الدكتور سايد حرقص

لماذا يصرّ الإسرائيلي على حل شيفرة حصن «علي الطاهر»...؟

4 دقائق للقراءة

بعد أن بدأت تتكشف حقيقة أن أنفاق قلعة الشقيف لم تكن سوى ستار تضليلي لحجب المواقع والقواعد الأساسية، تقدّم اليوم بالنسبة إلى الإسرائيلي تلة «علي الطاهر» مدخلاً لفهم الشيفرة الهندسية والعسكرية التي اعتمدها حزب الله على مدى أربعة عقود في بناء منظومته الدفاعية والهجومية تحت أرض الجنوب.

فـ«علي الطاهر» ليست مجرد تلة مرتفعة تمنح من يسيطر عليها أفضلية بصرية ونارية. فموقعها المطل على منطقة النبطية، والمتصل بمحاور إقليم التفاح والتلال الممتدة نحو جبل الريحان، يجعل منها نقطة حاكمة ضمن منظومة جغرافية عسكرية مترابطة. ومن هنا يمكن النظر إليها بوصفها «نموذجاً مرجعياً» يساعد على قراءة الطريقة التي بُنيت بها شبكة الانفاق والتحصينات في مناطق أخرى من الجنوب.

تكمن أهمية التلة، قبل كل شيء، في موقعها داخل العلاقة بين خطوط المواجهة والعمق الذي يوفر الإمداد والدعم والتخزين. فالسيطرة على نقطة مرتفعة ومحصنة من هذا النوع لا تمنح أفضلية في الرصد والمراقبة فحسب، بل تؤمّن تحت الأرض ترابطاً بين المواقع المجاورة، وتسمح ببناء منظومة معقدة من أنفاق الإسناد المتبادل، بحيث لا تعمل كل قاعدة بصورة منفردة، بل كجزء من شبكة واحدة محصنة بحكم التلال والمحاور المعقدة.

وهنا تظهر أهمية الأنفاق. فهي ليست مجرد ممرات تحت الأرض، بل جزء من بنية عسكرية متكاملة تهدف إلى حماية القوة العسكرية المقاتلة، وإخفاء الحركة، وتأمين الاستمرارية في ظروف القتال الصعبة. ويعكس هذا النموذج انتقالاً تدريجياً من مفهوم «حرب العصابات» التقليدية إلى مفهوم أكثر تعقيداً يقوم على «الدفاع المحصّن والمستدام» تحت شعار رفعه حزب الله: «جبالنا خزائننا»، حيث تصبح الجغرافيا والتحصين والتمويه والتخزين والقدرة على الصمود عناصر مترابطة في عقيدة واحدة.

تكشف منظومة التحصينات تحت الأرض، التي أُنشئت بمساعدة هندسية ولوجستية من خبراء ومهندسين من كوريا الشمالية، كما بات معروفاً، عن مجموعة من الخصائص الهندسية والتكتيكية، أبرزها الاستفادة من الغطاء الصخري الطبيعي الصلب والكثيف لحماية المنشآت من القصف الجوي، واستثمار وجود الغابات والمساحات الخضراء للحدّ من إمكانية كشفها واستهدافها. وهنا يظهر دور وأهمية الجمعيات البيئية التي أنشأها حزب الله، ولا سيما جمعية «أخضر بلا حدود»، التي أدّت أدواراً عسكرية تحت غطاء بيئي.

كما تعتمد المنظومة على ربط مكوّناتها بممرات ومخارج متعددة تتيح الحركة وإعادة التموضع بعيداً عن المراقبة الجوية. وبذلك تتحول طبيعة الأرض نفسها إلى جزء من المنظومة الدفاعية، ويصبح كشف مواقعها وتحديد مراكز ثقلها أكثر تعقيداً من مجرد السيطرة على سطح التلة.

من هذه الزاوية تحديداً، تصبح «علي الطاهر» أكثر من موقع عسكري. إنها مفتاح لقراءة المنطق الذي حكم بناء المنظومة العسكرية لحزب الله في الجنوب، وفهم العلاقة بين الموقع الجغرافي والتحصين تحت الأرض وشبكات التمويه و الإسناد والتموين والاتصال.

وهذا ما قد يفسر، من الناحية العملياتية، لماذا لا يكون التعامل مع مثل هذه المواقع مسألة اقتحام مباشر وسريع، ولماذا تسبق أي عملية برية محاولات لإضعاف البنية الدفاعية وكشف مكوّناتها وتعطيل قدرتها على التواصل والإسناد.

لهذا يمكن النظر إلى حصن «علي الطاهر» باعتباره تجسيداً لعقيدة «الدفاع الجغرافي المركّب» التي تطورت لدى حزب الله خلال العقود الماضية: مواقع متداخلة، تضاريس مختارة بعناية، تحصينات تحت الأرض، وعمق يسمح للقوة المدافعة بالاستمرار والمناورة.

ومن هنا تأتي دلالة المعركة حولها. فالمسألة لا تتعلق بتلة إضافية تُضاف إلى خريطة السيطرة، بل باختبار لمنظومة عسكرية كاملة. فإذا سقطت «علي الطاهر» وفقدت وظيفتها كعقدة في هذه الشبكة، فإن السؤال لن يعود: من يسيطر على التلة؟ بل: هل بدأت المنظومة التي بُنيت حولها الأساطير والقصص تفقد قدرتها على العمل كمنظومة واحدة؟

فقيمة حصن «علي الطاهر» ليست في أنفاقها فقط، بل في كونها مدخلاً إلى متاهة معقدة من الأنفاق والقواعد المترابطة، والتي تشكل نموذجاً لفك الشيفرة الهندسية والعسكرية التي بُنيت عليها قواعد حزب الله تحت أرض الجنوب. وإذا تمكنت إسرائيل من تفكيك هذه الشيفرة، فقد لا تكون المعركة المقبلة على تلة أو نفق، بل على إنهاء وتفكيك منظومة كاملة بُنيت على مدى أربعة عقود، بكلفة خيالية تكاد تلامس حدود الأسطورة.