من التحول إلى كارثة أكبر، وفتح نافذة للحل السياسي، وإبقاء القرار اللبناني على الطاولة بدلا من تركه بالكامل في الميدان.

أما الحقيقة الأكثر قسوة، فهي أن مشكلة المفاوضات ليست في المفاوضات نفسها، بل في من يريد استخدامها ورقةً لتحسين شروطه، ومن يعرقل الوصول إلى نتائجها كلما اقتربت من وضع السلاح وقرار الحرب على طاولة البحث. وفي لبنان، بات واضحًا أن ميليشيا «حزب الله» هي العقدة الأساسية أمام استكمال مسار الدولة.

فقد اعتبر الرئيس بري، في المناسبة، أن السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني خطوط حمراء ممنوع تجاوزها والمساس بها تحت أي عنوان من العناوين، ومن غير المقبول أن يكون الجنوب منطقة عازلة أو حزامًا أمنيًا لأي كان. وأكد أن حركة «أم»ل وكتلة «التنمية والتحرير» مارستا حقهما الديمقراطي في رفض اتفاق الإطار، قائلا: «ولا نزال على الموقف نفسه»، سائلا: «سبع جولات من التفاوض المباشر، ماذا كانت النتيجة»؟ واعتبر أن أي دعوة لإعادة النظر في شكل النظام السياسي لا تتوافق مع وثيقة الطائف هي مغامرة غير بريئة وغير محسوبة، تهدد وجود لبنان وسلمه الأهلي وسيادته ووحدة ترابه الوطني.

وقد أشار مصدر رسمي عبر «نداء الوطن» إلى أن كلام بري نسف كل شيء، ويبدو أنه خضع لابتزازات «حزب الله»، فقد هاجم اتفاق الإطار والمناطق التجريبية وكل مسار التفاوض الذي يقوده الرئيس عون ويضعه في أجوائه. أضاف المصدر: يبدو أن هناك غرفة عمليات للثنائي الشيعي هدفها رفع منسوب التوتر في البلاد ومهاجمة رئيس الجمهورية، إذ إن الهجوم اللاذع الذي قاده إعلام «حزب الله» على زيارة عون لليونان والغمز من نافذة الاتفاق الأمني يدل على أن بري و«الحزب» قررا اعتماد سياسة الهجوم، ويبدو أن هناك أمر عمليات إيرانيًا للتصعيد ضد الرئيس والدولة اللبنانية والمفاوضات.

ولفت المصدر إلى التناقض الواضح في خطاب بري، فمن جهة يهاجم المفاوضات اللبنانية لأن الدولة تقودها، ومن جهة ثانية يثني على المفاوضات الأميركية - الإيرانية والمبادرات التي تقودها باكستان، علمًا أن واشنطن قتلت المرشد الأعلى ومعظم القيادات الإيرانية، في حين تستمر بشن هجمات داخل الأراضي الإيرانية، بينما لا يخرج أي صوت من بري أو «الحزب» ينتقد استمرار إيران في التفاوض تحت النار.

«اليونيفيل» وتداعيات انسحابها

رأس رئيس مجلس الوزراء نواف سلام الاجتماع الوزاري الدوري في السراي، وتركز البحث على موضوع قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل»، والتداعيات التي قد تترتب على انسحابها وما يمكن أن يتركه ذلك من فراغ، حيث جرى التأكيد على ضرورة استمرار وجودها في الجنوب.

كما بحث الاجتماع وضع الموارد المالية في ظل شحها، مع التشديد على ضرورة تكثيف الجباية وتعزيز الإيرادات، بالإضافة إلى التحضيرات والحاجات المرتبطة بانطلاق العام الدراسي، إلى جانب عدد من الملفات المتفرقة.