جيفري هورنونغ

على الولايات المتحدة واليابان الاستعداد للحرب مع الصين

13 شباط 2021

المصدر: War On The Rocks

02 : 01

في الأسبوع الماضي، صعّدت الصين موقفها ضد تايوان فاعتبرت "الاستقلال مرادفاً للحرب". وقبل بضعة أيام على ذلك الموقف، رصدت وزارة الدفاع التايوانية 15 طائرة مقاتلة من القوات الجوية الصينية داخل منطقتها الدفاعية الجوية. يشير تصاعد التهديدات باستعمال القوة إلى استمرار التحدي العسكري الذي تطرحه الصين على الأرجح، ما يجعل هذا الملف على رأس أولويات إدارة بايدن.

على عكس إدارة ترامب التي اعتمدت مقاربة مبنية على المصالح الشخصية مع الحلفاء، قد تدرك إدارة بايدن أن المصالح الأميركية لا يمكن تحقيقها إلا عبر ترسيخ الالتزام الاستراتيجي مع الحلفاء في هذا الملف وسواه. يمكن التعامل مع جزء من التحدي العسكري الصيني عبر اللجوء إلى اليابان، حليفة واشنطن القديمة، لتقوية أحد أبرز جوانب التحالف الأميركي الياباني: خوض الحرب.

العلاقة الأميركية اليابانية لها جذور عميقة. لكن بعيداً من الدعوات إلى تكثيف العمليات المشتركة، نادراً ما يتم تسليط الضوء على خصائص البُعد العسكري من هذا التحالف، مع أن العلاقة المؤسسية بين الجيشَين والمؤسسات الدفاعية في البلدَين تبقى معقدة جداً ويمكن تحسينها على مستويات عدة.

يهدف التحالف في جوهره إلى ردع الاعتداءات، لكن يتطلب تحقيق هذا الهدف قدرات فاعلة لخوض الحرب. يُعتبر هذا التحالف، كما يُقال في مناسبات متكررة، حجر أساس للسلام والأمن والاستقرار في المنطقة. تأتي هذه المنافع على شكل التزام مشترك بإطلاق استجابات قوية في زمن السلم وفي الحالات الطارئة. لكن هل يمكن اعتبار التحالف جاهزاً ومخولاً للقيام بما يلزم في أي صراع محتمل؟

نظراً إلى سلوك الصين خلال السنة الماضية تحديداً، قد يستعد الحليفان الأميركي والياباني لأي تحرك عسكري صيني محتمل ضد تايوان. يظن البعض أن هذا التحرك لن يحصل في أي وقت قريب، لكن ماذا لو حصل بعد عشر سنوات مثلاً؟ يُفترض أن تستعد الولايات المتحدة لهذا الاحتمال، حتى لو بدا مستبعداً في الوقت الراهن. إذا هاجمت الصين تايوان، سيُطلَب من اليابان على الأرجح أن تدعم عملية أميركية ذات قوة معينة. قد تستهدف الصين أيضاً القوات الأميركية في اليابان، أو حتى اليابان نفسها. هل يمكن اعتبار التحالف الثنائي مستعداً لإطلاق عملية حربية تشمل الدفاع عن اليابان؟ للإجابة على هذا السؤال، تستطيع إدارة بايدن أن تتعاون مع اليابان لمعالجة مسائل لها أهمية كبرى في حال خوض الحرب.

تتعلق المسألة الأولى باكتساب سلطة قانونية مناسبة. حتى لو قررت اليابان أن تتجاوز حدود دفاعها الخاص وتنتقل سريعاً من زمن السلم إلى خوض الصراع، يجب أن يضمن الحليفان شكلاً من التنسيق بين الجداول الزمنية السياسية اليابانية وبرامج العمليات الأميركية. للسماح لقوات الدفاع عن النفس باستعمال القوة مثلاً، يجب أن يعتبر رئيس الوزراء الياباني الوضع القائم تهديداً على صمود اليابان. انطلاقاً من هذه النقطة، قد تحصل نقاشات حول أي دعم محتمل للعمليات الأميركية التي تشمل استعمال القوة.

إذا أوضحــــــت الولايات المتحدة نوع الدعم الذي ستطلبه من اليابان في عملياتها، تستطيع طوكيو حينها أن تُحضّر أُطُر العمل القانونية والسياسية اللازمة في زمن السلم لضمان المصادقة عليها سريعاً عند وقوع أي أعمال عدائية. وإذا انضم حلفاء آخرون للولايات المتحدة إلى هذه الجهود، قد تبرز الحاجة أيضاً إلى تحركات أخرى مثل تحليق الطائرات وتسهيل الوصول إلى اليابان. بعدما انشغلت اليابان بتقوية علاقاتها الأمنية مع شركاء أوروبيـــــين أساســــــيين ودول إقليمية مثـل أستراليا، قد يصبح التعاون مع اليابان أساسياً الآن لإبرام الاتفاقيات اللازمة وتسهيل تدفق تلك القوات المتزايدة خلال الحرب.

لتنفيذ أي عملية، يجب أن يكون الحليفان على الموجة نفسها، حتى لو اقتصر دور اليابان على تقديم الدعم في المنطقة الخلفية. إذا كان الطرفان يفتقران إلى خطة واضحة لتنفيذ العمليات المشتركة في حال وقوع حادث طارئ مرتبط بتايوان، فهل يمكن أن يُطوّرا على الأقل خطة خاصة بكل طرف منهما ويحرصا على تقاسمها معاً؟ على صعيد آخر، قد تتساءل الولايات المتحدة واليابان عن حجم ثقتهما بآليات التنسيق المعتمدة على مستوى قيادتهما الموازية وهياكل التحكم، بما يصبّ في مصلحة قواتهما العسكرية في ساحات المعارك المتبدلة رغم تراجع المعلومات المتاحة. وبما أن العمليات ستنطلق من الأراضي اليابانية، هل ستكون الذخائر واحتياطيات الوقود التي يملكها الحليفان كافية لإطلاق حملة متواصلة؟ إذا بدأت إدارة بايدن تُراجع هذه المسائل كلها، سيتمكن البلدان الحليفان من التعاون في ما بينهما لمعالجة أي تناقضات أو شوائب محتملة.

بما أن أي أعمال عدائية مع الصين تعني على الأرجح مهاجمة اليابان، قد يحتاج الحليفان إلى تقوية قدراتهما الدفاعية والهجومية. بالإضافة إلى مراجعة أساليب تقوية الدفاعات الصاروخية الجوية، لا سيما بعدما ألغت اليابان عملية شراء نظام الدفاع الصاروخي البالستي "أيجيس أشور"، قد يحتاج الحليفان إلى تقييم مدى فاعلية دفاعاتهما الجامدة التي تسمح لهما بمتابعة القتال لمدة طويلة (أي خطوط الوقود أو المستودعات المُدعّمة، وملاجئ الطائرات، والأشراك الخداعية...). إذا كان النظام الدفاعي "أيجيس أشور" أصعب من أن تستعمله اليابان، يسهل أن نفترض أنها ستجد صعوبة مضاعفة في استخدام صواريخها الأرضية الهجومية ومتوسطة المدى في أي وقت قريب. نتيجةً لذلك، يستطيع الحليفان أن يناقشا مدى استعداد اليابان لاستضافة الأنظمة الأميركية في القواعد المستعملة راهناً.

وإذا كان هذا التحرك صعباً أيضاً، يستطيع البلدان أن يستعدا ويتدرّبا على الأقل كي تتمكن الولايات المتحدة من نشر تلك الأنظمة سريعاً في اليابان خلال أي صراع. وحتى لو لم تكن تلك الأنظمة متاحة لأن الحليفَين يملكان صواريخ بحرية وجوية متقدمة، يمكنهما أن يراجعا قدرات تقاسم البيانات ويعيدا تحليل دورات الاستهداف المشتركة بينهما على ضوء التحديث العسكري السريع الذي تقوم به الصين وجهودها الرامية إلى إعادة تنظيم صفوفها في السنوات الأخيرة. في أي حرب قد تشمل المجالات السيبرانية والفضائية والكهرومغناطيسية، قد يضطر الحليفان للتأكد من قوة الشبكات وأجهزة الاستشعار والمنصات لردع أي اعتداءات صينية تستهدف أنظمة القيادة والتحكم، والاتصالات، والحواسيب، والاستخبارات، وعمليات المراقبة والاستطلاع. لكن تتطلب هذه الجهود كلها بعض الوقت.

نظراً إلى احتمال تورط المدنيين اليابانيين في حال تعرّض الجزر اليابانية للهجوم، قد تحتاج اليابان أيضاً إلى الاستعداد لإطلاق رد حكومي شامل. لا مفر من سقوط الضحايا أو تكبد خسائر جسيمة في المراكز السكانية اليابانية. هل أصبح الحليفان الأميركي والياباني مستعدّين لتنفيذ ما قد يصبح أكبر عملية إجلاء غير قتالية في التاريخ؟ لا تتعلق هذه المسألة باقتناء عدد كافٍ من السفن والطائرات، بل بحصول الحليفَين على الصلاحيات القانونية والقدرات المناسبة لحماية الموانئ وتوزيع الأغذية والإمدادات على عشرات آلاف المدنيين.

وإذا بدأ الحليفان يخسران الموارد المادية والبشرية، قد يضطران لإجراء عمليات قتالية من البحث والإنقاذ في أنحاء بحر الصين الشرقي ومساعدة الفِرَق الطبية المدنية في اليابان. يتطلب جزء من هذه الخطوات تمركزاً مسبقاً، بينما تشمل تحركات أخرى مسائل قانونية مثل حاجة عناصر الجيش الأميركي إلى تقديم طلب إلى الحكومة اليابانية كي يتمكنوا من مساعدة المسعفين المدنيين سريعاً في المستشفيات. تشمل هذه العمليات كلها بنوداً متباينة من الحكومتَين. من خلال تنسيق الاستجابات المتوقعة في زمن السلم، يمكن الاستعداد إذاً لوضعٍ فوضوي محتمل.

أخيراً، يجب أن يناقش الحليفان أفضل موقف قوي يخدم مصالحهما. في تقرير أصدرته مؤسسة "راند" مثلاً لتحليل المساهمات اليابانية المحتملة في حالات الطوارئ في بحر الصين الشرقي، تبيّن أن اليابان ستواجه أكبر التحديات في مجالات مثل النقل الجوي والبحري والدعم اللوجستي كلما وقع الصراع في أقصى غرب أوكيناوا. بعد فهم حقيقة هذه التحديات، قد يستفيد الحليفان من تقييم مدى فاعلية طريقة توزيع القوات العسكرية راهناً.

إذا كانت اليابان تواجه التحديات في بعض المجالات، يستطيع الحليفان أن يناقشا التعديلات الضرورية حول وضع القدرات الأميركية في مواقعها الراهنة. في السنوات الأخيرة، فتحت قوات الدفاع عن النفس قواعد عدة في سلسلة الجزر الجنوبية الغربية. هل يمكن الاستفادة مثلاً من تقاسم القوات الأميركية واليابانية للمواقع نفسها في تلك القواعد؟ وفي ظل تنامي أسطول الطائرات "ف-35" اليابانية، واستمرار الجهود الرامية إلى بناء قدرات برمائية، والتخطيط لاستعمال طائرة مقاتلة مستقبلية ومنصات غير مأهولة، ما هي التعديلات الأخرى التي يمكن إحداثها في القوات العسكرية الأميركية لتطوير هذه القدرات مُجتمعةً؟

لا أحد يتوقع من إدارة بايدن أن تعالج هذه المسائل كلها سريعاً. ربما يُركّز الحليفان في الوقت الراهن على التفاوض حول دعم الدولة المضيفة في اليابان، لكن تتعلق مسألة أكثر أهمية بقدرتهما على محاربة حالات الطوارئ الإقليمية، حتى بالقرب من الجزر اليابانية النائية. بدل الاكتفاء بالتركيز على المبادرات الاستراتيجية الواسعة في المرحلة المقبلة، وهو ما يميل الحلفاء إلى فعله عموماً، يمكن بذل الجهود اللازمة لتعزيز الجانب المرتبط بخوض الحروب في التحالف لتحضيره للقتال وتحقيق الانتصار في حال وقوع أي أعمال عدائية. كلما تأجّلت هذه الجهود، ستصبح التحديات المطروحة على الإدارات الأميركية المستقبلية أكثر عمقاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.